يوماً بعد يوم تنحسر مساحة ما يمكن أن يقال تعليقاً على مجريات الأوضاع في مصر، ليس لأن شيئاً، بل قل أشياء لا تحدث فهي متوفرة، كارثية ومضحكة في آنٍ معاً والحمد لله، ولكن لأنها مكررة تؤكد بمزيدٍ من الدلالة والإيضاح كل ما قيل وأعيد عن الاستعصاء والفشل، اللذين باتا يشكلان السمة الأبرز والألصق بهذا النظام، كما أنها لا تعدو كونها خطوات متعثرة على طريق مشروع ‘التمكين’، تلك الكلمة – المشروع التي ابتذلت من كثرة تكرارها، على الرغم من كونها موجودة وحقيقية.
لكن الجديد الآن هو تصريحات أو ‘تقييم’ جون كيري عن مصر في جلسة الاستماع في الكونغرس، وما تزامن معها تقريباً على المستوى الداخلي من معارك القضاء المخيفة التي انتهت باستقالة وزير العدل، وذلك النمط الذي تكرس في أسلوب الصراع بين ‘فرقاء’ الوطن.
فيما يخص كيري، فالحقيقية أن الرجل، كثر الله خيره، لم يقصر، فقد لخص وأوضح مؤكداً كل تحليلاتنا وقراءاتنا في ردود الفعل الأمريكية إبان تفجر الغضب الشعبي في 25 يناير؛ فليس من شكٍ بتاتاً أن أمريكا فوجئت بذلك الحراك الشعبي، وأن المفاجأة لم تكن سارة، خاصةً حين تكشف مدى ضعف وتهافت نظام مبارك المتهالك تحت وطأة شيخوخةٍ نخرة، وبالتالي سوء تقدير أمريكا للوضع الداخلي في مصر، وما قد ينم عنه ذلك أو يُقرأ من خلال السطور عن سوء أداء أو تقدير أجهزة استخباراتها، التي تهدي صانع القرار الأمريكي، لكن كدولةٍ عظمى وكبيرة بحق، تصرفت الولايات المتحدة ببراغماتية ومرونة تسعى لحماية مصالحها وسمحت، أو لنكن أدق أصرت على التخلص من مبارك، تلك الورقة المحروقة.
ومن نفس المنطلق شرعت تعقد تحالفاتٍ مع القوى على الأرض، وهي على أية حال لم تكن تبدأ من الصفر، فهي تربطها علاقةٌ قديمة مع المؤسسة العسكرية (أشار إليها كيري بثلاثة عقود من التنسيق والتعاون) والإخوان الذي التقوا بهم من قبل وحرصوا على وجود قنوات اتصالٍ بهم. بواقعية محترفي السياسة قبلت الولايات المتحدة بصعود الإخوان المسلمين نظراً لإدراكها انهم الفصيل الأفضل تنظيماً على الارض (على الأقل حينذاك) وكونهم من الناحية الفعلية، وخلف الرطانة الأيديولوجية، يتطابقون مع مبارك في كل انحيازاته الاجتماعية السياسية، وبالتالي فهم الأكثر يمينيةً واقتراباً من الولايات المتحدة… قد لا تستسيغ الإدارة الأمريكية تلك الصبغة الإسلاموية، خاصةً حين تصدر تصريحاتٌ عنصرية ومعادية ضد اليهود من شخصٍ كرئيس الدولة، إلا أنها وفي سياق تطميناتٍ وتعهداتٍ موثقةٍ بالالتزام باتفاقية السلام وبأمن الدولة العبرية، لا تتعامل معها الا على انها ليس أكثر من ‘طق حنك’ أو’فضفضة’، الغرض منها الفرقعة الإعلامية التي اعتادتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة من قادة وساسة بلداننا الذين دأبوا على لعن أمريكا وشجبها والتنديد بها جهاراً نهاراً، وتقبيل الأيادي ليلاً وسراً.
الجديد حقاً في تصريحات السيد كيري هو ذلك التعبير عن نفاد الصبر واليأس من مقدرة د. مرسي (والجماعة من ورائه) على الارتقاء إلى مستوى تفهم الواقع، الذي ما يني يزداد تعقيداً ويؤذن بالانفجار ومحاولة الخروج من خندق تصوراتهم الأحادية اللون والاقصائية، والانخراط في حوارٍ حقيقي وجاد مع الفصائل الثورية الأخرى للعبور بالبلاد من هذا المأزق.
غنيٌ عن الذكر أننا لسنا من السذاجة بمكان لكي نتصور أن السيد كيري وحكومته يصدران عن اهتمامٍ حقيقي بشعب مصر وحرصٍ على وحدتنا الوطنية، فمصالح الولايات المتحدة تقتضي أن تظل مصر متماسكة… لن أقول قوية ومستقلة، وإلا كنت متجاوزاً على جوهر السياسة الأمريكية الاستعمارية – الجديدة ومكانة إسرئيل المحورية منها، وإنما فقط متماسكة من منطلق حرص أمريكا على استقرار المنطقة وأمن الدولة العبرية واستمرار تدفق النفط ، وإدراك أمريكا (الذي لا شك يفوق إدراك الجماعة ) أن الانفجار، الذي ذكرنا عرضاً إذا جاء فلا يستطيع أحدٌ كائناً من كان التنبؤ إلام سيؤدي، ووحده الله يعلم من سيسقط وأي واقعٍ سيفرز… وعلى الأغلب سيعادي أمريكا بطبائع الأمور والمزاج العام السائد بين الشعب وكثيرٍ من ‘النخب’ السياسية على حد سواء… ويا لها من مفارقةٍ مضحكةٍ تلك: الإدارة الأمريكية اتسمت بالمرونة وقبلت بالإسلاميين، بينما اتسموا هم بالجمود وانعزلوا عن فصائل تمثل قطاعاتٍ عديدة في شعبهم.
الأهم في رأيي من تعليقه على الحكومة وأبعد خطراً، هو إثناء السيد كيري ومديحه المفرط وإشادته حد الغزل بالمؤسسة العسكرية وأدائها، فالرجل يحدثنا عن انضباطهم وفضلهم في الحفاظ على وحدة البلاد ووفائهم بالتزاماتهم الخ..
ليس ذلك فحسب، بل إنه يعزو ذلك أو يؤكد الدور المحوري للتقارب أو الشراكة في صورة دوراتٍ تدريبية ومساعداتٍ فنية وتنسيقٍ أمني وما أشبه، بين المؤسسة العسكرية المصرية ومثيلتها في الولايات المتحدة على كل المستويات والرتب طيلة الثلاثة عقودٍ الماضية، منذ توقيع اتفاقية السلام المسخ المنكودة، فضلاً عن تأكيده المشيد بدورهم عبر الاتصال المباشر مع نظيرهم الإسرائيلي في حفظ الأمن والاستقرار على الحدود.
كلامٌ مزعج جداً، وهذا أقل ما يوصف به، والمشكلة لا تكمن في كشفه وتقييمه لطبيعة دور القوات المسلحة منذ الأيام الأولى للثورة وحتى الآن، فذلك لا يدهشنا، وإنما هي التساؤلات عمن يأمر ويحرك، بالإضـــــافة إلى الاعتراف الضــــمني الذي يشــارف الصراحة بوجود سلطتين في البلد، الأولى مدنية منتخــــبة، منزوعة الدسم وربما عديمة كل الصلاحيات، يئست الإدارة الأمريكية من إمكان صلاحها ومواكبتها للتطورات وارتقائها لمستوى الأحداث، والأخرى عسكرية منضبطة وفعالة، مرتبطة عضوياً بشكلٍ مزعج ومقلق مع الولايات المتحدة، ويمكن التعويل والاعتماد عليها. والحديث في مجمله يستدعي إلى الأذهان لا محالة النموذج التركي السابق الشهير حيث اضطلع الجيش بمهمة ‘حامي العلمانية’، أي محرك الدمى والرقيب على الساسة، الذي كان يتدخل كل عشرة سنين تقريباً بانقلاب، الأمر الذي يضفي على الواقع ظلالا كئيبة فوق كآبته الأصلية.
في المقابل، نرى الجماعة منساقةً في مشروعها من دون محاولة التوقف لإعادة التقييم والاستدراك أمام وضعٍ يزداد ترديه بصورة يومية على جميع الصعد، أمنياً واقتصادياً وتفسخاً اجتماعياً، وما معركتهم الأخيرة ضد القضاة سوى خطوةٍ أخرى على طريق التمكين. لست ممن يؤمنون بقدسية القضاة وطهرانيتهم، فهذا من قبيل الهراء الذي يخرج عن السياق الاجتماعي والاقتصادي، إلا أن الفساد (بفرض أن المقصود هو التطهير) لا يقاس بالسن…هي كلمة حق يراد بها باطل والمقصود تفكيك أي مؤسسة قادرة على الحفاظ بقدرٍ ولو ضئيل من الاستقلالية عن النظام (وهو ما أثبتته تاريخياً في أمثلةٍ عديدة ليس هنا المجال لذكرها) والوقوف عقبةً في وجه مساعي السيطرة والاستحواذ.
في خلفية هذا المشهد، تدور معارك شبه يومية بين أنصار الجماعة ومعارضيهم، حرب شوارع صغيرة ومعارك كر وفر ترسخ الفوضى وتبتذل معاني العنف والدم والقتل.
إن مصر تتمزق وتنهار أمام أعيننا، والنظام ماضٍ في عناده ومكابرته وتعاميه عن الواقع، فالوضع غبي يجمع بين تناقضات عجيبة، من ناحية هناك تبلد النظام وهناك سخونة الشارع.. الكل ينتظر شيئاً ما يحسم تلك الحال من انعدام الاستقرار وفشل الدولة؛ المشكلة أن أحداً لا يملك تلك القوة، باستثناء المؤسسة العسكرية نظرياً.
وفي ضوء تصريحات السيد كيري (وما قد تشير إليه من ضوءٍ أخضرٍ وشيك…) واستمرار ذلك الأداء المبهر والمعارك العظيمة التي يخوضها د. مرسي وجماعته هل يتعين علينا أن ننتظر البيان العسكري رقم واحد للانقلاب من قبل ‘زمرة من الضباط الشرفاء’؟
‘ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير