جون بولتون في مذكراته: صدام العنجهيات

■ كما هو الحال في أغلب المذكرات، النجم الكبير هنا هو المؤلف، إن أراد أم لم يرد. حوله تدور الأحداث والآخرون، لا فرق إن كانوا أهم منه أو أدنى في صناعة الأحداث، فهو بوعي أو بدونه، مركز الدائرة، حيث كل الآخرين يدورون، وبها تُقاس أفعالهم وإنجازاتهم. هذا في معظم الحال المُعتاد في كتابة المذكرات. هناك حالات ذات إثارة أكبر، لا تندرج حتى في ما هو مُعتاد، مثلاً، في حال كون المؤلف أو المؤلفة مهووسا هوساً إضافيا بتمركز الكون حول ذاته المتضخمة، أو في حال التعامل مع المذكرات كمدفعية ميدان، هدفها الانقضاض بالقصف الثأري على خصم أو خصوم مُحددين. ربما كان ثمة حالات أخرى عديدة وغير مُعتادة، لكن ما يرتبط وثيقا بقراءة كتاب جون بولتون الأخير «الغرفة التي شهدت» هو الحال المُزدوج لذاتٍ بالغة العنجهية والغرور، تكتب في لحظة أخذها بالثأر (ضد دونالد ترامب، رئيسه ومنافسه في حلبة الذات المغرورة).
الاثنان ينتميان عمليا إلى المدرسة السياسية ذاتها، التي تؤمن بالقوة، وأفضلية النهج الأحادي على التعددي في السياسة الدولية، وأولوية تحقيق مصالح الولايات المتحدة القصوى، حتى لو أدى ذلك إلى الدوس على أي شيء آخر، بما فيه القانون الدولي، حقوق الإنسان، مصالح الدول الأخرى (حتى لو كانت حليفة). لا ينطبق هذا على إسرائيل بالطبع فهذه الأخيرة يُنظر لها ولمصالحها من زاوية تماهيها العضوي مع الاستراتيجية الأمريكية.
في المواقف والقضايا الكبرى، لا نقرأ في طول وعرض الكتاب خلافاً بين الاثنين في الجوهر، بل في أسلوب المعالجة والقرار، أو التوقيت والإخراج. ترامب يريد أن يكون دوما هو النجم الأوحد، صانع الصفقات، مُعلن القرارات، مُدهش الإعلام والعالم بمفاجآت سياسية لا يتوقعها أحد. هوسه بالإعلام والكاميرا أثار حنق بولتون عليه. ترامب يفكر بعقله التلفزيوني وليس السياسي. مثلا، لقاء مفاجئ وغير متوقع مع رئيس كوريا الشمالية، الذي وصفه بأبشع الألقاب، سوف يقلب العالم الإعلامي رأسا على عقب، أو لقاء، كما اقترح ولمح وحاول، مع خامنئي إيران أو الرئيس روحاني، أو على الأقل مع جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني، سوف يحقق الصدمة العالمية ذاتها. بولتون عارض ذلك كله، وكان يريد الحصول على تنازلات وفواتير من الأطراف المختلفة، تقدم للولايات المتحدة حتى قبل حدوث أي لقاء علني. الخلاف بينه وبين ترامب كان عمليا في «توقيت دفع الفواتير»، ترامب جاهز لتأجيل الفواتير لما بعد «الخبطة الإعلامية»، بولتون يريد الدفع سلفاً. ما سوى ذلك، اتفق الاثنان على إيران ومنعها من امتلاك السلاح النووي، بل وإعلام إسرائيل بأن الولايات المتحدة سوف تؤيد استخدام القوة، إن قررت إسرائيل ضرب إيران، واتفقا على سياسة متقاربة إزاء كوريا الشمالية، وإزاء روسيا، والاتحاد الأوروبي والناتو. اختلفا في موضوع سحب القوات الأمريكية من سوريا والعراق، ترامب يريد ذلك فورا، وبولتون يريد أولاً ضمان تسديد فواتير المصلحة الأمريكية. اتفقا على فلسطين، أيد كلاهما، وبحماس كما يقول بولتون، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ويتنفس الصعداء لأنه أخيرا استمعت الإدارة الأمريكية لنداءاته بتخفيض الدعم الأمريكي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأنروا)، واتفقا على دعم إسرائيل ونتنياهو الذي يحظى بالمديح الأكثر من بين زعماء العالم، الذين تعامل معهم بولتون.
ويتباهى بولتون بأنه «حذّر ترامب من إضاعة رأسماله السياسي في محاولة إيجاد حل للنزاع العربي الإسرائيلي». إجمالا، حول إسرائيل، وحول العنصرية الأمريكية ضد الفلسطينيين، ليس في الكتاب أي خلاف بين الاثنين، لا في النظرة الاستراتيجية ولا في التكتيك، وليس هناك فواتير تُدفع. في القضايا الأساسية في الشرق الأوسط، يبدو نتنياهو هو المستشار الحقيقي لصناع القرار الأمريكي، إن لم يكن صانعها. يتصل نتنياهو حينما يشاء مع ترامب، وقبل ولوج الأخير مثلا إلى اجتماعات مع بوتين، أو زعماء العالم السبعة، أو القمة العشرين.
عمل بولتون مع ترامب مستشارا للأمن القومي، أقل من سنتين بين إبريل/نيسان 2018 وسبتمبر/أيلول 2019، وبعد اشهر قليلة من استقالته في سبتمبر 2019 اصدر الكتاب الكبير هذا، المفصل والمثير، والممل أيضا في كثير من أجزائه. جذر الحنق والنقمة البولتونية على ترامب، تأتي من قناعة بولتون عقب انتخاب ترامب، بأنه الأحق في تولي وزارة الخارجية. في المقدمة والفصل الأول يقدم مرافعة طافحة بالأنا والغرور، يعدد فيها إنجازاته ومناقبه في الشؤون الدولية، وكان قد اشتغل في إدارات جمهورية متعددة، منذ رونالد ريغان وجورج بوش الأب، والابن أيضا، ومتكئا بين الفينة والأخرى على مقولة هنا لرئيس أمريكي سابق، أو مقولة هناك لمنظر من منظري العلاقات الدولية، ليُوحي بأهليته التاريخية والنظرية إلى جانب مؤهلاته العملية.

جون بولتون، ورئيسه ترامب، تلامذة نجباء لهوبز الواقعية السياسية، بأبشع صورها، ويتجلى ذلك في المذكرات طولا وعرضا. لا يتوانى بولتون في إظهار ازدرائه بأفغانستان معتدليها ومتطرفيها، مشددا على أن أهمية أفغانستان بالنسبة له تكمن في موقعها على خريطة المصالح الأمريكية وحسب.

ما يستوجب التسجيل في مقدمة هذه السطور هو الدهشة من التفاصيل الدقيقة التي يوردها بولتون في الكتاب: الزمن بتواريخه وساعاته ودقائقه، الاجتماعات والحضور فردا فردا، ومزاج كل منهم، ومن قال ماذا، ومن رد على من وكيف، والمدة التي استغرقها الاجتماع الفلاني، والساعة والدقيقة التي استقل فيها السيارة عائدا، مثلا، إلى بيته، وهكذا. التفاصيل ذاتها يسردها عن رحلاته، سواء مع ترامب أو غيره لعشرات البلدان، من كوريا الشمالية إلى مولدافيا، أي ساعة استقلوا الطائرة، ومن كان معهم، وماذا قال أعضاء الوفد الأجنبي في المفاوضات، وكيف ابتسم ساخرا، مثلا، كيم أيل جونغ أمام ترامب، وماذا رد هذا الأخير. ليس هناك شك في أن بولتون كان يدرك بذكائه وثعلبيته السياسية التي بناها طيلة عقود اشتغاله في قلب المؤسسة الأمريكية، أنه مجرد عابر كالآخرين في العالم الفانتازي الخاص بترامب، ولذا يبدو أنه كان يسجل كل شاردة وواردة وفي حينها. وكما هي حال مستشار الأمن القومي، الذي سبقه ولفظه ترامب، وحال الكثيرين الذين عينهم، ثم أقالهم الرئيس المهووس بذاته، فإن مصير بولتون في البيت الأبيض لن يكون أفضل من مصيرهم.
يتوسع بولتون في عرض، واستعراض، نظراته وتنظيراته لموقع وعمل مستشار الأمن القومي، وينتهز الفرصة كي يُظهر للقارئ خبراته السابقة. مهمته، كما يقول، كانت في تنسيق العمل بين الرئيس والخارجية والبنتاغون والمخابرات، وعرض الخيارات المختلفة، إزاء أي وضع استراتيجي أمام الرئيس، كي يتخذ القرار النهائي. يقول بولتون إن هذا هو التقليد والمهنية، التي اتبعها الرؤساء الأمريكيون قبل ترامب، والتنسيق الدقيق والمكثف بين دوائر صنع القرار، وبإدارة مستشار الأمن القومي، هو الذي يحصن قرار الرئيس من أي أخطاء محتملة. ترامب على غير كل الرؤساء السابقين كان وما زال مقتنعا بعبقرية خاصة تميزه عن غيره، وبامتلاك قدرة وغريزة على صنع القرار، حتى لو كان ذلك القرار مخالفاً لكل مستشاريه وتقاريرهم. تنبه أعضاء إدارة ترامب مبكراً لهذه النزعة الغريزية عند ترامب، وحاولوا دوما ترويضها، ويشير بولتون إلى ما عُرف سياسيا وإعلاميا بـ»محور العقلاء» Axis of Adults مثل جيم ماتيس وزير الدفاع، وتيلرسون وزير الخارجية، وستيفن منوشن وزير الخزانة، الذين أحاطوا بترامب وظلوا يحاولون دوما تدجينه وقرارته الطائشة. بيد أن أوضاع البيت الأبيض كانت أسوأ بكثير من ذلك، إذ سرعان ما صار التخبط الترامبي سمة المرحلة، رافقه عدم الثقة والشك المتبادل داخل الحلقة الضيقة بالرئيس. ويصف بولتون أن صراعات البيت الأبيض كانت قريبة من تشبيه هوبز لتنافسات البشر بأنها «حرب الكل ضد الكل».
ترامب صاحب اللسان البذيء لا يتردد في وصف أي شخص بأقذع الأوصاف، ثم لا يتردد في وصفه بأجمل الألقاب في العلن. وصف كيم أيل جونغ وقبل أن يلتقيه في سنغافورة في يونيو/حزيران 2018 بانه «خراء» وبعدها بأيام غرد على حسابه يمدحه ويصفه بأنه صاحب رؤية عظيمة لبلاده. وخلال اللقاء نفسه سأل كيم ترامب عن رأيه فيه، فأجاب ترامب بأنه يرى كيم رئيسا ذكيا وشخصا جيدا ومخلصا جدا وصاحب شخصية عظيمة. وعن الاتحاد الأوروبي كان ترامب يكرر لازمة دائمة وهي «أن الاتحاد أسوأ من الصين لكنه أصغر». نقرأ أيضا عن عنصرية ترامب ووقاحته، أو على الأقل ما سمح الرقيب بنشره في كتاب بولتون. نقرأ عن مكالمة بين ترامب وأردوغان تطرقت للقس الأمريكي، الذي كان معتقلا آنذاك من قبل أنقره بتهمة التجسس، وطالب ترامب بالإفراج عنه، لأن المسيحيين في أمريكا غاضبون وأصابهم الجنون لهذا السبب. فرد أردوغان بأن المسلمين في تركيا غاضبون أيضا بشأن القس وعليه، لكن ترامب قاطعه بأن المسلمين أصابهم الجنون في العالم كله، ويستطيعون أن يقوموا بذلك بحرية. بولتون يتدخل هنا ويعلق تعليقا احتقاريا آخر، ولا يجد وصفا يلصقه بأردوغان خلال ذلك الحديث الهاتفي إلا تشبيهه بموسوليني، عندما كان يلقي خطاباته من على الشرفة المشهورة (Balcony over Palazzo Venezia) في روما. كيف وصل بولتون إلى هذا الوصف من دون أن يرى أردوغان في تلك اللحظة، والأخير يتحدث على الهاتف وباللغة التركية أيضا؟ ثمة عنصرية بيضاء دفينة لا يستطيع كبتها بولتون، وتقفز إلى السطح من آن لآخر رغم حذره الشديد وبراعته في الكتابة.
في صور أخرى للبذاءة الترامبية، يذكر بولتون أن رئيسه كرر له «أسلوبه» في قطع العلاقة مع أي بلد من البلدان، إذا أحس بأن الطرف الآخر على وشك نقض معاهدة أو اتفاق مثلا. هنا فإن ترامب يسارع ويكون هو البادئ في قطع تلك العلاقة، بناءً على تجربته في مواعدة النساء، حيث كان كلما شعر بأن المرأة التي يواعدها على وشك تركه، فإنه يسارع لتركها قبل أن تتركه – break up first. ويذكر أيضا أن ترامب كان يحتقر الرئيس الفرنسي ماكرون، وقال عنه ذات مرة «كلما وضع يده على شيء حوله إلى خراء» Everything he touches turns to shit . ثمة قصة أخرى يوردها بولتون تدلل على مستوى انحطاط الرئيس الأمريكي، وهذه المرة خاصة بزوجة رئيس المعارضة الفنزويلي خوان غوايدو الذي كانت تؤيده أمريكا للإطاحة بمادورو. يحدث ذلك عقب زيارة لها إلى البيت الأبيض خلال تفاقم الأزمة في فنزويلا، وإعلان زوجها نفسه رئيسا بالوكالة على الضد من الرئيس الشرعي مادورو. بعد نهاية الاجتماع مع ترامب وبولتون ومسؤولين آخرين، كان انطباع ترامب عن الاجتماع أن روزاليس امرأة شابة وجذابة، لكنها لا تلبس خاتم الزوجية في أصبعها! دُهش جميع الحاضرين لهذا التعليق، وكانوا ينتظرون تقييماً سياسياً من الرئيس. أصبحت قضية «خاتم الزوجة» مسألة يرددها ترامب كلما حضرت الأزمة الفنزويلية، إذ بنى عليها موقفه من رئيس المعارضة بأنه شخصية ضعيفة، بدليل أن زوجته تستضعفه ولا تلبس الخاتم، وبالتالي لا يمكن له الوقوف أمام مادورو الرجل الحقيقي!
جون بولتون، ورئيسه ترامب، تلامذة نجباء لهوبز الواقعية السياسية، بأبشع صورها، ويتجلى ذلك في المذكرات طولا وعرضا. لا يتوانى بولتون في إظهار ازدرائه بأفغانستان معتدليها ومتطرفيها، مشددا على أن أهمية أفغانستان بالنسبة له تكمن في موقعها على خريطة المصالح الأمريكية وحسب. أما ترامب فيكرر شتم فساد الرئيس قرضاي، غير مدرك حتى اسم الرئيس الحالي لأفغانستان. يستطرد في التشديد على أن الإرهاب الإسلامي أصله الدين، وأنه لن ينتهي، ولهذا فإن حرب أمريكا في أفغانستان أو سوريا أو العراق، لم تكن بهدف تحويل هذه البلدان إلى بلدان أفضل وأكثر أمنا للعيش فيها ـ مكررا «فأنا لست بان للبلدان» I am not a nation builder. وحول العراق تحديدا وفي لقاء مع بوريس جونسون في لندن في يونيو 2019 قال هذا الأخير «اعتقد أن مسألة بناء الديمقراطية (في العراق) كانت خطأ،ً يؤكد ما ذهب إليه ترامب في حديث سابق، فضحك ترامب ووجه حديثه لبولتون قائلا هل انتهينا من مسألة تغيير النظام؟ فأجاب بولتون أحيانا نحتاج إلى تغيير النظام، لكن بناء الديمقراطية شأن آخر. وفي حديث له مع ترامب حول المفاوضات مع طالبان ومضمونها، شدّد على ضرورة عدم حصول أي أعمال إرهابية ضد القوات الأمريكية خلال وبعد انسحابها من هناك، فرد عليه ترامب «سوف نقول لهم بأننا سندمر البلد كلها إذا سمحوا بأعمال إرهابية من أفغانستان». كان وفد طالبان قد أحس برغبة ترامب بالانسحاب، ولهذا لم يكن الوفد في عجلة من أمره، وكما يقول بولتون بحنق، لقد كانوا يتبعون ما كانوا يقولونه دائما «لديكم الساعات، ولدينا الوقت» – ‘you have the watches, we have the time’.

يستعرض بولتون سياسات وقرارات ترامب في السياسة الدولية ويفصل فيها، وكلها تُظهر رعونة الرئيس وتخبطه، عدم فهمه أيضا للأبعاد الاستراتيجية الحقيقية لسياسة الهيمنة الأمريكية.

المنطق ذاته ينطبق على سوريا والعراق، وفي كل النقاشات التي وردت في الكتاب حول البلدين لا حديث عن الشعب، فهذا آخر ما يُفكر به. البلاد والشعوب بيادق على رقعة شطرنج المصالح الأمريكية، وما يهجس به بولتون في سوريا هو الوجود الروسي والإيراني، وترامب يحتقر الشعوب كافة ولا يتردد في ازدراء الأكراد الذين لا يعرفون القتال، ويهربون في المواجهات العسكرية، كما لا يني يردد الخطأ الأمريكي الاستراتيجي الكبير بعد حرب العراق، حيث لم «تأخذ» أمريكا نفط العراق بكامله! في مسألة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي لم يهتم ترامب بتفاصيل الموضوع، ولا بشاعة الحادثة، بل كرر بوضوح موقفه إزاء محمد بن سلمان قائلاً: «سواء هو الذي فعلها أم لم يفعلها فإننا نقف مع السعودية»، وإننا نقدم له صنيعا عظيما في هذا الأمر. وبولتون يشيد بموقفه هذا ويوافقه عليه. وفي نقاشات عن سحب ما تبقى من قوات أمريكية في قاعدة الأسد العراقية، كان ترامب يصر على سحبها بأسرع وقت صارخا: «لا اهتم حتى لو عادت داعش إلى العراق». ويكرر مرارا أن على العرب أن يدفعوا كلفة الوجود الأمريكي في الخليج (الكلفة زائد 50%)، لأن أمريكا لم تعد بحاجة إلى نفطهم.
في حرب أمريكا ضد فنزويلا يريد بولتون أن يدرج البلد ضمن قائمة البلدان الراعية للإرهاب من أجل مضاعفة الضغط على حكومة مادورو وإسقاطها، ولا يقول لنا على أي أساس يمكن أن يكون هذا الإدراج.
يستعرض بولتون سياسات وقرارات ترامب في السياسة الدولية ويفصل فيها، وكلها تُظهر رعونة الرئيس وتخبطه، عدم فهمه أيضا للأبعاد الاستراتيجية الحقيقية لسياسة الهيمنة الأمريكية. حتى إزاء حلفائه مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا، فإن ترامب مدفوع بهاجس واحد هو إجبار هؤلاء الحلفاء على دفع كلفة «دفاع أمريكا» عنهم، وعن القواعد العسكرية المنتشرة على أراضيهم، أو في مياههم الإقليمية. وعوض أن يضع سياسة فعالة تجاه صعود الصين، كما يوصي بولتون، فإنه يستمر في مناكفاته التجارية معها، وبأن «الصين تغتصبنا»، وكل همه تقليل عجز ميزان التجارة الأمريكي ـ الصيني. ومع ذلك، كما ينتقد بولتون، فإن ترامب يتراخى في اللحظة الأخيرة، ولا يقدم على الخطوات الضروية لكبح جماح الصين وشركاتها وتوسعها. ويتحسر بولتون كون ترامب لا يعي أن شكل القرن الحالي سوف تحدده نتيجة التنافس مع الصين. وفي مكان آخر يورد وصفا كاريكاتيريا لاجتماعات ترامب مع الرئيس الصيني، مثلا في قمة العشرين في بيونس أيرس في ديسمبر 2018، عندما تقابل الوفدان وكان الرئيس الصيني يقرأ ملاحظاته بترتيب مدهش من أوراقه، بينما ترامب يرتجل تعليقاته، ولا أحد في الوفد الأمريكي كان بمقدوره التنبوء بما يمكن أن يخرج من فم الرئيس. وفي لقاء آخر له مع الرئيس الصيني في أوساكا في شهر يونيو 2019 قال له «أنت أعظم رئيس مرّ على الصين خلال الثلاثمئة عام الماضية، بل أعظم رئيس في تاريخ الصين». وفي ذلك اللقاء أيضا أثيرت مسألة «معسكرات الاعتقال» التي أقامتها الصين للأقلية المسلمة، الإيغور، وكان بولتون يريد أن يستخدم هذه للضغط على الصين، لكن ترامب أيد الرئيس الصيني وشجعه على المضي فيها.
قراءة كتاب جون بولتون، الذي لم يقل إلا ما تسمح به القوانين الأمريكية، التي تمنع التطرق للموضوعات الحساسة والسرية، يؤكد ما يعرفه العالم من عنجهية وبلطجة أمريكا السياسية التي لا ترى في العالم إلا ساحة لتعظيم مصالحها، رغم كل شيء ورغم أنف الجميع.

٭ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية