خلود العدولي’تولد الكتابة من الازمات ومن التضاد، تولد على حد الشفرة’ بهذه الكلمات وصف الروائي الكوبي بيدرو خوان غويتيريز الكتابة الغاضبة أو ما يطلق عليها النقاد رواية القاع.
الغضب الأمريكي في فترة ما بين الحربين كان غضبا فنيا كالشفرة تماما تضخم في رحم الرواية ليصور اختفاء أمريكا القديمة وبروز هذا الغول المتوحش الجديد. هم أصوات مختلطة داخل الخريطة الأمريكية بما تحملة في ولاياتها الخمسين من تشرد وضياع وتفكك لكل اسس المجتمع:
جيل البيت أو جيل الضياع مثل صوت الإنسان في بلد يستهدف الإنسان. ذاك الجيل الذي يقاوم تحطيم الإنسانية ويتسلح بالغضب والعنف والمباشرتية في نقل الواقع، لا لشيء بل لأن الصوت الوحيد الذي بات قادرا على محاربة أكذوبة ‘أمريكا الجديدة’ و’سيدة العالم’ هو هذا الصوت القذر الخارج من مستنقعات اللامرئي، من مستنقعات الباطن المغيب تماما. هذه الحركة الروائية والفنية بدأت منذ الخمسينات وقد عبرت عنها أقلام عديدة من أبرزهم الروائي جاك كرواك الذي صاغ جوهر حركة البيت من خلال روايته ‘على الطريق’. لقد شق كرواك ولايات أمريكا كما تشق البطن بمشرط الطبيب وأخرج من خلال كتاباته أحشاء هذا البلد الذي تحول إلى سلطان فوق الأرض. بسطت فلوريدا، كنتاكي، بوسطن، دلاس، أطلنطا، ديترويت، دنفر وسياتل تحت مشرط جيل البيت. فقد بدت الولايات المتحدة كالبطن المنتفخ خداعا والذي لايعدو أن يكون إلا أحشاء رثة تتآكل خلف إنتفاخ البطن. كان العالم حينها مبهورا بهذا العملاق الذي روج في مختلف وسائل الإعلام، كانت أمريكا موطن الأحلام فيها يتحقق المستحيل وفوق أرضها بسطت الجنة. ذاك هو الرداء الجديد لأمريكا بهدف الاستحواذ على كوكب الأرض. إن كل ما عرضته المجلات والبرامج والمسلسلات كان صورة وطن إلاه: الوطن الراعي للسلام والمحافظ على الإنسانية والمحبة والداعي لحقوق الإنسان. لم يكن لأمريكا من حل سوى تغليف نظامها الرأسمالي المتوحش برداء الخير والسلام وكان كشف هذه الأكذوبة مدار كتابات جيل البيت وجوهر اهتمامهم. مثلت هذه الأكذوبة صنما صب فيه رواد البيت جام غضبهم وسخطهم فمن كرواك إلى آلان غنسبورغ، ريتشارد فورد، رايموند كارفر، غاري سنيدر ومايكل ماكلور وغيرهم من جيل الخمسينات والستينات الذي عايش الحرب الباردة بكل توترها وبكل ما شهدته من نزاع متوحش وسباقات نحو التسلح من أجل سيادة العالم فكانت النتيجة أعمالا روائية تحطم كل رغبات السيطرة والتوحش التي استأثرت بالبلاد لتؤسس لمفهوم البساطة من خلال تناولها لحياة أناس بسيطين جدا، ذلك أن الشخصية الروائية في كتابات جيل الضياع هي نفسها التي تعيش وتكتب وهي التي تمزق كل تقابل بين مفهوم الواقع والسرد، لتتحول الرواية إلى واقع جديد أكثر حقيقة من الواقع اليومي، ذلك أن انصهار الفن بمفهومه الجمالي بالواقع القذر الذي يعيشه المجتمع الأمريكي قد ولد واقعا جديدا وفنا جديدا: واقعا ذا بعد جمالي رغم بؤسه ووفنا يمجد القبح رغم اسسه الجمالية. تلك تعادلية الفن والواقع في روايات جيل الضياع التي كانت الشخصيات محورها، ففي غوصنا في عمق العالم السردي لهذه الحركة يبدو لنا أننا إزاء الماهية الحقيقية للولايات المتحدة من خلال رجال العصابات، لاعبوا البنغو العاطلون عن العمل، طالبات السنة الأولى في الجامعة اللواتي يشتغلن راقصات في الملاهي، رجال قذرون يتعاطون الماريجوانا في الفنادق الرخيصة، أصحاب كروش منتفخة أمام شطائر التشيزبرغر، وعائلات مفككة لا رابط بينها. من الواضح أن الرأسمالية قضت على كل القيم وصدرت نموذجا يعتقد في الرغبة البيولوجية والغريزية قبل رغبة العقل ورغبة الحب ورغبة الإنسانية. ولهذا السبب كان على هذا التيار تمزيق هذه الصورة المخادعة بنخر أحشاء ذلك البطن المكور، ففي الأحشاء وحدها تكمن الحقيقة وفي ما وراء الستار تكمن روح الركح. إن القذارة التي ميزت كتابات هذا التيار ليست إلا عرضا لحقيقة الإنسان وتعرية لما يسود العالم من حب السيطرة والقتل والمخدرات والحروب وكل ما ينهش مفهوم الإنسان:
ذلك الكائن الذي بات منشودا في روايات جيل البيت. لقد رفع هذا الجيل صرخة حادة ليعلنوا أنه ليس هناك واقع قذر وواقع نظيف وأن السياسة لا تقوم لحد الآن إلى بتكريس الغباء المبرمج وتجريم حق التفكير بل إنها تقيم مجزرة شنيعة في حق العقول المفكرة. أليس هذا التغول السياسي والإقتصادي ما جعل روائيا في حجم ريتشارد فورد محتقرا من قبل دور النشر الامريكية في أعماله الأولى، أليست هذه صورة عن وطن فقد خصوصيته واصالته التي تحولت لجبال لا تحصى ولا تعد من الدولارات. لقد عانى فورد كغيره من هذه البطن الأمريكية الكبيرة التي تخشى النظر لقاذوراتها، فهذا الأخير عالج من خلال عالمه السردي انهيار المؤسسات الاجتماعية كالعائلة والزواج وصور خيبات البسطاء اللذين لا يخشون من عرض أحشائهم في المزاد العلني إذ تطلب البقاء على قيد الحياة ذلك. لقد مثل جيل البيت زلزالا في التكور الهادئ لبطن أمريكا وشق هذا الخداع المستمر بإستمرارية مقابلة في تعرية الواقع مما جعل السينما الأمريكية تستلهم من هذه الحركة لتخرج بما يطلق عليه ‘افلام الطريق’ هذه الأفلام التي تنخر الحياة اليومية الأمريكية وتصور ما فقده هذا الشعب من اصالة وخصوصية تحت براثن التغول على العالم. فقد كان على الولايات المتحدة أن تضحي بنفسها وهويتها من أجل أن تصير بالونا يضم جزيئات العالم وكان على جيل البيت أن يكون تلك الصرخة التي تمزق البالون الوهمي المنتفخ ليبرز المسخ الذي خلقته دولة تخلت عن شعبها وهويتها من أجل سيادة العالم.