في رواية «مستوطنة العقاب» القصيرة جداً، وقصة «بنات آوى» لفرانز كافكا، التي قام بترجمتها كامل حسين يقتحم سؤال ملحاح بقدر ما هو مشاغب:
أيهما أهم لدى الكاتب: الرؤية المكثفة التي تصلح أساساً لأي عملية قص من دون تحديد أي مكان؟ أم وصف يحدد مكاناً خاصاً يتماهى ويتشكل فيه؟
لم أكن أستسغ من قبل أن أقرأ مقدمة لرواية أو مجموعة قصص قط مترجمة أو غير مترجمة، كنت أتجاهل المقدمة، ولم تفلح عدة محاولات لتغيير موقفي منها، يعجبني أن أقرأ العمل الإبداعي مباشرة، ومن دون أي وسيط، الوسيط كائن طفيلي يعيش على الآخرين، لا يستطيع أن يعتمد على نفسه، لكن ما غيّر عادتي التي درجت عليها هو مقدمات كامل حسين، في بعض الأحيان كنت أقرأ المقدمة مرتين قبل قراءتي العمل وبعده، وأحياناً كنت أعود إلى بعض مقاطعها غير مرة، فماذا حدا مما بدا؟
لا يقوم المترجم بعمل روتيني عادي، كما أنه لا يقدم نقداً بالمعني العلمي، أو الحرفي له، إنه يقوم بتقديم ضرورات لا بد منها تتعلق بالعمل الإبداعي يزيدها فهماً واستيعاباً، وهذا يعني أن فقدها يخل بقيمة العمل، وهذا لعمري إبداع إضافي لا يمكن أن يوصف، أو يقارن إلا بعمل فني، أشبه بتزيين الممثل قبل مقابلة آلة التصوير .كيف تأتى للمترجم أن يقوم بهذا الدور لولا حبه الفائق لما يترجمه، لولا محاولة الذوبان فيه وفي تفصيلاته، لهذا درج على إنارة الجوانب الغامضة في النص من دون التأثير في مجريات الأمور فيه، وبما يثريه من دراسات للعمل المقصود، تلك الدراسات التي ما كنا لنجدها بسهولة لولا جهود المترجم الضافية، وتلك بنظري لا تقل أهمية عن الترجمة .
هل ينبغي إحراق كافكا؟
يذكر المترجم أن الكاتبة العراقية بديعة أمين، اتخذت من هذا السؤال عنواناً كتاب ألفته عن كافكا، ويذكر أن النقاد العرب انقسموا بصورة رأسية وباترة، لا أمل معها في الحديث عن أرضية مشتركة، حول تقويم مجمل عطاء كافكا الأدبي بعامة، وهذين العملين بخاصة، ولكون كافكا يهودياً فقد تبناه الفكر الصهيوني، لكن فريقا آخر من النقاد العرب، عدّ كافكا عدواً صريحاً للصهيونية بدليل الذي انطلقت منه.
الأمر الغريب الذي ذكره المترجم أن كلا الفريقين استمد موقفه اعتمادا على مرجعية هذين النصين اللذين بين أيدينا. إذن نحن إزاء موقف يجب ان نتخذ فيه قراراً لا حول كافكا حسب، بل حول النقاد العرب، لأن القضية الآن أصبحت كرة في ملعب المنطق وحده، والمنطق وحده هو الذي سيقرر أيّ الفريقين على حق، وأيا منهما على باطل، والحكم وحده للقارئ. قبل أن يتخذ أي قارئ موقفاً ما، عليه أن لا يتفاجأ ببعض الحقائق التي أوردها المترجم الباحث عن كافكا، أولاها قلة ما بين أيدينا من أدب كافكا، تلك القلة لا تبيح لأي كان ان يصدر أيّ حكم عليه، لأنه لا يعرف إلا جزءا مبتسراً من الحقيقة: «تبين لنا أن ما ترجم من أعماله – كافكا – إلى اللغة العربية يتمكن أن يضمه مجلد واحد متواضع الحجم، بينما تقع أعماله في 13 مجلداً». أما الحقيقة الأخرى التي تصفعنا – لا تفاجئنا حسب – فهي أن التشيك وهم شعب كافكا لا يعتبرونه كاتباً سوداوياً أو كابوسياً، كما نعتبره نحن العرب، بل هو كاتب فكاهي. بينما هناك بعض الاعتبارات من قبل أناس قريبين لكافكا _ ماكس برود ناشر أعماله، وأدوين موير – مترجم أعماله، هذان الاثنان يعتبرانه روائياً مسيحياً، في الوقت الذي يصفه، جونتر أندريز، وهو أهم من كتب عنه، بأنه كاتب متشكك. كما أن المترجم يتخذ موقفا مفندا لانتماء كافكا للصهيونية، مستنداً إلى أن كافكا أعرب غير مرة عن تعاطفه مع الاشتراكية :»إن الناس في روسيا يحاولون إقامة عالم تسوده العدالة الكاملة».
«كان كافكا باعتباره يهودياً يتكلم الألمانية في براغ، مغترباً بصورة مزدوجة، لكنه شعر كذلك بالاغتراب عن بني جلدته بسبب افتقاره للتعاطف الغريزي مع الصهيونية».
ولا يخفى على أحد تعارض الصهيونية مع الاشتراكية، وانطلاقاً من هذا الموقف أُقر مؤتمر اشتراكي في تشيكوسلوفاكيا سنة 1963: «بأن أدب كافكا كان أدباً طليعياً، وكان هو طليعة للحرية على طريقته الضاحكة الباكية»، بالإضافة إلى أن آخر دليل ماكميلان عن الأدب العالمي يذكر «كان كافكا باعتباره يهودياً يتكلم الألمانية في براغ، مغترباً بصورة مزدوجة، لكنه شعر كذلك بالاغتراب عن بني جلدته بسبب افتقاره للتعاطف الغريزي مع الصهيونية».
في رواية «في مستوطنة العقاب» يصف كافكا آلة جهنمية يخترعها مخترع عبقري شرير لتعذيب المعارضين، وهي عبارة عن مجموعة آلات معقدة تشد المعاقب عارياً بأربطة لا يستطيع منها فكاكاً، تعمل بصورة تلقائية، خطوة خطوة، تنزل إبراً تخط على جسد الضحية الحكم الذي حكم به لأنه عادة لا يبلّغ به، وحينما يتدفق الدم تبدأ صنابير الماء بغسله، ثم تنزل الإبر أعمق فأعمق إلى أن ينتهي المعذب، وميزة هذه الآلة أنها تبقي الضحية يتألم مدة اثنتي عشرة ساعة ثم يفقد بعدها الوعي والحياة .مات مخترع الآلة ولم يبق من المعجبين بها والمتحمسين لها سوى أحد تلامذة العبقري، الذي اخترعها، وحينما يحاول أن يطبق هذا العذاب الوحشي على أحد الأبرياء تصاب الآلة بعطب، وتتوقف عن العمل، فيخرج التلميذ المتحمّس لآلة أستاذه، الضحية من قلب الآلة ليجرب فعلها عليه، لكنها تعود للعمل فجأة وتقتله .يعلق المترجم على هذه القصة :»هل هناك رفض للصهيونية وإدانة لها أقوى من تشبيهها بآلة مدمرة تقضي على نفسها بحكم فساد مكوناتها الذاتية؟».
هنا أختلف معه في هذا الاستنتاج، وهذا الحكم، لسبب بسيط هو أن كافكا عاش هذه السنوات – 1883/1923- ولم تكن الصهيونية في الحكم آنذاك لكي تعري نفسها، وكافكا حسب رأيي أراد أن يعري كل الأنظمة الأوروبية، لأنها كانت أنظمة متخلفة، تلجأ جميعاً إلى التعذيب والتعسف مع الخصوم والمعارضين، وقضية دريفوس التي حدثت في حياة زولا في فرنسا، حيث اتهم ضابط في الجيش الفرنسي بالتجسس، من دون أي قرينة أو دليل، وسجن ونفي ولم يفرج عنه إلا بعد مدة طويلة، وإثر تبني الكاتب المشهور أميل زولا لقضيته، مثال على ذلك، كما أن كتاب ديستوفسكي الشهير «بيت الأموات» عن آلاف الأبرياء المنفيين والمعذبين في سيبيريا مثال آخر، إضافة إلى التعسف في الداخل، فإن أوروبا آنذاك كانت تمثل القوى الاستعمارية التي كانت تتحكم بمصير كل أقطار العالم، وكانت تبيد عشرات الآلاف من سكان المناطق المستعمرة لأتفه الأسباب، ومذابح إنكلترا التي اشتهرت بها في الهند وفي جنوب افريقيا، وبلجيكا في الكونغو، وهولندا في إندونيسيا خير مثال على ذلك .
نعم إن تعسف الصهيونية لم يكن ظاهرا للعيان، كان تعسف شقيقها الاستعمار هو الظاهر بدلها، كانت الصهيونية في مرحلة التآمر والإعداد لمشروعها الخسيس، وتبدو القصة الثانية « بنات آوى وعرب» معبرة عن دور الصهيونية التمهيدي البارز، والمرهص لقيام دولة الظلم والقسوة والاغتصاب (إسرائيل) .
وفي النهاية سأعود إلى السؤال الذي طرحته عن الرؤية الكثيفة التي تصلح أساساً لأي عملية قص من دون تحديد أي مكان، وهي التي يفضلها كافكا في معظم أعماله المترجمة إلى اللغة العربية باستثناء «بنات آوى وعرب» وكيف تختلف عن الطريقة الأخرى التي تركز على الوصف الذي يتماهى ويتشكل في مكان بعينه، وما كان بودي التطرق إليه لولا انحياز المترجم الفاضل إلى الطريقة الأولى من خلال انحيازه لكافكا، الذي يصف أدبه من خلال إشادته بهذين العملين :
«لا مجال لإنكار أنهما ينتميان إلى أرفع تقاليد الأدب العالمي، وأكثرها عبقرية وإبداعا»ً. بالنسبة لي لا أعارض الانحياز مطلقاً، لكني كنت أود أن يضيف كلمة واحدة إلى ما تقدم وهي (آنذاك) أو في تلك الفترة، أي أن يحدد الزمن لا أكثر، وما اختلافي البسيط معه إلا توكيد لعمق تقديري الفائق له.
الكتاب من منشورات دار شرقيات . سلسلة كتاب شرقيات للجميع (28)-
ترجمة: كامل يوسف حسين .
٭ كاتب وروائي عراقي