د. عصام نعمان
يوحي زعماء أمريكا وأوروبا ان جوهر المشكلة مع ايران سلاحُها النووي المحتمل. يدللون علي ذلك باصرارها علي تخصيب اليورانيوم. فالتخصيب هو طريق امتلاك القدرة علي التصنيع. وهم يتخوفون من امتلاك ايران أسلحة نووية. يزعمون ان ذلك يهدد أمن النفط في المنطقة، وقد يهدد أمنهم القومي وأمن حليفتهم اسرائيل.
يردّ زعماء ايران بأن هدفها ليس امتلاك أسلحة نووية كون استعمالها مخالف لقيم الاسلام، بل امتلاك القدرة اللازمة لتوليد الطاقة واستعمالها في أنشطة سلمية. ولا ينسي زعماء ايران ان يتساءلوا، بحق، لماذا تحظّر أمريكا وأوروبا عليها امتلاك سلاحٍ نووي وتبيحه لدول أخري في مقدمها اسرائيل؟
تزعم أمريكا واسرائيل ان ايران دولة ارهابية، وان امتلاكها سلاحاً نووياً قد يؤدي، عاجلاً أو آجلا، الي تسريب أنواع تكتية (للمدي القريب) منه لمنظمات ارهابية معادية لتينك الدولتين.
المسألة النووية ليست مسألة منطق بل مسألة مصالح. فأمريكا وأوروبا واسرائيل تعلم ان أحداً لم يلجأ الي استعمال السلاح النووي منذ العام 1945 بعد قيام أمريكا بالقاء قنبلتين ذريتين علي مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين أواخر الحرب العالمية الثانية. السبب؟ لأن دولا عدّة أصبحت تمتلك سلاحاً نووياً وبمقدورها ليس أن تردّ الصاع صاعين علي من يستعمله ضدها فحسب، بل ان تردّ علي من يسرّبه الي دولة أو منظمة معادية لها بأن تسرّبه هي الي دولة أو منظمة حليفة لها ومعادية للدولة البادئة بالتسريب أو بالظلم، والبادئ أظلم.
الردع المتبادَل، نظريةً وقوةً متاحة، بات هو الكابح الأفعل والأضمن في منع استعمال الأسلحة النووية. فلماذا لا تطبق قاعدة الردع علي ايران، وهي الأضعف بالمقارنة مع أمريكا وأوروبا واسرائيل، فتلجمها عن استعمال السلاح النووي أو تسريبه؟
ان جوهر المشكلة ليس السلاح النووي بل ايران نفسها التي باتت، بمعايير اقليمية، قوةً مركزية وازنة تتطور باطراد الي امتلاك مزيد من القدرات الاقتصادية والعسكرية وبالتالي السياسية.
حتي من دون سلاح نووي فان ايران، كقوة اقليميـة مركزية متطورة، تمتلك من القدرات والنفوذ والسطوة ما يمكّنها من منافسة أمريكا وأوروبا في المنطقة وتقليص نفوذهما وحتي تهديد مصالحهما في المستقبل المنظور. وهي كقوة اسلامية بمقدورها أن تجتذب، بالسياسة وبالتعاون الاقتصادي والدعم العسكري، دولا اسلامية أخري. كما بمقدورها ان ترعي وتدعم منظمات شعبية سياسية أو مسلحة تعارض أو تقاوم أنظمة سياسية متحالفة مع أمريكا وأوروبا.
لا يخفي علي احد ان ثمة قانونا استراتيجيا تلتزمه أوروبا منذ مطالع القرن التاسع عشر وأمريكا منذ منتصف القرن العشرين، مفاده الحؤول دون قيام قوة اقليمية مركزية في البرزخ الممتد بين الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، من الاسكندرية غرباً الي الاسكندرون شرقاً، والخليج بشاطئيه العربي والفارسي، من البصرة شمالاً الي مضيق هرمز جنوباً. ذلك ان قيام دولة اقليمية مركزية في هذه الرقعة الجغرافية الاستراتيجية قد يعطّل او علي الأقل يؤثر في انسياب التجارة الدولية بين أوروبا والشرق الأقصي، ويهدد مصالح أمريكا وأوروبا النفطية في المنطقة المترعة بينابيع النفط ومكامن الغاز ما يزيد عن ثلثي الاحتياط العالمي منها، كما يهدد امن اسرائيل، حارسة مصالح الغرب عموما وشرطي المنطقة العامل في خدمة حلف شمالي الأطلسي خصوصاً.
قاومت أوروبا وأمريكا دائما قيام دولة اقليمية مركزية في هذا البرزخ الاستراتيجي. فقد منعت أوروبا اقامتها بشخص محمد علي باشا المصري، بعد تحريره بلاد الشام حتي عمق الأناضول (كوتاهية) من الامبراطورية العثمانية في النصف الأول من القرن التاسع عشر. كما منعت أوروبا وأمريكا قيامها بشخص جمال عبد الناصر بعد توحيده مصر وسوريا في الجمهورية العربية المتحدة منتصف القرن العشرين. ولن تتوانيا، علي الأغلب، عن منع الجمهورية الاسلامية الايرانية من التحوّل الي قوة اقليمية مركزية تهدد مصالحهما وأمنهما ناهيك بأمن اسرائيل في المنطقة كلها.
ان جوهر المشكلة، اذاً، هو منع ايران من التحوّل الي قوة اقليمية مركزية. وليس أدل علي ذلك من ان أمريكا سارعت الي اعتماد سياســة الاحتواء المزدوج علي ايران والعراق معا حتي عندما كانتا في صراع محموم في ثمانيات القرن الماضي. وحتي بعد توقف الصراع بينهما استمرت أمريكا في فرض العقوبات علي ايران الي يومنا هذا. من هنا يستقيم القول ان مسألة تخصيب اليورانيوم هي مجرد ذريعة تستخدمها أمريكا من أجل الضغط علي ايران لحملها علي التخلي عن برنامجها النووي والحدّ من قدراتها الاقتصادية والعسكرية، كما انها مجرد أداة تستخدمها ايران من أجل تعزيز مركزها التفاوضي في مواجهة أمريكا وأوروبا.
في ضوء هذا التحليل، هل يمكن ان تنجح المفاوضات بين أوروبا وأمريكا من جهة وايران من جهة أخري، وما هي أسس الوفاق التي يمكن التوصل اليها في هذا المجال؟
ليس ثمة أفق للوفاق وبالتالي للاتفاق بين الطرفين. فأمريكا (ولعل أوروبا أيضا) مصممةً علي منع ايران من التحوّل الي قوة مركزية، يحدوها الي ذلك عاملان مستجدان: الأول اقتصادي دافعه امكانية تحوّل منظمة شنغهاي، بعد أن تصبح ايران في صلبها، الي تجمع اقتصادي آسيوي هائل يضم، الي الصين والهند واليابان وغيرها، أكثر من نصف عدد سكان المعمورة. والثاني ايديولوجي دافعه عداء جورج بوش وفريقه الحاكم ومن ورائهما الصهيونية العالمية للاسلام وتخوف الغرب عموما منه ومن احتمال تحوّله الي قوة سياسية فاعلة ومؤذية له، من ماليزيا في الشرق الي موريتانيا في الغرب، ومن جمهوريات آسيا الوسطي الاسلامية في الشمال الي كيانات القرن الأفريقي في الجنوب.
ان ايران تدرك، علي ما يبدو، خطورة موقف أمريكا واسرائيل المعادي لها حاضراً ومستقبلاً، ومن المفترض منطقياً واستراتيجياً ان ترفض أي عرض سياسي واقتصادي وامني يؤدي الي تحجيم قدراتها والحدّ من دورها الاقليمي والاسلامي. لذلك، ستلجأ ايران علي الأرجح الي خوض غمار مفاوضات معقدة وطويلة ومضنية من اجل ضمان مصالحها وتطورها ودورها الاقليمي والاسلامي، وستستعين ببضعة لاعبين دوليين واقليميين لبلوغ أهدافها. فهي تراهن، دونما شك، علي تطور حاجة الاقتصاد الصيني المتعاظمة للنفط من اجل دعم التعاون الاقتصادي والنفطي القائم مع بكين وتطويره وبالتالي ضمان وقوف الصين معها ضد فرض المزيد من العقوبات عليها أو استعمال القوة من طرف الولايات المتحدة ضدها. وتأمل الصين أيضا ان تعارض روسيا في لجوء أمريكا الي القوة في صراعها مع ايران، ذلك ان موسكو تحاول هي الأخري استعمال سلاح النفط لاعادة بناء نفوذها ودورها الدوليين عامةً وبازاء أمريكا وأوروبا خاصةً. كما تراهن ايران علي تخوف دول الخليج المنتجة للنفط والغاز، لاسيما السعودية، من الآثار المدمرة للحرب في المنطقة اذا ما لجأت اليها أمريكا ما يحملها علي الضغط عليها لتفادي تكلفتها الاقتصادية الباهظة.
المواجهة بين أمريكا وايران (ومع الاسلام ايضا) تبدو حتمية، ولعل توقيتها سيكون بعد فراغ بوش وحزبه الجمهوري من الانتخابات النصفية مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. واذا كانت ايران بحاجة الي خمس او ست سنـوات لاستكمال قدرتها علي صنع سلاح نووي فان بوش، رائد الداعين الي الحرب الاستباقية، لن يخاطر بامهالها كل هذه المدة، بل سيضربها كلها بقسوة متناهية لئلا تعاود بناء مرافقها وقاعدتها الصناعية فتتحول الي قوة اقليمية مركزية مرةً اخري.
بوش سيفعل ذلك اذا كان ضامنا ان تكلفة الحرب، اقتصاديا وبشريا واقليميا وأمريكيا ودوليا، لن تكون باهظة للغاية أو أنها في غير مصلحة أمريكا وحليفاتهــا.
هل يجرؤ أحد، بعد كوارث حروب أفغانستان والعراق والصومال، ان يضمن لبوش شيئاً؟9