تنتمي رواية «جينوم… مزامير الرحيل والعودة»، للروائي المغربي زكرياء أبومارية الفائزة بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الأولى 2015، في الدوحة، إلى الجيل الجديد من الروايات العربية التي تنتصر للقضايا الراهنة للإنسان العربي، وهو في أحلك المنعطفات التاريخية، حيث تتخذ من إشكالية الهوية والبحث عن الجذور قضية أساس، تتفرع عنها أسئلة راهنة لا تقل عنها أهمية، منها الكفاح المرير للشعب المغربي ضد المستعمر الفرنسي الغاشم من أجل نيل حريته، وتورط الذات في مصائر ملغومة تقودها إليها بشكل عرضي، رغبتها في الانعتاق أو البحث عن مخرج، فإذا بها تعلق في شرك أكثر إحكاما، الخيبة في الحب والحياة، اضطهاد المهاجرين الذين قادتهم ظروفهم المزرية إلى فرنسا للعمل في أوضاع غير إنسانية، ليتم إعدامهم بطريقة همجية ورميهم في نهر السين.
قلق هوياتي
يستبد بالعامل الذاتي في هذه الرواية، قلق هوياتي قاهر، يجعل الفتاة شامة تدخل تحدي البحث عن جذورها الغامضة، وتستتبع آثار الذاكرة من خلال تلميحات والدتها التي تغطي على الأمر، وتحجب عنها الحقيقة خوفا وضنا وحرصا عليها من الإفلات من بين يديها، مثلما باتت تترصد صوت ذاك الغريب المغربي الذي يباغتها كل مساء حتى أصبح بالنسبة إليها، صوتا من الكيان. وكانت شامة، البنت ذات الأصول المغربية الفرنسية التي تجهل والدها بناء على تصميم مسبق من والدتها الفرنسية ابنة المعمر الذي عاش ملاكا كبيرا في المغرب إبان فترة الحماية، تربط، بشكل غامض، ربما بتأجيج من حدس الانتماء ورائحة الجذور، بين ما يحدث معها من طمس لكينونتها الاعتبارية بالتستر على هوية والدها البيولوجي لداعي الأنانية والعماء الأيديولوجي، وما وقع لأولئك الجزائريين من مأساة الإعدام البشعة رميا في نهر السين بلا رحمة، وبدون احترام خصوصية الإنسان ولا حقوقه. وباتت متاهة البحث تتسع أمام شامة – العامل الذات كلما كبرت، وكأنها سؤال الحياة نفسها، الذي كلفت الإجابة عنه، عبر مساحة النص الروائي، عمرها السردي الافتراضي كاملا، قبل أن تقرر العودة، بعد رحيل كل من كانت ترتبط بهم هناك في فرنسا وأمريكا، إلى الدار البيضاء المغربية، استجابة لسؤال الانتماء الغامض الذي بات يؤرقها كحاجة بيولوجية.
لا يؤثر الإشكال الرئيس في المتن الروائي على العامل الذات (شامة) وحده، بل ينعكس أثره على كل مكونات العالم الروائي بما فيه باقي الشخصيات، واجتهد الروائي لتكون مؤثثات هذا العالم كلها متضامنة ومنسجمة لتؤدي الخطاب ذاته؛ فينخرط جون أقرب الشخصيات لشامة في هذه المتاهة، بل يكون ضحية لاختياراتها، بعد أن يكونا معا قد راهنا بمستقبل علاقتهما العاطفية من أجل إخلاء السبيل لها كي تحقق مرادها من الرحلة المتاهية إلى أمريكا، والاندماج في تلك الحركة السرية؛ ضدا للقيم التي تؤمن بها الشخصية الرئيسة: الإرادة والقناعات الداخلية والمواقف الشخصية.
لا يؤثر الإشكال الرئيس في المتن الروائي على العامل الذات (شامة) وحده، بل ينعكس أثره على كل مكونات العالم الروائي بما فيه باقي الشخصيات.
سرد معكوس:
يستغل الروائي تقنية الاسترجاع أو ما يسمى في الأدبيات السردية بـ(الفلاش باك) في تشييد عالمه الروائي، حيث يبدأ بالنهايات، ثم يتتبع خيوط لعبته السردية بشكل معكوس، واضعا متلقيه في ما يشبه الانتظار القاسي، وتستغرق الرواية صفحات طويلة، قبل أن تبدأ في كشف خباياها، مستندة إلى عمليتي التشويق والالتفاف. وقد نجح أبومارية في اختياره، على الرغم من حجم النص، وامتداد سيولته الحكاية على مدار طويل ومتعرج. وقد ساعد الروائي في ذلك، لجوؤه إلى تقنية أخرى لطالما كانت توأما عتيدا للسرد، الذي بدأت الرواية التجريبية الحديثة، خاصة منها نمط «النوفيلا»، تتخلص منها تدريجيا، لكن في هذه الرواية يحضر الوصف أكثر مما يحضر السرد، بمعنى أن فعل الحركة بطيء ولا يساير السيرورة الوصفية التي تهيمن تماشيا مع الغاية من الخطاب الروائي، وهي تصوير بشاعة الحالة التي تكون عليها الشخصية المؤرقة بإشكالية فقدان الهوية، إذ استغرق المتن بياضا متواصلا لكشف المتاهة السيكولوجية العصيبة التي أُقحمت فيها شخصية «شامة» الموزعة بين الهويتين الفرنسية والمغربية. لم تكن الرواية معنية بالتقدم في المحكي، بقدر ما كانت معنية أكثر بأثر وقائع معينة على الحالة النفسية للشخصيات، تفاعلا مع محيطها العام، لذلك، فقد توقفت بإسهاب عند الحالات الشعورية، والتعبيرات الانفعالية، لكل من شامة التي عاش معها قصة هويتها، وصورة والدها الغامضة، وميلها الغريب للمغاربيين، وتعاطفها مع أولئك الذين أعدموا في نهر السين ظلما…
اعتمد الروائي تقنية الراوي المشارك، الذي يقوم بمهمتيْ السرد والفعل، الشيء الذي غلّب استعمال ضمير المتكلم طيلة أطوار النص، وهو الأنسب لمحكي مغرق في الذاتية والنفسية.
وكذلك جون الذي جعلته جراحه المتواصلة مع الحب، والحياة، والشعور المؤلم بانتكاسة القيم البشرية إلى أن يصبح قسا أو أبا في إحدى الكنائس المسيحية، ثم ليختار العقيدة الإسلامية التي يجدها اختصارا لكل الديانات السماوية، وتتويجا لها، الشيء الذي يورط علاقة انجذابه لشامة وانجذابها إليه في أكثر من وازع المحبة، لتصبح الهوية الملتبسة غصنا آخر مشتبكا في هذه العلاقة الحميمية التي ظلت مشدودة إلى الطهر، وكأنها عزاء عن مسيرة المحن، وسيناريوها الفشل العلائقي المتردي، ونكوص القيم التي شهدها ويشهدها العالم من حولهما. ولعل هاته المشاعر المتلاطمة والمتناقضة لم تكد تسلم منها أي شخصية ساهمت في تنمية أحداث العالم الروائي؛ بما في ذلك أم شامة، وعشيقها القديم المغربي المختار الذي تسميه الرواية «مو» اختصارا على لسان سوزان.
اعتمد الروائي تقنية الراوي المشارك، الذي يقوم بمهمتيْ السرد والفعل، الشيء الذي غلّب استعمال ضمير المتكلم طيلة أطوار النص، وهو الأنسب لمحكي مغرق في الذاتية والنفسية، فإشكالية الهوية تجثم على الفرد جوانيا، وينعكس أثرها عليه، قولا وفعلا. لذلك، كانت شامة تصف نفسها بما يشبه البوح أو الاعترافات، وهي تقف عند انفعالاتها أكثر ما تقف عند سيرورة ومجاري الأحداث التي تبدو لا قيمة لها أمام نكوص داخلي يجعل كل الأشياء الجميلة في الخارج معتمة وغير ذات معنى.
جراح مضاعفة:
يصادف شامة، مثلما يصادف جون، وهما في إطار انهماكهما المستغرق في البحث عن حقيقتيهما الخاصتين، انكشاف عوالم جحيمية عاشها غيرهما، أو ربما من هم أقرب إليهما من هذا العالم الذي يحتويهما فعليا: تنكشف لهما عواصف الظلم التي يشنها الغرب على المستضعفين في الأرض بداعي الاستغلال الجشع، تحت مسميات متعددة وملغومة كالحماية والانتداب وتقديم المساعدة ورفع البؤس، بينما الاسم الحقيقي هو الانتهاك والاستعمار والغصب وغيرها من الصور البشعة التي أنستهما حياتهما السابقة المسروقة، وتاريخهما الموؤود. ناهيك عن تلك المأساة التي شهدها نهر السين، والتي لم تفارق بشاعتها مخيلة كل من شامة وجون. هنا، تلتبس الحقائق في الرواية، وتتقاطع المصائر، وبينما يسعى كل من جون وشامة لاستعادة طهرهما، بالتوازي، مع يقينيتيهما الهوياتية، يباغتان بكون الأمر ليس بالسّهولة المتصوّرة، وبكونهما مطالبين بالتضحية بقيم رفيعة تشدهما إلى صفائهما الداخلي، وبكون كل صورة يمكن تشكيلها عن الهوية تظل ناقصة وشائهة ما لم تتوفر للإنسان، في هذا العالم، شروط الإسهام في بلورة إنسانيته بالشكل الذي ينسجم ووعيه بمقومات الحياة وغاياتها في الوجود والحياة.
٭ ناقد من المغرب