جوهرانية الـ ميركافا

حجم الخط
0

صبحي حديدي

بعد يومين من مشاركته في توجيه نداء يحثّ الحكومة الاسرائيلية علي وقف اطلاق النار، وقبل يوم واحد من القرار الاسرائيلي ـ الأمريكي بـ وقف الأعمال العدائية، قُرع جرس باب بيت الروائي والكاتب الاسرائيلي دافيد غروسمان، في الساعة الثالثة فجراً. ولم يكن الرجل بحاجة الي معرفة هوية الطارق لكي يفتح الباب، لأنه أدرك علي الفور سبب الزيارة: في واحدة من آخر المعارك مع المقاومة اللبنانية، قُتل ابنه أوري غروسمان، ، 20 سنة، الضابط في سلاح المدرعات.

صحيح أنّ هذه المفارقة بالغة القسوة بالنسبة الي داعية سلام مخضرم (هو، للتذكير، صاحب الكتاب الشهير الريح الصفراء الذي يظلّ العمل الاسرائيلي الأبكر الأشجع في تسليط الضوء علي حياة الفلسطينيين في الضفة العربية والقطاع، تحت الاحتلال)، الا أنّ مفارقات أخري اكتنفت هذه الواقعة علي نحو يقلب الكثير من ميزانها الانساني البسيط. بين هذه المفارقات أنّ غروسمان كان في البدء مؤيداً للعدوان الاسرائيلي البربري (بذريعة بائسة مفادها أنّ الحرب ليست ضدّ لبنان، بل ضدّ حزب الله حصراً)، وأنه لم يبدّل موقفه فيطالب بانهاء الحرب الا بعد أن طالت أكثر ممّا ينبغي. مفارقة أخري أنه امتنع تماماً عن الادلاء بأيّ تعليق يخصّ مآل العدوان الاسرائيلي، واكتفي بهذه العبارة الغائمة: لن أقول الآن أيّ شيء عن هذه الحرب التي قتلت ولدي. نحن، في عائلتنا، خسرنا هذه الحرب لتوّنا.

غير أنّ المفارقة الكبري، بعد مأساة الأب المسالم الذي فقد ابنه المحارب، تمثّلت في أنّ غروسمان لم ير في أوري صفة الغازي الذي يقود دبابة غازية، بل الفتي الاسرائيلي تماماً، الذي كان اسرائيلياً جداً وعبرانياً جدّاً حتي في اسمه! وفي كلمة الرثاء التي ألقاها علي قبر ولده، أضاف غروسمان: لقد كان أوري يمثّل جوهر الصفة الاسرائيلية (في الترجمة الانكليزية): Israeli-nes كما أودّ لها أن تكون. صفة اسرائيلية يكاد يطويها النسيان، حتي صارت أمراً مثيراً للفضول. وكان اسرائيلياً طافحاً بالقِيَم، وهي كلمة تآكلت فباتت مضحكة في السنوات الأخيرة. ففي عالمنا المجنون العابث القاسي، ليس رائجاً أن تكون حامل قِيَم، أو انسانيّ النزعة، أو متحسساً بحقّ لمعاناة الآخر، حتي اذا كان ذلك الآخر هو عدوّك في ساحة القتال.

وبالطبع، يصعب علي المرء للوهلة الأولي أن يستوعب طبيعة القِيَم التي جاء أوري غروسمان يبشّر بها في مارون الراس وعيترون وبنت جبيل وعيتا الشعب، من علي ظهر دبابة الـ ميركافا. واستطراداً، اذا كان الفتي يمثّل تلك الجوهرانية الاسرائيلية التي يحلم بها داعية السلام دافيد غروسمان، فما الذي منعه من العصيان ورفض التجنّد في جيش غازٍ أو محتلّ، كما فعل العشرات من الاسرائيليين الرافضين للخدمة الالزامية، أو الخدمة في الضفة والقطاع علي الأقلّ؟

الحال أنّ غروسمان، الذي يُعدّ أحد أفضل النماذج المتقدّمة في ما يُسمّي معسكر السلام الاسرائيلي، يظلّ مع ذلك اسرائيلياً معيارياً في المقام الأوّل، وربما في المقام الثاني والمقام الثالث أيضاً. تلك المعيارية، التي قد تكون بعض مقدّمات ما يحلم به من جوهرانية اسرائيلية، ترتقي بأمن الدولة العبرية الي مصافّ مقدّسة ميتافيزيقية مطلقة، ليست سوي الوجهة الأخري للمعني الشعبوي الذي يعتبر أنّ أمن اسرائيل في يهودا والسامرة والجغرافيا التوراتية بأسرها ليس معركة بقاء أو فناء فحسب، بل هو مسألة وجود أو عدم الهوية اليهودية، ديانة أو كناية أو كياناً.

ليست هذه هي المرّة الأولي التي تشهد اصطفاف غروسمان خلف هذه المعيارية، بل يمكن القول انّ مناسبات الماضي لم تكن البتة تقدّم له ذرائع انسانية صرفة للاستبسال في مديح جوهرانية اسرائيل، كما هي حاله اليوم اذْ يفقد ولده في سياقات لا تبدو وكأنها تكرّم أية قيمة أخلاقية وانسانية كونية. ولعلّ أبرز أمثلة الماضي كان موقف غروسمان من قرار ليا رابين، أرملة اسحق رابين، مغادرة اسرائيل، هذا البلد المجنون صبيحة تقدّم بنيامين نتنياهو علي شمعون بيريس في انتخابات 1996. ولقد تساءل آنذاك: سوف تمكث ليا، وسنمكث جميعاً، اذ ليس لنا من وطن آخر، ولأنّ اسرائيل بحاجة الينا في هذا الزمن.

ورغم أنه أقرّ بواحد من أسوأ التوصيفات التي يمكن أن تصدر عن مواطن اسرائيلي بحقّ الدولة العبرية، اذ اعتبرها دولة وحشية ضاجة صاخبة، أكثر نزوعاً نحو التديّن والأصولية والطائفية والعنصرية، فقد امتدح في الآن ذاته شمعون بيريس الذي لم يكن آنذاك قد غسل يديه من دماء ضحايا مذبحة قانا ـ 1: حاول رابين وبيريس أن يقترحا علينا درب حياة جديداً، ومفهوماً جديداً عن العالم. وأَمِلا أنهما، في حال النجاح، سوف يخلّصان مواطنيهما من بضعة فخاخ تراجيدية تستولي علي تاريخهم.

فخاخ تراجيدية؟ أليس في القلب من تلك الفخاخ ما ينخرط فيه غروسمان اليوم عن سابق قصد وتصميم، حين ينأي بالمحارب الاسرائيلي (اليافع بصفة خاصة، الاسرائيلي جداً و العبراني جداً ) عن أرض الحكم والسياسة والأحزاب والقتل والتدمير والبربرية، ليقفز به الي علياء ميتافيزيقية مطلقة طهرانية حيث الجوهرانية الاسرائيلية منبع القِيَم وروح الشرائع؟ وما الفارق حقاً، بمعيار امتطاء الـ ميركافا، بين الضابط الفتي أوري غروسمان ورئيس الأركان دان حالوتس؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية