درجنا على مُطالعة روايات بوليسية، تأتي في الغالب من السّويد، نكاد نحفظ أسماء المؤلّفين الذين صدّرهم ذلك البلد الصغير، فقد امتلكوا الحيلة في اللعب بمصائر شخصياتهم، في غطسهم في مستنقعات دم، بشكل يُثير فضول القرّاء بحثاً عن الجناة، ما إن تنزل أعمالهم إلى المكتبات حتّى تنفد، ونُصادف بدرجة أقلّ كتّاب روايات من ذلك النّوع من فنلندا، لكن نادراً ما تسألنا ماذا يحدث في النرويج، في ذلك البلد المُجاور لهما، إنّه واحد من البلدان الذي يُسجل معدلات جريمة جدّ متدنيّة، حيث السجون أُفرغت من مرتاديها، وساد انطباع بإمكانية غلقها، لكن لا يمكن أن نغمض أعيننا عن جو نيسبو (1960)، فقد استطاع وحده أن يضع النّرويج على الخريطة الأدبيّة، فرواياته ترجمت حول العالم (بما في ذلك إلى العربيّة)، قصصه تجعلنا نتآلف مع الشخصيات، وقد نتعاطف مع المجرمين قبل أن تنكشف خيوط الجرائم في النهاية. يجرجر جو نيسبو قراءه إلى عالم متخيل يعج بالجثث والمُصادفات وجرائم القتل، لكن في طريق البحث عن الحقيقة وإقرار العدالة سوف نقرأ أيضاً مقتطفات مكثّفة من تاريخ النّرويج المُعاصر.
جو نيسبو ليس اسماً طارئاً على الرّواية البوليسيّة، فقد قضى حياة تخللتها مُغامرات كثيرة، من مغنٍ إلى صحافي، كما امتهن في فترة من حياته التّحليل الاقتصادي ولعب كرة القدم في فريق محترف، ما أكسبه دراية للغور في المجتمع الذي يكتب عنه، ولذلك فإن أعماله على وفرتها يشوبها تنوّع وفهم لأقدار الناس الذين يزجّ بهم في حكاياته.
رواياته بانوراما إنسانية عن الحبّ، الخيانة، الصداقة والقرابة، وفهم خلفيات انتقال أناس عاديين إلى مُجرمين، ينحو إلى فهم أسبابهم النفسية والاجتماعية، كما أنه لا ينفي تداخل الشأن السّياسي والمصالح المترابطة في إقدام مواطنيه على الجريمة، وهنا لا نقصد من الجريمة فقط القتل، بل أيضاً السرقة أو المافيا أو المتاجرة بالمخدرات أو التلاعب بعقول الآخرين، منذ باكورته «الرجل الخفاش» (1997)، تعدّدت نجاحاته وترجمات رواياته، جعل من النّرويج مسرحاً تتّسع فيه بقع الدّم، كي يحكي من ورائه عن فظاعة الحياة المعاصرة في الغرب وتعقيداتها، مع شخصيات قد يكون أي واحد منّا التقى بها، مثل شرطي، ضحية، امرأة عاشقة، موظّف في أعلى هرم شركة، لكنه يجعل من هذه الشّخصيات العاديّة استثناءً.
اشتهر جو نيسبو خصوصاً بشخصيّة «هاري هول»، مفتش الشرطة النرويجي، الذي يموج في مشاكل شخصية وعائلية مستعصية، ما يدفعه إلى معاقرة الخمر وإدمان حل القضايا الأصعب، وظلّت تلك الشخصية تتكرر في رواياته الأولى، مثل: «الصراصير»، «نجمة الشيطان» أو «رجل الثّلج» ثم «الفهد»، وصولاً إلى «السّكين»، آخر أعمال نيسبو، بعض منها اقتبس في مسلسلات تلفزيونية، يكاد اسمه يرتبط بتلك الشخصية، لكن أهمّ أعمال هذا الروائي النرويجي جاءت عندما ابتعد عن شخصيته الأثيرة، وقد لا نُجانب الصواب إن قلنا إن أكثر رواياته اكتمالاً كانت «صائدو الأدمغة»، على الرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على صدورها، وأنها واحدة من أقل رواياته حجماً، فإنها تعطي النموذج الأكمل في قراءة نيسبو وفي فهم تقنياته في الكتابة البوليسية.
ي «صائدو الأدمغة» يتحرر جو نيسبو من شخصيّة «هاري هول» التي داوم عليها طويلاً، يبتكر قصة جديدة تختلف عما سبقها، ويظهر تمكنه من قلب الوضعيات واختلاق المُصادفات، من التلاعب بعواطف القراء.
تبدو «صائدو الأدمغة» رواية عادية، من صفحاتها الأولى، تطفو فيها شخصية روجي براون، أهم المتخصصين في إدارات الموارد البشرية في النرويج، تتكل عليه شركات كبرى في العثور على الكفاءات المناسبة في شغل المناصب الشاغرة، ينغمس روجي براون كلية في عمله، ويراوده أنّه غدا أهمّ (صائد أدمغة) في البلد، ينتابه غرور أحياناً وتجبّر في أحياناً أخرى، تزداد نرجسيته بنفسه بعدما صارت شركات مرموقة تستعين بخدماته في البحث عن الموظفينـ الذين تحتاج إليهم، كما أن المتقدمين إلى تلك المناصب لا يرجون سوى ودّه، علما منهم أن مديري الشّركات يأخذون محمل الجدّ توصياته وترشيحاته.
في هذه الرّواية حين تخلّص من شخصية «هاري هول»، يبدو أن المؤلّف قد استعاد لذّة الكتابة، كما لو أنّ ما سبقها لم تكن سوى روايات تحت الطلب. فعلاً هو يقرّ في حوار سابق له أن روايته «مكبث» كانت تحت طلب الناشر، رغبة منه في بعث أحد أعمال شكسبير المسرحية في الزمن المعاصر.
لكن روجي براون يمتهن هوية أخرى عدا البحث عن أصحاب الأدمغة، إنّه يخضع المترشحين إلى المناصب المعروضة إلى مساءلة أشبه بالتحقيق البوليسي منها إلى مقابلة مهنيّة، وأكثر شيء يعنيه أن يسأل المترشح إن كان يملك لوحة فنية ذات قيمة في بيته، فقد تخصص في سرقة اللوحات أيضاً كي يُضاعف من أرقام حسابه البنكي، قبل أن يُصادف مترشحاً إلى منصب مدير شركة، أسر له بأنه يملك لوحة للفنان الهولندي بيتر بول روبنس، الذي اشتهر في القرن السابع عشر بلوحاته الباروكية والبورتريهات التي رسمها، لكن هذا المترشح سوف يقود روجي براون إلى مغامرة دامية، يتبين أن اللوحة لم تكن أصلية، وباتت حياة بطل الرّواية في خطر بعدما اكتُشف أمره. سوف تتعدّد مغامرات روجي براون بعد محاولته سرقة تلك اللوحة، يتحول من سيد إلى عبد، لا رغبة له سوى النّجاة بجلده، فقد نجح جو نيسبو كعادته في قلب الحكايات، في تحويل شخصياته من ضعف إلى قوة، ثم العكس، مباشرة بعد اكتشاف تلك اللوحة ومحاولة سرقتها تنقلب الرواية، تخرج من قالبها الروتيني وتصير مغامرة من أجل الخلاص، من أجل البقاء على قيد الحياة.
في «صائدو الأدمغة» يتحرر جو نيسبو من شخصيّة «هاري هول» التي داوم عليها طويلاً، يبتكر قصة جديدة تختلف عما سبقها، ويظهر تمكنه من قلب الوضعيات واختلاق المُصادفات، من التلاعب بعواطف القراء، فالبطل ليس بريئاً كما نظنّ، قد نتعاطف معه في البداية ثم يظهر لنا في ثوب مجرم في مرحلة أخرى، فقد استطاع الكاتب أن يحوّل شخصيته من نور إلى عتمة، من شخص نموذجي إلى مُصاب بهوس سرقة اللوحات الفنية، تلك واحدة من حيل نيسبو، التي اكتسبها ولا يستطيع كاتب أخرى اقتناصها منه، فشخصياته ليست مستقرّة في حالة نفسية واحدة، بل تتخبط في حالات شاذة، تماما كما هي الصورة العامة لبلده النرويج، الذي يتوارى تاريخه خلف كلّ واحدة من قصص جو نيسبو.
٭ كاتب جزائري