عادت مدينة القدس إلى الواجهة في النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي وهي التي اعتقد فريق دونالد ترامب أنه أخرجها من أوراق التفاوض الفلسطيني. وجاء نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في الأيام الأولى لرئاسته من أجل تأكيد سيادة إسرائيل عليها. إلا أن ما يجري في المدينة المقدسة خاصة محاولة منع المصلين من الوصول إلى المسجد الأقصى وبناء الحواجز لمنع الشباب الفلسطينيين من الجلوس في الساحات، ظلت نقطة تفجر ومحاولة يراها الفلسطينيون لتغيير الوضع الراهن. وما يقال كثيرا عن صفقات تحاول من خلالها إسرائيل نقل السيادة الأردنية للأماكن المقدسة ومنحها للسعودية كهدية للتطبيع وكجزء من اللعبة التي تعمل عليها إسرائيل لاستفزاز الوضع القائم ودفع المستوطنين لاحتلال الأقصى مرة بعد الأخرى لفرض الأمر الواقع كما فرضته عبر سنوات من القمع والحصار للحرم الإبراهيمي.
وتمثل تصرفات حكومة اليمين المتطرفة في إسرائيل امتحانا لاتفاقيات التطبيع الأخيرة التي زعم أصحابها أنها دفاع عن حقوق الفلسطينيين ومنع التوسع الاستيطاني في القدس ومناطق الضفة الغربية.
وكانت بداية المواجهات الأخيرة بناء على قرار الشرطة الإسرائيلية منع الفلسطينيين من الجلوس في الساحات أمام بوابة دمشق، إحدى بوابات القدس حيث اعتاد الفلسطينيون الجلوس بعد الصلوات في المسجد الأقصى. ومبرر المنع هو كوفيد-19 ولكن الفلسطينيين تساءلوا، هل تجرأت الشرطة الإسرائيلية على منع اليهود من التجمع والجلوس في أعياد البوريم والباسوفر لذا يجب عليهم فتح البوابات والساحات لنا كما فتحت لهم، قال الفلسطينيون.
كفاح يومي
وقصة الفلسطينيين في القدس هي كفاح دائم مع الإجراءات التي تهدد حياتهم وأسلوب معيشتهم وإجبارهم على تدمير بيوتهم التي بنوها بدون ترخيص أو طردهم منها عبر مصادرتها واحتلال المستوطنين لها والمضايقة عليهم في معيشتهم، والتخلص منهم في عملية «تطهير عرقي». ومن المتوقع أن تبدأ جولة ثانية من المواجهات في الشيخ جراح يوم الأحد والتي قد تؤدي إلى احتجاجات عارمة أخرى. وما يجري في القدس هو جزء من توتر يشمل مدنا وبلدات في فلسطين المحتلة سواء المواجهات في مدينة يافا حول مصادرة أملاك الغائبين إلى المستوطنين، وهذه العقارات تعود للفلسطينيين الذين أجبروا على مغادرتها في عام 1948 وكانت تمثل نسبة 25 في المئة من العقارات في إسرائيل. وعلى مدى 3 سنوات عرضت شركة «عميدار» المملوكة من الدولة السكان فيها حق شرائها ولكن بأسعار عالية. وقادت عملية البيع لتظاهرات وشعارات جدارية. واندلعت التظاهرات الأخيرة بعدما هاجم أفراد من عائلة الجربو الحاخام إلياهو مالي الذي جاء لاستطلاع سكنهم في حي العجمي والذي يريد شراءه وتحويله إلى كنيس. ويضاف لنقطة التفجر هذه التظاهرات في أم الفحم وقرى المثلث والبلدات العربية الأخرى احتجاجا على عدم اهتمام الشرطة بالعنف في مجتمعاتهم الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. وهم يتظاهرون كل جمعة منذ ثمانية أسابيع. وفي كل تظاهرة رفعت الأعلام الفلسطينية وهتف المتظاهرون باسم القدس وضد الاحتلال، بحيث أصبحت المدينة المقدسة مركز الغضب الفلسطيني داخل إسرائيل بالإضافة للضفة الغربية وقطاع غزة. وكانت القدس ومشاركة سكانها في الانتخابات مبررا أو مخرجا وجده الرئيس الفلسطيني محمود عباس لتأجيل الانتخابات.
نقطة غليان
لكن اللافت في الأمر أن مدينة القدس أصبحت كما في السنوات الماضية نقطة غليان قابلة للانفجار في أي وقت. ومن هنا جاءت تحذيرات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت بمقال نشرته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية من أن السياسات الإسرائيلية تدفع المناطق نحو الانتفاضة الثالثة وأشار فيه لمضايقات ما يطلق عليهم فتيان التلال من المستوطنين للفلسطينيين واعتدائهم على أراضيهم وضربهم. وقال إن أحداث الأيام الأخيرة في القدس ليست حدثا مصادفا مصيره الاختفاء بسرعة «فنحن نقف على شفا يقظة عنيفة من شأنها أن تتطور إلى عنف في الشوارع. ومن شأن هذا أن يكون صداما يوقع عددا لا بأس به من الضحايا – في الطرف الفلسطيني وفي الطرف الإسرائيلي». وطالما جرى الحديث عن انتفاضة ثالثة لكن ما يجري في القدس والمدن العربية في داخل إسرائيل هي تعبير عن ثورة مطالب مدنية، ففي ظل الجمود على المسار السياسي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومواصلة إسرائيل التوسع الاستيطاني وبناء الطرق وتوسيع مساحات المستوطنات للسماح بالتوسع الاستيطاني فقد باتت المسألة تتعلق بالحقوق المتساوية وليس الدولة المستقلة.
ما بعد حل الدولتين
وأظهرت استطلاعات عدة أجريت على مدى السنوات الماضية أن السكان في المناطق المحتلة لا يعولون على حل الدولتين، بل يريدون الحقوق المتساوية في دولة ثنائية القومية بما يشمل عليه من مساواة. وفي دراسة أخيرة لمركز كارنيغي ومقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (27/4/2021) ناقش فيه مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني السابق أن على الإدارة الأمريكية ان تنظر إلى ما بعد حل الدولتين. ورغم الترحيب بالجهود الأمريكية لإصلاح ما دمرته الإدارة السابقة من علاقة مع الفلسطينيين «إلا أن اللحظة الحالية تتطلب من بايدن وفريقه تجاوز الحيز المريح الخاص بهم في تصور حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فلم يعد النهج القديم للدفاع عن حل الدولتين، ودعم مفاوضات لا نهاية لها على ما يبدو، يتناسب مع الواقع على الأرض». وفي تقرير أعده هو وزملاؤه في وقفية كارنيغي بعنوان «كسر الوضع الراهن بين إسرائيل وفلسطين» كشف أن اللحظة الحالية لا تتطلب مثالية بل تفكيرا جريئا – وصنع سياسات على أساس فهم واضح للواقع الديموغرافي والسياسي اليوم. وأضاف أن الوقت قد حان لأن يواجه المجتمع الدولي حقيقة صارخة مفادها أن غالبية الفلسطينيين، كما تظهر استطلاعات الرأي باتوا يدركون الآن أن حل الدولتين لم يعد ممكنا. فقد وصل الصراع إلى نقطة تحول، والمسار إلى الأمام يتطلب نموذجا جديدا لصنع السلام – لا يركز على الفصل بين المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني بل على المساواة والحرية والعدالة لكلا الشعبين داخل دولة ديمقراطية واحدة. مشيرا إلى أن 7.3 مليون فلسطيني يعيشون في إسرائيل والضفة مقابل 6.4 مليون يهودي بمن فيهم أكثر من 700.000 مستوطن في المناطق المحتلة، حيث باتت المجتمعات متداخلة. وأشار جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية السابق بمقالة نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز «27/4/2021) إلى أن إدارة بايدن ستواجه معوق تلاشي الاهتمام الإسرائيلي بحل الدولتين. فقد قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حملة لم تتوقف لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وجلب التوسع الكثير من الجدران الإسمنتية والحواجز الأمنية ونقاط التحكم بشكل خفض من المساحات التي يمكن للفلسطينيين العيش فيها أو رعي أغنامهم أو رعاية حقول الزيتون وبساتين الخضروات بدون أن يتحداهم المحتل. وأضاف «للأسف، ففي سنوات دونالد ترامب، تجاهلت الولايات المتحدة مصالح الفلسطينيين وتطلعاتهم». ورغم انشغال إدارة بايدن بالعديد من القضايا المحلية والدولية إلا أن محاولات الفلسطينيين الحصول على دولتهم تستحق مشاركة مبكرة من فريقه للأمن القومي.
دولة أبارتيد
ولا تعني الدعوات للحقوق المدنية المتساوية تناسي حل الدولتين بل مواصلة التأكيد عليه والتفكير بطرق إبداعية. ذلك أن إسرائيل سترفض بالتأكيد أي شيء يؤثر على الطابع اليهودي للدولة، والقوانين والممارسات المستمرة ضد الفلسطينيين في داخل إسرائيل والمناطق المحتلة تعبر عن مستويات من التمييز العنصري. وهو مصطلح عاد للتداول وسط منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والدولية، وكان آخرها تقرير منظمة «هيومان رايتس ووتش». وقال أتش إي هيلر في مقال نشرته «واشنطن بوست» (28/4/2021) إن «هيومان رايتس ووتش» جاءت متأخرة في تحليلها للممارسات الإسرائيلية، لكن تقريرها يضيف دعوات ملحة لتغيير النقاش في السياسة بواشنطن وأبعد منها. وقال إن النقاش حول الجرائم الإسرائيلية يجري في الوقت الذي يحاول فيه قادة إسرائيل مقاومة تسوية عادلة ونهائية مع الفلسطينيين. ويشيرون إلى اتفاقيات التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والتي أطلق عليها اتفاقيات إبراهيم، واتفاقيات أقل أهمية مع المغرب والسودان على أنها دليل عن عدم وقوف النزاع مع الفلسطينيين أمام الاستقرار في المنطقة. وهذا كلام لا منطق فيه، فبعد كل هذا، عقدت إسرائيل اتفاقية سلام مع مصر منذ 40 عاما والأردن منذ أكثر من 20 عاما ولا أحد من المصريين أو الأردنيين يمكنه وصف العلاقات مع إسرائيل بالطبيعية.
وعلق ديفيد هيرست في موقع «ميدل إيست آي» (30/4/20121) على أن إسرائيل تحاول تأكيد نفسها بالقوة الوحيدة بين النهر والبحر وفي كل عام تقوم بتوسيع سيطرتها بشكل سيقود إلى حكم أقلية يهودية غالبية عربية. ويجب على الفلسطينيين تلقي الضربة بعد الأخرى، من اعتراف أمريكا بالقدس كعاصمة إلى رئيس جديد قال مرة إنه لو لم توجد إسرائيل لقامت أمريكا باختراعها. وأشار إلى ضعف قيادتهم وانقسامها، فقد أعلن عباس يوم الخميس عن تأجيل انتخابات لأول مرة منذ 15 عاما بذريعة عدم مشاركة الفلسطينيين في القدس، مع أن مشاركتهم ستظل رمزية ولن تغير من نتائج الانتخابات. والجميع يعرف السبب وهو تراجع شعبيته وانقسام حركته إلى ثلاث قوائم مما سيسمح لحركة حماس بالفوز. وقالت «فايننشال تايمز» (30/4/2021) إن عباس لم يكن واثقا بالفوز، ومنحته القدس «ورقة التين» لتأجيل الانتخابات لفترة طويلة.
هل انتهى النزاع؟
وأشار هيرست إلى غطرسة جاريد كوشنر، المسؤول عن ملف التسوية في عهد ترامب والذي أعلن في مقال بصحيفة «وول ستريت جورنال» الشهر الماضي بأن النزاع العربي- الإسرائيلي قد انتهى. ودلل على هذا بـ «الهزة الأرضية» التي أحدثتها اتفاقيات التطبيع التي أشرف عليها ترامب بين دول عربية وإسرائيل. وتحدث عن زيارة أكثر من 130.000 سائح إسرائيلي دبي. وعلق هيرست أن الغطرسة التي اتسم بها كلام كوشنر لا تساويها سوى هبوط جورج دبليو بوش على متن بارجة أمريكية ليعلن بعد غزو العراق في عام 2003 أن المهمة في العراق أنجزت. ويعتقد هيرست ان مفهوم نهاية النزاع خطير على إسرائيل التي لا تواجه مخاطر على جودها مثلما اليوم وعندما «تشعر أنها على حافة الانتصار» و «لأن الهزة التي تهدر ليست التي تؤشر لنهاية النزاع أو تلك التي تهدر في الضفة وغزة ولكن التي تهز إسرائيل في القدس والمناطق التي احتلتها عام 1948».
فبين الفلسطينيين – سواء المواطنين الإسرائيليين أو سكان القدس فلن تحمي الجدران او الحواجز إسرائيل من التداعيات.
جيل جديد
ويقول إن الجيل الجديد من المحتجين في الداخل ليسوا من فتح أو حماس وبدون قيادة وتدفعهم الوطنية الفلسطينية، وهم ليسوا متدينين أو محافظين ولا يشعرون بأنهم مواطنون في دولة إسرائيل. ومركز الاحتجاج ليس يافا أو شفا عمرو بل القدس التي تصل إليها الحافلات من كل أنحاء إسرائيل محملة بـ «المرابطون» للدفاع عن الأقصى. ورغم أن التوتر في كل مكان وحتى النقب التي هدمت فيها الجرافات الإسرائيلية قرية عراقب 186 مرة إلا أن مركز ومحور التحركات الأخيرة هي القدس. وكما أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» فهناك خلافات داخل المؤسسة العسكرية والأمنية حول كيفية تعامل الشرطة مع التوتر. فقد حذر المسؤولون في المؤسسة الأمنية الشرطة من إغلاق باب العامود وذلك بسبب الانفجار الذي قد تسبب به في المنطقة. ويقول هيرست إن على المجتمع الدولي وبخاصة أمريكا التي يقول رئيسها إنه يريد إعادة القيادة الأمريكية ويؤكد حقوق الإنسان، التحرك سريعا. وعلى بايدن الحديث عن الحاضر لا عن الماضي. فإلى متى سيظل بايدن يدافع عن نظام يستخدم القوة ضد 20 في المئة من سكانه وضد غالبية القاطنين بين النهر والبحر؟ فقد أخطأ نتنياهو عندما اعتقد ان اتفاقيات التطبيع ستجنبه حلا مع الفلسطينيين. فهؤلاء لم يعودوا يهتمون برد بايدن أو بقية العالم. وتولوا الأمر بأنفسهم بعد تخلى المجتمع الدولي عنهم وتجاهل الإعلام لهم وخيانة معظم الدول العربية لهم وإهمال قادتهم لمطالبهم. ومن اللافت في هذا السياق حوار جرى بين محتج فلسطيني ومراسل تلفزيوني من اليهود الشرقيين (مزراحي) أمام بوابة دمشق، سئل فيه من أين أجداده فأجاب «من المغرب» فقال الفلسطيني «لم يكن في هذه البلاد صحيح ولم يأت إلى هنا من قبل» ورد الصحافي: «هل تريد مني العودة إلى المغرب؟ هل هذا ما تريد؟» فرد الفلسطيني «هذه الأرض ليست لكم.. ليست لكم والقدس لنا وهي إسلامية».