جون لوكاري في أغنية المهمة : ديمقراطية البندقية واموال العولمة تتعاون في الكونغو.. ورحلة مترجم فوري نصف افريقي نصف اوروبي لاكتشاف الخديعة

حجم الخط
0

جون لوكاري في أغنية المهمة : ديمقراطية البندقية واموال العولمة تتعاون في الكونغو.. ورحلة مترجم فوري نصف افريقي نصف اوروبي لاكتشاف الخديعة

ابراهيم درويشجون لوكاري في أغنية المهمة : ديمقراطية البندقية واموال العولمة تتعاون في الكونغو.. ورحلة مترجم فوري نصف افريقي نصف اوروبي لاكتشاف الخديعةبرونو سلفادور المعروف للجميع بسالفو، رجل متعدد الالسنة واللغات، يعرف تقريبا كل اللغات المستخدمة في غرب الكونغو، هذه المنطقة من العالم الغنية بلهجاتها ولغاتها، سالفو ايضا هو هجين او نتاج لزواج بين راهب كاثوليكي وبين امرأة كونغولية ابنة شيخ قبيلة، فهو بهذه المثابة خليط من الابيض والاسود وبين اوروبا وبين افريقيا. والدة سالفو التي تهرب من بيت الرهبانية بعد ان تقوم بولادته وتتركه في رعاية الراهبات تموت مع عائلتها بعد قيام مجموعة مسلحة بالهجوم علي القبيلة وقتل كل افرادها، وهي هنا تظل للابن لغزا خاصة ان الراهبات قمن بالعناية به وتعميده في سلك الرهبانية، اما الاب فهو مثل الظل يرافق ابنه يحدثه عن الكونغو والحياة. في الكونغو وفي رحلته العملية سالفو مدين لشخصين الاول هو الاخ مايكل الذي يأخذ بيده ويعلمه ويتعرف علي موهبة سالفو في تعلم اللغات والثاني اندرسون رجل المخابرات الذي يقوم باستخدام سالفو في غرف الاحاديث التي يتنصت فيها الموظفون من مكعباتهم الصغيرة علي اخر ما وصلت اليه الحرب في شمال اوغندا او مذابح رواندا او نشاطات الاسلاميين في شرق افريقيا.اندرسون يمارس قسوة المدير الذي يغرس في نفوس الموظفين او الجواسيس فكرة خدمة هذه الامة والوطن والملكة مع ان سالفو يعترف ان هذه الامة لم تعد كما كانت. سالفو متزوج من بينالوب ابنة ارستقراطي قررت الزواج من هذا الهجين كرد فعل علي زواج اختها من صاحب مرآب السيارات، تعمل بينالوب في صحيفة شعبية كبيرة وتقضي وقتها في البحث عن مصادر لمعلوماتها، يعيش سالفو مع زوجته في حي راق في باترسي جنوب لندن. يمثل اندرسون كل تقاليد مدرسة الجاسوسية البريطانية ومن جهة اخري تقاليد الماسونيين او نوادي الروتاري، حيث تتمثل علاقته في معاملته مع سالفو من خلال معادلة اللطف والقسوة، تماما مثلما كانت معاملة الراهب الاخ مايكل معه. يعمل سالفو مفسرا/ مترجما فوريا حيث يظل دقيقا في التفريق بين المترجم الذي يحتاج الي درج وقاموس ومعرفة قليلة باللغة مقارنة مع المفسر الذي يجب ان يكون ذهنه حاضرا في كل الاوقات. ومن هنا يري سالفو ان ميزته علي الاخرين، عندما يتعلق الامر بالافتخار ونزعة الفوقية انه كل ما يكون جالسا في الغرفة، غرفة المفاوضات يعرف انه لا يستغني عن خبرات سالفو في مجال الترجمة. سالفو هو بطل جديد يدخل عالم ابطال كاتب الروايات البوليسية جون لوكاري، الذي لا يزال يحتفظ بألق الكتابة والقدرة علي السرد في روايته الجديدة الصادرة في لندن اغنية المهمة . يبدو لوكاري في بداية العمل غير قادر علي الامساك او تقديم معرفة بالمكان الذي ولد فيه سالفو ولكن مع ملاحقتنا للسرد الروائي نعثر علي نزعة انتقاد لاثار العولمة واصحاب الشركات العملاقة علي افريقيا التي تركت هذه القارة تعيش حروبها الصغيرة، نهبا للمجاعات والديكتاتوريات والاستغلال من قبل القوي الكبري، في هذه الحالة الشركات المتعددة الجنسيات. والرواية في هذا الاطار غاضبة مكثفة مثل غمام استوائي، هادرة مثل المطر الذي يتدفق من السماء بعد وجبة من الرعد الصاخب. وهي في اطار اخر مشمسة محملة بعبق المكان، وبطلنا سالفو غاضب في البداية علي طريقته، يغضب عندما ينتظر زوجته ليحتفل بعيد ميلادها علي طريقته الخاصة، ولكنها تتصل به اثناء اعداده للحفلة لكي تقول له ان لاعب كرة يعاني من اثار فضيحة تجعلها تؤخر عودتها للبيت عندها يقوم بجمع مواد الطبخ وكل ما انجزه ويرميه في سلة القمامة ثم يخرج لمطعم ايطالي ليواجه صخبا من نوع ما، متقاعدين، عجزة يتحدثون وهم يتناولون طعامهم حول انتاج جديد لاوبرا يابانية في الحديقة العامة، حيث تنتقد عجوز العرض، فيما يحاول سالفو التعرف علي هويات وخلفيات الجالسين في الهواء الطلق ونسيم اخر نهار تموزي في لندن. لوكاري او بطله سالفو، ينتقد اهمال الصحافة البريطانية لما يحدث في افريقيا. اكثر من 200 الف شخص قتلوا في الحروب الدائرة هناك، بالاضافة لانتشار الامراض والاوبئة، ولكن لا احد يهتم، ويتساءل عن مصدر معلومات زوجته التي تعتمد عليها في تقاريرها الصحافية، اشخاص تزرعهم وتأخذهم لعشاء مقابل حصولها علي معلومات (تماما مثل المخبرين)، منهم عربا، وهنودا. اغنية المهمة هي عن الخيانة، خيانة سالفو واندرسون واكتشافه عندما يجنده الاخير في مهمة يقول انها من اجل بريطانيا والملكة، حجم العلاقة بين الدم، دم الابرياء والمال الذي تحصل عليه الشركات العملاقة، تبدأ مهمة سالفو عندما يتصل به اندرسون وهو داخل حفلة لزوجته بينالوب بمناسبة ترفيعها، ويتحدث اندرسون عن خطورة المهمة وانها لا تحتاج لتأخير وغير قابلة لذلك، مشكلة سالفو ليست زوجته وحفلتها بل في اللباس الذي يرتديه، فهو مثل انجليزي قديم خرج لحفلة زوجته ببدلة سامسونغ للعشاء، ليكتشف ان هناك في الحضور من هو في الزي الرسمي والعادي. اندرسون الخبير لديه كل الحلول يؤكد لسالفو ان هذه مشكلة قابلة للحل، ويوجهه نحو سيارة تقوده داخل زحام لندن ليلة الجمعة، الي شقة خاصة حيث يلتقي مديره فيها مع فتاة جميلة اسمها بريجيت تقوم بمهمة توفير الملابس المناسبة. بعد خروج سالفو من حفلة زوجته ويركب السيارة يدخلنا لوكاري في عالمه السري، عالم الجاسوسية، حيث ندخل في قاع العالم الذي يبدو خاليا وحقيقيا، وعندما تغير هوية سالفو، برونو سلفادور الي بريان سنكلير، يتلبس سالفو دوره الجديد، حيث يقاد الي عالم المهمة الكبيرة التي ادخله اندرسون فيها. يلاحظ سالفو ان الهوية الجديدة التي حصل عليها لا تذكر اي شيء من مؤهلاته العلمية، فهو متخرج من مدرسة الدراسات الشرقية والافريقية (سواس) وحاصل علي شهادة الماجستير من جامعة ادنبرة ولديه عدد من شهادات الدبلوم في مجال الترجمة الفورية. كما ان اصله تغير في هذه الهوية الجديدة فهو ابن عامل مناجم في وسط افريقيا بدلا من كونه ابنا لراهب كاثوليكي في الكونغو.في قلب الرواية اغنية المهمة انقلاب يقوم به عدد من خريجي المدارس الخاصة في بريطانيا، حيث يقولون لسالفو ان الانقلاب سيكون انقلابا لينا، عقلانيا وحساسا، ولمصلحة الكونغو التي عانت كثيرا في الماضي ولا زالت تنزف الدم والموت منذ ما يقول قائد الانقلاب لسالفو قد انتهكت من قبل تجار الرقيق العرب، انتهكها الافارقة انفسهم، انتهكتها الامم المتحدة، المسيحيون، البلجيكيون والفرنسيون والبريطانيون، الروانديون، شركات الماس والذهب… والان شركات النفط، الكونغوليون بحاجة الي فترة من الراحة والهدوء ونحن الاشخاص المؤهلون لذلك . والخطة التي يتحدث عنها هؤلاء الانقلابيون او المرتزقة هي القيام بالتدخل العسكري وتنصيب حاكم يحمل رؤية وفرض الديمقراطية من خلال فوهة البندقية. يبدو لوكاري واعيا لحادثة عام 2004 عندما كشف عن محاولة انقلابية شارك فيها عدد من طلاب مدرسة النخبة ايتون السابقين من اجل الاطاحة بنظام رئيس غينيا الاستوائية بمساعدة مرتزقة من جنوب افريقيا والتي تورط فيها نجل رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر. النقابة التي ارادت الاطاحة برئيس غينيا الاستوائية هي نفس النقابة التي ستقوم بالتدخل عسكريا من اجل تغيير نظام الحكم هناك والحصول علي حصة من عوائد النفط في هذا البلد الغني بمصادره الطبيعية. لوكاري في اغنية المهمة لا يترك مجالا لقارئه الا الخروج بحس الخوف والفجيعة من الدم والجشع الذي تمارسه الشركات العملاقة وهذه الجماعات، فخلف الحديث عن السلام والحرية نفاق، ودماء ولصوصية. في عمل لوكاري المسؤولية لا تقع علي عاتق الاوروبيين الذين يقومون بكل شيء من اجل التدخل ولكن علي المواطنين، فالمسألة لا تتعلق باصحاب البدلات الاوروبيين ولكن اصحاب بدلات السفاري الذين يتعاونون من اجل تخريب قطعة جميلة من الجنة الارضية، في الكونغو.بالعودة للبداية سالفو لم ينس اصوله ووالده الايرلندي، حيث يعود الي بريطانيا بعد ان يتعلم في مدرسة سرية، وتحت ادارة استاذه الاخ مايكل الذي الهمه لتعلم لغة القبائل الكونغولية ويصبح مترجما فوريا. حب سالفو لزوجته بينالوب لا يعني انه لم يقم بمغامرات عاطفية فاثناء عمله مترجما لاحد مجرمي الحرب المرضي في مستشفي يقع في حب حنة الفتاة الكونغولية، ويبدو ان لوكاري يحاول تأكيد الازدواجية في شخصية سالفو، فهو اوروبي او بريطاني ولكنه يعود لاكتشاف جذوره الافريقية ويبدو ان علاقة سالفو بحنة كانت حبكة جانبية في قصة اثارة فبعد قبوله مهمة مقابلة احد رجالات الحرب الكونغوليين ومجموعة من الممولين للانقلاب فانه يقع في حبال المهمة التي تعيده لاكتشاف الحقيقة المرة عن بلاده الاخري. دخول سالفو باسمه الجديد، بريان سنكلير، المهمة يعتبر مدخلا معروفا للوكاري الذي يبدأ بعد ذلك لعبة الاثارة وقصة كلاسيكية عن الجاسوسية فيها التآمر، والخداع والخيانة.تحمل الرواية في حسها واثارتها بعدا اخلاقيا عن العالم الذين نعيشه والثمن الذي يدفعه الاخرون الفقراء مقابل جشع الاخرين/ الاغنياء والبعد الاخلاقي ظاهر في روايته الاخري التي تحولت الي فيلم المزارع الدائم عن الامم المتحدة وجنوب السودان وشركات الادوية ومكافحة مرض الايدز. كان الاتحاد السوفييتي المحفز الاساسي في اعمال لوكاري الاولي الا ان موضوع العولمة واجنحتها اصبحت تثير حماسة وطاقة لوكاري.افريقيا اصبحت في الفترة الاخيرة مركز الرحي في اهتمام الممثلين والنجوم الذين يحاولون التأثير علي صناع القرار، انجلينا جولي وبراد بيت وقبلهما بونو والمعركة من اجل انهاء الفقر في افريقيا، واخيرا انضم للركب جورج كلوني الذي يقوم بحملة لصالح سكان دارفور، والقارة الافريقية في ظل العولمة الاستعمارية كما تشير الرواية الحالية للوكاري هي ايضا عن التبشر والمبشرين، لم تتغير الكونغو منذ جمهورية الكونغو الحرة، المشروع الذي بدأه الملك ليوبولد البلجيكي ولم تتـــــغير منذ ان قرر مارلو بطل جوزيف كونراد الموت انتحارا، افريقيا كانت في عهد كــــونراد ولا زالت ارض الظلمات ، وهي الارض التي تحول فيها الصراع الان بين الشرق والغرب، بين الصين واوروبا وامريكا.ومن هنا فان بطلنا سالفو يستند في عودة الوعي له علي علاقته بحنة التي تثير مشاعر الحنين والخوف علي هذه الارض في داخله، في مقابل تعامله مع النقابة التي تزعم انها تبحث عن وسائل لتحرير البلاد من سلطة رجالات الحرب وادخال الديمقراطية اليها.كل احداث الرواية تدور خارج افريقيا ويمكن والحالة هذه تحديدها في العام الماضي، حيث يشير الكاتب الي احداث تموز (يوليو) وتفجيرات لندن. ولكن مسرح الاحداث يظل لندن وتشانال ايلاند، حيث يجتمع ممثلو النقابة مع رجل اعمال اسمه هناري امور جوييس، الملقب بالحاج، حيث كان الهدف من الاجتماع دفع الافارقة للتوقيع علي تعهد بدعم المرشح لاستلام السلطة في شرق الكونغو، وهو رجل كبير اسمه موانغزا، وحصول النقابة علي حقوق المصادر الطبيعية في الاقليم.الشعور الذي يخرج منه قاريء الرواية ان سالفو لم يكن نقيا فمنذ البداية يتساءل القاريء عن السبب الذي دعاه لقبول المهمة، ويبدو ان في داخل بطلنا هذا الذي يظل حفيدا للوكاري، عندما يتعلق الامر بالعمر، قد سمح لسيده اندرسون باستخدامه فيهذه اللعبة القذرة، مقارنة مع اعمال اخري، خاصة تلك التي كتبها اثناء الحرب الباردة، فاغنية المهمة تظل عملا ثانويا، ومع ذلك يلاحظ في هذا العمل غضب واخلاقية وعاطفية الكاتب الذي لا يزال يحتفظ بألق الكتابة علي الرغم من مقاربته سن الخامسة والسبعين.جون لوكاري هو الاسم المستعار للكاتب الانكليزي ديفيد جون مور كورونويل المولود عام 1931 في دوريست، درس في مدرسة سانت اندروز واكمل دراسته فيما بعد في جامعة بيرني، حيث درس اللغات الاجنبية، بعد تخرجه من جامعة اوكسفورد، درس في مدرسة النخبة ايتون والتي قضي فيها عامين، وبعدها انضم للعمل في سلك الخارجية البريطانية، حيث عمل مساعدا للسكرتير الاول في سفارة بريطانيا في بون ومن ثم نقل الي هامبورغ. واثناء عمله جند للعمل في المخابرات الخارجية المعروفة ام اي 6 وكتب اولي رواياته عن عالم الجاسوسية عام 1961 وهو لا يزال جاسوسا. ولكن عمل لوكاري تضرر عندما قام كيم فيلبي بكشف الغطاء عن كل الجواسيس العاملين في سلك المخابرات الخارجية.رواية اغنية المهمة هي العشرون ومن اعماله الاخري نداء للموتي ، جريمة قتل نوعية ، الجاسوس الذي جاء من الحرب الباردة ، قرية صغيرة في المانيا ، الجاسوس الكامل ، البيت الروسي ، المدير الليلي ، لعبتنا ، اصدقاء بالمطلق ، المزارع الدائم ، خياط بنما . يذكر ان لوكاري كان من معارضي سياسة المحافظين الجدد وكتب عددا من المقالات محتجا وناقدا السياسة الامريكية خاصة في العراق.ناقد من اسرة القدس العربي John Le CarreThe Miion SongHodder & Stoughton/20060

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية