جيل الإبادة الفلسطيني… تثبيت الذاكرة

يافا ذيب
حجم الخط
0

الضفة الغربية – «القدس العربي»: بعد مرور 77 عاماً على نكبة الشعب الفلسطيني، لا تزال التغريبة الفلسطينية مستمرة. ليست ذكرى عابرة في كتب التاريخ أو نشرات الأخبار، بل واقعاً يومياً ينبض بالألم والمقاومة. النكبة التي بدأت بالتهجير الجماعي عام 1948 لم تنتهِ عند حدود دير ياسين، أو بسقوط حيفا ويافا، بل تمددت وتحولت من المجازر الجماعية إلى الحصار والتجويع، ومن النكسة إلى الاستيطان، ومن طرد اللاجئين إلى اجتياح المخيمات، حتى باتت غزة عنوان النكبة المتجددة في القرن الحادي والعشرين.
جيل فلسطيني رابع، وُلد بعد عقود من النكبة الأولى، بات شاهداً حياً على نكبات متلاحقة. لم يعايش مشهد الطرد الأول من يافا أو عكا، لكنه يعيش اليوم مشهد الدمار في خان يونس وجباليا، ويحمل الكاميرا بديلاً عن البندقية، سلاحاً في معركة الذاكرة والصمود.
تقول الصحافية الفلسطينية حنين قواريق: «قوارب النكبة هي وجع الفلسطينيين الذي لم ولن يندمل. هي السبب في كل ما نعيشه اليوم وسنعيشه غداً. كنا نسمع عن الجرائم من أجدادنا، لكننا لم نكن نتصور فظاعتها حتى عشنا نكبة غزة 2023، وما زلنا نعيش فصولها اليوم مع الاجتياح الإسرائيلي لمخيمات شمال الضفة الغربية».
وترى حنين في الصورة والمقطع المصور وثيقة لا تقل أهمية عن الشهادة الحية، «الصور التي التقطناها، ومقاطع الفيديو التي وثقناها، جعلتنا ندرك حجم الإجرام الذي ارتُكب عام 1948». وتضيف: «نحن أبناء الجيل الرابع، ومن واجبنا أن نحمل الذاكرة وننقلها إلى الأجيال القادمة. لولا الحكايات لما خلدت القضية، ولولا الذاكرة لما صمد الفلسطيني».
قوات الاحتلال اعتقلت حنين بعد أيام من مقابلتها معنا، ولا تزال حتى اللحظة معتقلة. أما المصور الفلسطيني محمود معطان، من قرية برقة شمال رام الله، فيقول إن «نكبة غزة أعادت إحياء صور المجازر التي طالما قرأ عنها في الكتب. اليوم نعيش المجازر بالصوت والصورة. نراها في البث المباشر، نوثقها لحظة بلحظة. الحلم الذي نشأنا عليه بزيارة القرى المهجرة لا يزال حياً، لكنه اليوم محاط بركام البيوت في غزة ونابلس وطولكرم. نحن ندرك التاريخ من زاوية الواقع، لا من الرواية فقط». تتجلى النكبة اليوم في مشاهد متكررة: منازل تهدم على رؤوس ساكنيها، مخيمات تحاصر، وعائلات تشرد للمرة الثانية والثالثة. في الضفة الغربية، حيث يواصل الاحتلال سياساته التوسعية، شهدت مدن الشمال، وتحديداً جنين وطولكرم، اجتياحات دامية وعمليات تهجير منظمة.
وتعيش إيناس سمير، ممرضة من بلدة ترقوميا قضاء الخليل، هذا الوجع عن قرب. تقول: «نكبة 1948 ما زالت حاضرة فينا. نراها في كل بيت يهدم، في كل جنازة شهيد، في كل طفل يفقد والده، وفي كل أسير يعتقل عند الحواجز. نحن لا ننسى، ولن ننسى. نحن أبناء الذاكرة، نحملها في جيناتنا».
جيل اليوم، على الرغم من كل الألم، لا يعيش في ظلال النكبة الأولى فقط، بل يواجه نكبته الخاصة، ويوثقها بالصورة والكلمة. أصبحت الكاميرا أداة مقاومة، والهاتف الذكي سلاحاً في معركة الرواية، في وجه محاولات الطمس والتزييف.
في عام 2025، لم تعد النكبة مجرد ذكرى تُستحضر في الخامس عشر من أيار/مايو، بل واقعاً يومياً يعيشه الفلسطينيون لحظة بلحظة. لم تعد القضية همساً في الزوايا، بل صرخة مكتومة وصورة دامغة تقتحم شاشات العالم وتضعه أمام اختبار ضميره. في غزة، التي دخلت عامها الثاني من حرب الإبادة المستمرة، باتت مشاهد النزوح والدمار تكراراً مؤلماً لنكبة 1948. في الضفة، تعيد المجازر اليومية رسم خريطة الألم. في القدس، يُسرق البيت ويُطرد أصحابه في وضح النهار. ومع ذلك، لا تزال الرواية الفلسطينية تُكتب، من داخل الخنادق والملاجئ، من فوق الأنقاض وأمام الكاميرات.
الفلسطينيون قولهم واحد: الذاكرة سلاح الشعوب، والعدسة باتت شاهداً لا يموت في وجه صمت العالم. هذا الجيل، الذي ورث الإرث الثقيل عن أجداده، يرفض أن يكون مجرد شاهد على الألم، بل يصر على أن يكون جزءاً من فعل المقاومة، بالتصوير والتوثيق والكتابة. فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، بل أيضاً في من يروي القصة، ومن ينقل الحقيقة ويحفظها للأجيال القادمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية