جيش العراق طائفي تحول لـ«جيش حواجز تفتيش» ومعنويات جنوده في الحضيض

حجم الخط
4

لندن- «القدس العربي»: بعد اتساع منجزات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وتحالف المقاتلين السنة معه، وامتداد منجزات التحالف على منطقة شرق الفرات من الموصل للحدود الإردنية والرقة ودير الزور في سوريا، يدور السؤال إن كان الجيش العراقي لا يزال قادرا على إعادة عقارب الساعة للوراء واستعادة المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة، بل وحتى وقف زحف التحالف هذا نحو بغداد التي أصبحت في مرمى هدف المقاتلين، رغم المظاهر العسكرية التي أبداها المسلحون من جيش المهدي أو «جيش السلام» كما يحبذ مقتدى الصدر تسميته هذه الأيام في محاولة منه لإخفاء ماضي الميليشيا التي لعبت دورا مهما في الحرب الطائفية قبل عقد تقريبا.

جيش مهلهل

ولو سلمنا بإمكانية رحيل نوري المالكي، رئيس الوزراء المسؤول عن هذه الأزمة، وتزايد المطالب في داخل العراق والخارج باستبداله، فالجيش العراقي في وضعه الحالي ليس مهيأ لمواجهة قوات التحالف السني. ولن يجدي في هذا الحال دعم الولايات المتحدة وبريطانيا الجيش العراقي بمستشارين عسكريين.
فسيجد هؤلاء حسب صحيفة «واشنطن بوست» قوات تعيش أزمة، تفتقد المعدات وتعاني من هروب الجنود من وحداتهم بشكل يجعلها أي القوات العراقية قادرة على استعادة المناطق الشاسعة التي خرجت من يد الحكومة. فبعد هرب ألالاف من الجنود يعاني الجيش العراقي من حالة «انهيار معنوي» كما وصف مسؤول أمريكي.
وقد أدت الحالة اليائسة التي يعاني منها الجيش المالكي للإعتماد على المتطوعين الذين يحصل الواحد منهم على تدريبات عسكرية لا تتعدى الإسبوع.
ونقل عن ريك برينان من «معهد راند» قوله «مع مرور الوقت، فقد الجيش العراقي القدرة على الدفاع عن نفسه». وأضاف أنه في حالة عدم العثور على طرق لتعزيز قوة الجيش «أعتقد أننا سنرى بداية تفكك الدولة العراقية».
وجاء في التقرير إن الولايات المتحدة قد عززت من عمليات الدعم وأجهزة الإستطلاع منذ استسلام الجيش العراقي في الموصل هذا الشهر إلا أن الحكومة العراقية التي يتسيدها الشيعة عبرت عن حالة من الإحباط حول سرعة وصول ومدى الدعم. وبدا الوضع خطيرا عندما وقف المتحدث باسم غرفة عمليات بغداد الجنرال سعد معن أمام خارطة واظهرت مناطق واسعة أُصبحت «مناطق معادية».
وقال «نتعامل مع كل هذه المناطق كمحاور ساخنة» مع أن المتحدث يزعم تقدم الجيش ومواجهته لقوات داعش والتحالف السني معها.
وتضيف الصحيفة أن الجنرالات وقيادات الجيش يشتكون حتى قبل هروب ألالاف الجنود العراقيين من عدم قدرتهم على مواجهة عدو مجرب وله باع طويل في الحروب ويملك معدات حربية متقدمة.

دور المستشارين

وزادت قوة تنظيم داعش في الأسابيع الماضية بعد قيامه بالسيطرة على معدات عسكرية متقدمة وأمريكية الصنع. وتقول وزارة الدفاع الأمريكي إنه لا يوجد لديها معلومات دقيقة عن حجم المواد التي حصل عليها داعش.
ومن المتوقع أن تشمل مهام المستشارين الذين سيصلون للعراق على شكل وحدات صغيرة تقييم وضع الجيش العراقي ومعداته. ونقل عن الجنرال رشيد فليح، قائد عمليات الأنبار الذي ظهر في التلفزيون وأكد أن قواته تقوم بإحياء الجبهة وتم نشر المتطوعين على الجبهات.
ولم يقل الجنرال أن ازدياد أعداد من المتطوعين ونشرهم كان فوضويا، ومعظمهم ينضم للقتال تحت راية الميليشيات وليس العلم العراقي مع أن معن يقول إنهم لن يتصرفوا كميليشيات لأن الشرط كان هذا عندما سجلوا أسماءهم. ويرى جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق في العراق أن «المشكلة الرئيسية للجيش العراقي أنه جيش طائفي»، ويضاف إلى هذا أن لديك جنرالات بمعنويات متدنية ومتطوعين من الميليشيات الشيعية الذين لا يتلقون إلا تدريبات قليلة ولا يملكون معدات أو مهارات مثل تلك التي يملكها رجال داعش. وتنبع مشكلة الجيش العراقي من ضعف القيادة والفساد وفقر المعلومات الأمنية حسب مستشار أمريكي للقوات العراقية.
وقد حولت هذه المشاكل الجيش الذي كان في حالة جيدة عندما انسحب الأمريكيون في عام 2011 إلى «قشرة فارغة اضطر لدعوة الأطفال والرجال من الشارع»، وأضاف أن حجم التراجع هذا الشهر كان كارثيا. فقد وجه جنود اتهامات للجنرالات الذين فروا من الفرقة الثانية للجيش العراقي في الموصل وتركوهم للدفاع عن أنفسهم، وأعلن المالكي عن محاكمات عسكرية لـ 59 منهم فروا من المعركة بدون إجراء تحقيق في الأسباب.
ونقل عن جنود فروا للمناطق الكردية أن الخطأ يقع على كاهل القيادات العليا. وبناء على هذا فالوضع القاتم الذي يعيشه الجيش العراقي لن يتغير سريعا.
وسيعمل المستشارون العسكريون الأمريكيون مع الوحدات في بغداد وقد يتم نشر بعضهم في فرق عسكرية وسيقومون بتقييم الوضع العسكري أولا.
ويعتقد محللون أن الوضع السيء الذي يعاني منه الجيش يعني ان مساعدة من الخارج فقط كفيلة بحرف مسار الحرب. ويتوقع العراقيون ضربات جوية أمريكية ومساعدات عسكرية وصواريخ.

الهزائم ستتواصل

ومع ذلك يعتقد المسؤولون الغربيون أن تراجع الجيش العراقي سيتواصل وسيستمر في الخسارة.
وحسب تقييمات قام بها مسؤولون غربيون وخبراء عسكريون أظهرت أن ربع الجيش العراقي «عديم الفائدة في القتال» أما قواته الجوية فهي ضئيلة والمعنويات متدنية وتعاني قيادته من فساد.
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» أن قرار تقديم الدعم العسكري للقوات العراقية يعتمد على كفاءتها والتي أثبتت أنها غير منظمة في وجه المخاطر وخيبت توقعات الأمريكيين الذين دربوها.
وفي الوقت نفسه لا تزال الجهود لإقناع المالكي بتشكيل حكومة موسعة والتخلي عن سياسات الإستفزاز والإكراه ضد السنة ترواح مكانها.
ونتيجة لهذا فالوضع الذي نجم عن هذا هو خريطة نجح فيها مقاتلو داعش والتحالف السني محو الحدود بين العراق وسوريا.
ونقل عن قائد عسكري عراقي في ديالى «نحن في وضع نستطيع حماية ما تبقى من أراض» لم تسقط في يد مقاتلي التحالف السني، ويقول «جنودنا في حالة معنوية متدنية». ورغم التقدم السريع الذي يحققه المقاتلون إلا أن الأمريكيين لا يرون إمكانية سقوط بغداد مع أن أسوأ السيناريوهات حدثت وهي سقوط ثاني كبرى المدن العراقية وعدد من المدن الحدودية.
ونقل عن مسؤول غربي «الزخم هو بيد داعش»، و»هم يكبرون يوما بعد يوم».
وقد قاد هذا الوضع البعض لأن يتعامل مع الجيش العراقي كقوة مهزومة مما يعقد من المهمة أمام المسؤولين الأمريكيين، وتشير لتقييمات مايكل نايتس من معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أن كل 60 كتيبة من 243 كتيبة في الجيش العراقي لا يمكن الإعتماد عليها وفقدت كل معداتها.
وقال مسؤولون أمريكيون أن 5 فرق من 14 فرقة في الجيش العراقي لا تستطيع القتال بمن فيها فرقتين انهارتا في الموصل. ومع أن ما تبقى من الجنود الذين كانوا في إجازات تم إرسالهم لقاعدة التاج إلا أن وضع الفرق للعمل من جديد ستكون مهمة كبيرة حسب نايتس.

تحديات

ومن هنا يعتبر تعزيز قدرات الجيش العسكرية والجوية تحد كبير، فحتى وقت قريب لم يكن لدى سلاح الجو سوى مقاتلين من نوع «سيسنا» لإطلاق صواريخ «هيلفاير» وانخفض العدد لاثنتين، كما ولم يعد لدى الجيش صواريخ كافية. وتشير الصحيفة إلى أن القوات الوحيدة التي يمكن التعويل عليها رغم ضمور قوتها هي القوات الخاصة لمكافحة الإرهاب التي تقوم الولايات المتحدة بتدريبها سرا في مطار بغداد الدولي. ولم يقم الجيش بمناورات عسكرية وتدريبات بل وتحول إلى «جيش حواجز» مهمته فحص هويات من يمروا على نقاط التفتيش، وتعود على هذه المهمة بدلا من نقل المعركة للعدو حسب مسؤول غربي.
ومن وجهة نظر الضباط العراقيين فهم بحاجة ماسة للدعم العسكري: بدون معدات عسكرية مناسبة ولا معلومات أمنية يواجهون جماعة مدربة تدريبا جيدا ولها خبرة في المعارك وحرب العصابات.
ويصف مسؤولون غربيون داعش بالعدو الشديد المراس وهو آقوى من التنظيم الذي واجهه الأمريكيون الفترة ما بين 2004-2009، أي تنظيم القاعدة في العراق. ومع أن التقديرات تتراوح حول عدد قوات داعش لكن هناك إجماع على القدرات العسكرية المتقدمة التي يمتلكها التنظيم، ولديه التمويل الكافي والدافعية للقتال والموت من أجل الهدف.
فبعدد من المقاتلين قدره 10.000 كان داعش قادرا على السيطرة على مخازن السلاح والتخطيط لهجمات صغيرة وترافق هذا مع حملة دعاية واسعة استخدم فيها بذكاء وسائل التواصل الإجتماعي. وكان التنظيم قادرا على نشر أخبار انتصاراته وغزواته لمخازن الأسلحة والعربات (52 عربة تقريبا)، ولا يعاني التنظيم من نقص المقاتلين الذين ينضمون إليه إما من الخارج او من المقاتلين السنة أو من السجناء الذين اطلق سراحهم، من سجن أبو غريب قرب بغداد ومن سجن بادوش في الموصل.

أخبار غير صحيحة

يحدث هذا والحكومة تواصل الحديث في التلفزيون الرسمي الحديث عن «انتصارات» وتظل الأخبار المتناقضة الصادرة عنها، مصدرا لخلق فراغ في المعلومات تملأ عادة بالشائعات. ويقول باتريك كوكبيرن في تقرير نشرته صحيفة « إندبندنت» إن آخر الأخبار الكاذبة هي الحملة التي سيقوم بها الجيش ضد المقاتلين واستعادة منطقة صلاح الدين في 29 حزيران/ يونيو الحالي. ويشير إلى أن شوارع بغداد امتلأت بالشاحنات المحملة بالأمتعة والمسافرين الهاربين من المدينة، فيما تدفق السكان على وكالات السفر بحثا عن تذاكر للخروج للدول المجاورة. ويخشى سكان المناطق السنية التي وقعت تحت سيطرة المقاتلين السنة من استخدام النظام نفس الوسائل التي يعتمد عليها النظام السوري في ضرب المناطق المدنية.
وترى صحيفة «التايمز» البريطانية أن كل الإشارات تظهر أن داعش يحضر للقيام بهجوم على بغداد، ولو نجح فسيعني نهاية العراق وتمزقه إلى ثلاثة أقسام سنية، شيعية وكردية أي نهاية الجمهورية العراقية وبداية مرحلة من الفوضى وعدم الإستقرار سستستمر لسنوات طويلة. ومن هنا دعت الصحيفة الولايات اتخاذ إجراءات عسكرية لوقف داعش رغم الموقف المتردد من الحكومة الأمريكية للتورط في حرب جديدة.
وترى أن خطط أوباما الحالية ليست كافية لوقف تقدم داعش إن أخذنا ضعف الجيش العراقي وتمزقه بعين الإعتبار. وقد يقوم الأمريكيون بتقديم ضمانات أمنية للأكراد في جهودهم لوقف المقاتلين السنة. وترى الصحيفة أن الخطط الأمريكية لا تجيب على ثلاثة أسئلة مهمة. هل نريد استمرار المالكي كرئيس للوزراءـ وإن كان الجواب لا، فهل يجب أن نلعب دورا في تنحيته؟ وهل نقبل بتجزئة العراق؟ وهل نتعاون مع إيران لتأكيد تفوق الشيعة في العراق؟ وترى الصحيفة أن المالكي هو مشكلة ومسؤول عما حدث، وفي ضوء هروب الكثير من الجنود فلم يعد يصلح لأن يكون القائد العام للقوات المسلحة.
وقد يكون جزءا من الحل من خلال الضغط عليه لتوسيع السلطة كي تشمل السنة والشيعة. أما عن القبول بتقسيم العراق فتقول الصحيفة إن أي سيناريو يعني تحقيق داعش لأهدافه وبناء «داعشستان» تمتد من دمشق لبغداد فكرة سيئة ليس للعراق بل وللغرب الذي سيصبح مهددا. وأسوأ الخيارات هو تقسيم لين للعراق وبناء فدراليات ومناطق حكم ذاتي.
لن يتحقق هذا بدون توقف إيران عن التعامل مع العراق كمحمية لها، ويجب أن يشارك الشيعة السنة في حكم العراق وأن لا يسمح بتحول الأزمة إلى مواجهة طائفية شاملة. ويجب أن تعيد إيران حساباتها وتبدأ بالتصرف بطريقة إيجابية. وعليه فإرسال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس ليس الجواب على المشاكل التي تسببت إيران فيها. ولا ترى والحالة هذه أية فرصة للتعاون مع إيران في العراق.
ولكن على الغرب أن يركز هدفه وهو منع داعش من تحقيق حلمه ببناء خلافة إسلامية بين سوريا والعراق، ويجب على إيران المساعدة في تحقيق هذا الهدف ولكن ليس على قاعدة الشراكة مع الغرب.

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية