حائط برلين عربيا.. هولوكست ربيعي

حجم الخط
3

على عموم التجربة البشرية، ارتبط مفهوم الحائط، سواء كان دلالة رمزية أو سَدا ماديا (جدار)، على إشكالية قاسية متعلقة بالفصل أو العزل لغرض الحماية من الآخر أو التقسيم او رسم الحدود او فض النزاعات، او كما ظهر مؤخراً لغرض التنطع على غرار جدار العار الانساني الذي شــــيده حسني مبارك لحصار وتجويع أهل غزة او كسندان لطرقات السفاح الاسرائيلي على رؤوس الفلسطينيين .
شهد التاريخ البشري العديد من الحوائط، قديما بنى الصينيون سورهم العظيم لحماية أمنهم من غارات القبائل الشمالية، وشّيد الملك ذي القرنين سده الشامخ لحماية أهل الأرض من أهوال يأجوج ومأجوج، وفي العصور الوسطى شَهدت اوروبا اكبر عملية فصل عنصري ضد اليهود وأودعت اليهود خلف الأسوار والجدران مكونة فيما يسمى (الجيتو) حتى لا يتمحور اليهود في حياة الأوروبيين، الذين كانوا ينظرون لليهود نظرة خسة، وفي العصر الحديث أصبح الجدار كيانا وظيفيا فريدا من نوعه، فقد دشنت بريطانيا (جدار بلفاست) الشهير بأيرلندا الشمالية عام 1969 من أجل فض التوتر الدائر بين الكاثوليك والبروتستانت والمعروف بجدار السلام، وبالمثل قامت تركيا باقامة جدار في نيقوسيا عام 1974 للفصل بين أتباعها الأتراك والقبارصة اليونانيين.
وشهد العالم بعد الحرب العالمية الثانية أشهر الجُدر في العصر الحديث الذي ارتبط بصراع إمبراطوري بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية وهو (جدار برلين)، هذا الجدار الإمبراطوري الذي بناه السوفييت كان من أجل الحماية الديموغرافية لبرلين الشرقية الذي كان انهياره يمثّل لدى البعض اخر الجُدر في التاريخ، لكن سرعان ما حنت إسرائيل إلى ماضيها وشرعت في وضع غيتو جديد لها وان كان مختلف الشكل والخواص والهدف من أجل رسم حدودها الوجودية في فلسطين.
وعقب الحرب العالمية الثانية وافول نجم الامبراطوريات الاوروبية القديمة، وبناء حائط برلين الذي كان رمزاً لحرب باردة ‘إسماً’ بين كتلة الشرق الشيوعية والديناصور الغربي الامريكي الليبرالي، كان العرب أيضا قد بنوا ‘حائط برلينهم’ الخاص بهم. لكنه مازال قائما حتى الآن بعكس الحائط الالماني الذي سقط عندما تحسس الألمان خطورة وجوده، حيث جعل من أرضهم ساحة معارك بين الاخرين على حساب وحدتهم وقوتهم.
إن حائط برلين العرب لم يكن رمز صراع ايديولوجي قائم ولم يكن جدار فصل عرقي، بل انه ليس حائطا ماديا من الحجارة او مشابه، بل كان حائطا سياسيا/ثقافيا بامتياز. انه أحد إفرازات الغدد الانقلابية للجنرالات الذين قفزوا على السلطة بما سموه بالثورات التقدمية.
جدار برلين العرب هو بمثابة حائط صد لمنع تدفق التاريخ والماضي، أو بالاحرى هو ضد تراكم السيرورة الثقافية التي عاشتها المجتمعات العربية لأول مرة في تاريخها الحديث خلال الثلاثة عقود السابقة على الانقلابات؛ فما أنتجه هذا الجدار هو دروب من التزييف والافتراء والهدم، فقد هدمت كل محاولات الديمقراطية وأسبابها من حل للبرلمانات والدساتير الوطنية وحل الاحزاب، بل ومسخها لأجل الديكور الديمقراطي كواجهة موسمية في الفترينات، ولم يخل التاريخ هو الاخر من افرازات الغدد الانقلابية وتعرض لتشويه وتحريف حتى أصبح السابق والقديم هو العدو والرجعي، في مصر مثلا، تمت شيطنة الفترة الملكية بكل ما فيها حتى أصبح اللاوعي الجمعي مشبع بتلاوات تاريخية اكتتبتها الدبابة والمدفع.
الحائط البرليني العربي كانت له تجلياته الثقافية، تجليات بمثابة حقن جرثومي لضرب خلايا الوعي التي تراكمت في فترة النهضة العربية، تأميم الصحف وبالأصح تدجين الصحافة، وهي مفخرة النماء الثقافي في فترة النهضة العربية ولم ينجح الجنرالات في بناء مؤسسة صحافية تضاهي الصحف القديمة، ومنعت إصدار الصحافة المستقلة والحزبية وكل ما ينشر كان يمر في غربال الرقابة العسكرية.
هذه التجليات السرطانية التي ولدت في حظيرة الانقلابيين جعلت الانحطاط قاعدة، وقد حدا بخيري منصور ان يصف الجنرال الانقلابي بالجنرال ميداس، لكن معكوسا فيستطرد قائلا: ‘بالأرقام المجردة وبعيداً عن غلواء البلاغة تعالوا نقارن زمناً بزمن ورجالاً برجال وثقافة بثقافة.
في زمن السينما البدائية بالأسود والأبيض وأحياناً بالأسود والأسود قدمت أهم الأعمال الأدبية والتاريخية، وفي ذلك الزمن كتبت المقالات والدراسات التي لولاها لكنا جميعاً أيتاماً وبلا آباء أو أسلاف، رغم بدائية المطابع والتكلفة الوقتية والصحية لألواح الرصاص، وفي زمن المحراث الذي تجره الخيول والبقر أكل العربي مما زرع وأحياناً لبس مما نسج، ولم يكن الماء والهواء يباعان بهذه الأسعار الباهظة، والأهم من هذا كله أن العربي كان غير خجول من نسبه ولون بشرته وشاربه ولغته لأن قامته كانسان كانت تعادل قامته كعربي بالتمام والكمال، ولم يكن مسكوناً بهاجس المحاكاة، والشعور بالنقص بحيث يخلع جلده كي يتماهى مع غالبه الذي تحول الى نموذج!.’ هؤلاء الجنرالات الذين انقلبوا على البلاد العربية منذ 60 عاما، هم اشبه بالنقيض الجدلي للملك ميداس (شخصية اسطورية اغريقية)، فبفضل خيميائهم -وليست كيمياء- استطاعوا تحويل الذهب الى تراب بعكس ميداس اليوناني الذي قالت الاسطورة انه كان يلمس التراب فيحوله الى ذهب.
وهذا ليس حنينا الى فردوس مفقود، او نوستالجيا او بكاء على الاطلال، فالعهود من قبل لم تكن يوتوبيات او مدنا فاضلة، لكن الفقر فيها كان صريحا ويمكن تعريفه والامساك به، وكذلك الثروة والانتلجنسيا والريف والمدينة، لكن جمهوريات الجدار تحولت الى ديستوبيات بامتياز، اي الى مدن راذلة.
لقد أفضى هذا الحائط وثقافته بنتائج سرطانية في العقل العربي وأنشأ الغيبيات المضادة للاستحقاق والوعي وأصبحت المراذلة اداة ومنهجا في المقارنات بدلا من الفاضلة، فأصبحت المقارنة الجديدة تتم بين السيئ والأسوأ وليس اختيارا حرا بين الأفضل والسيئ وهذا بفعل الانسداد الذى صنعه الجدار امام حركة التاريخ، وكأن التاريخ اصبح يتحرك دائريا لا فكاك من قدره المرسوم مسبقاً. قد ترى حاليا اللوثة الوجودية عندما يتباكى الناس على الجلاد الانقلابي القديم بسبب فرط استبداد الجلاد اليميني الجديد، وبفعل الانسداد لم تتح للشعوب أن تدرك ان هذا اليمين الديني الجديد هو نتاج سياسات وثقافات الحائط البرليني العربي، الذي حرمهم من حقهم في التجرية والخطأ. كذلك العواقب المجتمعية الوليدة التي استولدها الحائط من تكريس للطبقية الهرمية وفشل الاستقلال وغياب العدالة والحريات واستبدلت بالزنازين والحظائر وآلات التدجين للمثقفين والاحزاب والاعلاميين والسياسيين…الخ، وتراكمت المكبوتات والارتهانات الجديدة حتى أصبحت الجمهوريات الجديدة زنازين بسعة وطن .
عندما شيّد الجنرالات حوائطهم البرلينية المضادة ظن البعض أنه سطْر جديد بل صفحة وربما كتاب جديد في تاريخ الأمة ينذر بالحريات والكرامة والاستقلال التام، لكن ما أن خَطَ الجنرال بيده اول الحروف في هذا الكتاب إلا ووضح أنه يخط ويسطر لفترة وحقبة ما هي الا جملة اعتراضية في مسار الاستحقاق البشري المنشود.
اخيراً، لم يكن حائط برلين العرب مجرد برزخ سياسي وثقافي عازل وفاصل عن الماضي والحاضر والمستقبل، بل كان أشبه بغيتو ثقافوي يطوق المجتمعات ويفرض عليها نوعا من العزلة المتشردة والمتخلفة عن درب الاستخلاف والحضارة، لكنه سرعان ما أصبح هولوكوست ربيعيا لمن وقفوا ضد تدفق التاريخ، ليست نيران أفرانه من الغاز كما فعل هتلر بل من فائض المكبوتات.

‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية