من-الوثائقي-عدالة-شجرة-الزيتون
تهبط مروحية للجيش الفرنسي على مدرج في أحد السواحل الجزائرية، قرب العاصمة، التي على ما يبدو كانت تعيش حالة من الهدوء الحذر يومها، على متن المروحية جثة تم نقلها إلى عربة إسعاف، ومع صوت سيارة الإسعاف المدوي في أنحاء المدينة تسترق كاميرا رائد الأفلام التشاركية جيمس بلو (1930ـ 1980) صورة المستعمَرة الفرنسية في الجنوب المتوسطي، وهي تلامس الحرية، وبين جنباتها أناس يتجولون في شوارعها وآخرون متكئون يبصرون مدّ الاستعمار الآخذ في الانحسار.
عندما كانت الحكومة الجزائرية المؤقتة بقيادة كريم بلقاسم تخوض حرب مفاوضات حاسمة مع الوفد الفرنسي برئاسة لويس جوكس ممثلا عن سلطة الجنرال شارل ديغول، للخروج بحل سياسي يتوافق مع متطلبات الأمة الجزائرية، وينهي الاحتلال الفرنسي الذي دام أكثر من قرن. كان جيمس بلو ضمن فريق مهني للمنتج السينمائي جورج دروكليس صاحب استوديو في مدينة الجزائر، لصنع أفلام وثائقية قصيرة عن الجزائر. وبعد اللقاء الذي جمع جان بيليجري(1920 ـ 2003) صاحب رواية «Les Oliviers de la justice « الصادرة عام 1959، والفائزة بالجائزة الكاثوليكية الكبرى للآداب سنة 1960، مع المنتج جورج دروكليس من العام نفسه، قرر الأخير منح الأمريكي جيمس بلو القيام بتجربة سينمائية توثيقية، كي يجسد محاولته الإخراجية الأولى للدراما الوثائقية في الجزائر، بقول الحق والحقيقة كما أرادها الجزائريون إلى فيلم طويل. فعمل بلو على إخراج فيلمه الطويل الدرامي شبه الوثائقي المعنون «Les Oliviers de la justice» .
الحكاية
تبدأ رحلة الممثل بيير بروتون في دور الشاب الثلاتيني «جان» ابن المستوطن الفرنسي «ميشال» والذي أخذ دوره الكاتب جان بيلجيري، لدى عودته للجزائر بدعوة من والده المريض، يحكي الفيلم قصة علاقة جان مع مجتمع عربي، ومحاولة لتذكر طفولة قضاها في مزرعة أبيه في سهل متيجا في البُلدية، التي كانت آهلة بالسكان العرب والمسلمين، الذين كانوا يعملون ويعيشون من خيرات ما ينتجه حقل ميشال، رحلة الشاب الفرنسي جان ستحاول جرد وتقييم وتأثيث عناوين قديمة للعلاقة التاريخية والاجتماعية التي خطها المستوطنون الفرنسيون مع الأهالي، وتنقل لنا صور الماضي الكولونيالي وحنينه، مختزلا في تنمية الأراضي الفلاحية والعيش المشترك، كاستجابة حضارية لتبرير تهميش الأهالي وحرمانهم من خيرات أرضهم، مع ما كان من تحديات للمستعمَرة الفرنسية في تلك المرحلة من تاريخ تحررها.
دراما للتاريخ
أظهر المخرج الأمريكي جيمس بلو مع جان بيلجيري اهتماما بالغا بعملية توثيق اللحظة المفصلية من تاريخ الحدود الاجتماعية والثقافية للائتلاف والاختلاف الفرنسي الجزائري، حيث عمل كل منهما على تجسيد الحياة الفعلية للمعمرين والأهالي معا، استعان جيمس بلو للحصول على قدر كاف من ذكريات الماضي، تقنية «الفلاش باك»، بغرض استرجاع العلاقات الأسرية والروحية بين أبناء الأرض الواحدة، مشاعر الحب للطفل الفرنسي جان، تواجه عبر دمج حياة العائلة الجديدة بعيدا عن مزرعة الوالد ميشال، الكثير من التأثيرات الثقافية المتبادلة والمتنازع عليها، من خلال حوارات أراد كاتب السيناريو نفسه تخليص ذاته بتمثيل شخصية ميشال، ولنقل إن رغبة جان بيجليري في تبيان العلاقة بين التاريخ والكتابة عبر روايته، وجدت نافذة قوية، واستحضارا هائلا من التخيلات والاحتمالات، التي حملها فيلم جيمس بلو، ما ترك كون الأوروبي مركزا للقوة والعربي هامشا مسيطَرا عليه، محل إمعان عندما قام المستوطن ميشال بتعزير عامل عربي وإرشاده للطريقة الصحيحة في رش المبيد في الحقل، ينصاع العربي لأوامر سيده ويعيد الرش بقوة، إلى أن يصل إلى قبر يعكف على إضاءة الشموع فيه رجل من عمر ميشال يدعى «مبارك»، فيقوم هو الآخر بالصراخ على العامل البسيط، ليرد العامل قائلا: السيد ميشال طلب مني ذلك.
أظهر المخرج الأمريكي جيمس بلو مع جان بيلجيري اهتماما بالغا بعملية توثيق اللحظة المفصلية من تاريخ الحدود الاجتماعية والثقافية للائتلاف والاختلاف الفرنسي الجزائري، حيث عمل كل منهما على تجسيد الحياة الفعلية للمعمرين والأهالي معا
يتوجه مبارك ليتكلم مع ميشال وهو على ظهر عربته، يدور حوار بينهما حول القبر، ينتهي بتهديد ميشال لمبارك بإزالة القبر، يهدده مبارك كذلك بالنار والعذاب يوم القيامة، ينهي الكلام ميشال بقوله: أنا السيد هنا، تنطلق العربة ويسير مبارك أمامها متبخترا؛ هذا المشهد الذي أظهر بعضا من القوة التي كان يمتاز بها المستوطنون الفرنسيون في الجزائر، سرعان ما تداعت هيبتها حالما توجه بعض الأهالي مطالبين ميشال بتوظيفهم، يجيبهم ميشال «مكانش خدمة»، يزداد التوتر بين الطرفين، يقفز ميشال من على الدرج، فيأخذ متظاهرا ويشير عليه بالعصا، يتوقف ضجيج وصراخ المحتجين، يتقدم نحوهم الشيخ مبارك فيطلب من الجميع الصبر والتخلي عن الفوضى، ينصاع له الجميع وينصرفون، في تلك اللحظة تأخذ كاميرا جيمس بلو زاوية مثيرة، وإطارا كبيرا لوجه جان بيجليري (ميشال)، المليء بالحيرة والانكسار وعمق الكوامن العربية المتجاوزة تخيلات المستشرقين المتشابكة! باعتبار العدالة منبعا للقوة لا القوة مركزا للعدالة.
خطيئة الاستعمار
قدمت اتفاقية إيفيان ضمانات لعودة المنفيين واللاجئين، وإطلاق سراح المعتقلين الجزائريين، بالإضافة إلى بنود اقتصادية وعسكرية أثير حولها الكثير من الجدل، قام المخرج جيمس بلو بطريقة غير مباشرة بتصويب الكاميرا نحو العالم المهيمن ونزعته التسلطية في تسابقه «للحفاظ على منابع الثروة»، عبر مشهد زيارة صديقة والدة جان لميشال وهو على فراش المرض. يدور حوار بينهما حول المزرعة التي قام باستخراج الخيرات منها بعد استصلاحها، يوازي المشهد ذاك حكاية الأب لابنه وزوجته، وبداية البحث عن الثروة وسخرية الجميع منه، إلا أن إيمانه بنفسه بدد شكوك الغير. لقد منحت المزرعة كونها مرتع الخيرات من قمح وعنب وزيتون وماء، صورة المصالح الاقتصادية الفرنسية، وحجمها الحقيقي وكينونتها وماهيتها، مع اقتراب الإعلان عن استقلال الجزائر، وهل بالإمكان التنازل عن الثروة التي عمل الفرنسيون سنين عددا على جمعها، والتمتع بها، حيث تقرر صديقة عائلة جان البقاء وتذكيره بأن المزرعة «نحن من غرسنا شجرها ولن نتركها تذهب سُدى»، بينما يصر الابن على الرجوع إلى فرنسا، إذ ما من شيء يدعوه للتمسك بهذه الأرض. ومن خلال حوار مطول مع بوخالفة في المطبخ، الذي حكى لجَانْ حجم التمييز والعنصرية كونه عربيا عندما كان عاملا في فرنسا، ويوم عاد إلى الجزائر، وقام بتقليم أشجار مستوطن، وهبه الأخير القليل من الفرنكات؛ يعزز حوار بوخالفة العربي مع جان الفرنسي، رغبة المخرج جيمس بلو لإبراز الطبقية الاجتماعية التي مارستها الآلة الاستعمارية الفرنسية في عقر دارها، كخطيئة لم تعترف بها جمهوريات فرنسا المتعاقبة، الأمر الذي أثار مخاوف البقاء لدى جان ليقول لبوخلافة: أبي مات ولم يترك لنا سببا للبقاء في الجزائر.
محاولة رسم صورة إنسانية
احتوى الفيلم على مشاهد درامية كثيرة، كلقاء جان بالخادمة فاطمة وصديقه في مغسل السيارات، وحكايات الصبى والسوق الشعبي والطقس الديني، إلى جانب مشاهد لها علاقة بالعنف والخوف، كالقنبلة والأسلاك الشائكة وعربات الجيش، إلا أنها لم تكن بالمستوى الذي كانت عليه قبل ثلاتين عاما من 1962، ينتهي الفيلم بموت ميشال ليسارع الابن بتحضير مراسم الدفن بالقرب من المزرعة، حيث يجاورها كنيسة وملعب ومقبرة للمستوطنين الفرنسيين، يحضر مراسم الدفن بوخالفة وولده الصغير، يوضع جثمان ميشال في مرقده الأخير كصورة إنسانية للروابط التاريخية، وفي رمزية روحية تلتقط ذاكرة جان صورة الشيخ مبارك عندما وجده ميتا وهو ساجد، لتحرك عواطفه الكامنة وتؤثر على قرار الرحيل وتجعل من محنة موت الوالد أملا للبقاء، «مبارك قال لنا إن الجنة في السماء».
منافي الدراما
تم عرض فيلم «عدالة شجر الزيتون» في قاعة سينما فيكتور هوغو في فرنسا يوم السبت 17 نوفمبر/تشرين الثاني، عقب فوزه بجائزة كتاب السينما والتلفزيون في مهرجان كان 1962، بعد محاولات حثيثة لمنع عرضه. لم يكن جيمس بلو سوى شاب أمريكي أتيحت له الفرصة لكي يخرج نصا فرنسيا ولد جزائريا، من أجل بلورة رؤية محددة للتغيرات المتسارعة لفترة استقلال الجزائر، فهل كانت المنافي الدرامية لجان بيليجري تنسج خيوط العلاقة التاريخية بين الجزائريين والفرنسيين؟ أم أن تأثيرات الثقافات المتبادلة والبحث عن مصالح اقتصادية وحقائق مستقبلية لا يعترف بها الفرنسيون، هي من صوبت كاميرا جيمس بلو لقول الحقيقة؟
٭ كاتب جزائري