تحدث إلي صديق قائلا، كيف نجد في السودان نظام حكم يصنف على أنه من الأنظمة الشمولية ومع ذلك نجد هناك قدرا كبيرا من الحريات تتمتع بها المعارضة التي تصل في بعض الأحيان إلى حد المطالبة بإسقاط نظام الحكم بالقوة دون أن يتم اعتقال القائلين بذلك، قلت لهذا الصديق هذا هو الجانب المخفي من الشخصية السودانية، ذلك أنه على الرغم من صور وأشكال نظم الحكم في السودان يظل السودانيون في حياتهم العادية يمارسون عاداتهم وتقاليدهم دون قلق من أنظمة الحكم، والمهم دائما أن يتوقف الناس عند الأفكار التي تطرح لمناقشتها من حيث محتواها وملاءمتها لنظم الدولة الحديثة، ولأجل ذلك سوف أتوقف لمناقشة عدد من الآراء والمواقف التي طرحت في سياق ما يجري في السودان، ولتكن البداية من آراء الكاتب والناشط الحقوقي كمال الجزولي الذي أثارت بعض أقواله الأخيرة كثيرا من الجدل في الواقع السياسي السوداني.
وهو يوجه نقده في الأساس إلى المعارضة السودانية المتمثلة في تجمع تحالف الأحزاب التي وصفها بأنها ماتت وشبعت موتا، وهو يرى أن السودانيين يحتاجون إلى قرار شجاع بفض هذا الاجماع ويحتاجون في الوقت ذاته إلى قرار لا يقل شجاعة بالاتجاه نحو الحل المسلح، ولا يخلو مثل هذا القول من غرابة، لأن الحل المسلح لم يكن في يوم من الأيام حلا مناسبا ذلك أنه لا فرق بين الحل المسلح والانقلاب العسكري، بكون التجربة دلت في العالم العربي على أن كل الذين يتجهون إلى الانقلابات العسكرية يفتقرون إلى الرؤى السياسية السليمة، ولن يختلف الأمر مع الذين يقودون الأعمال المسلحة الذين يكون هدفهم تغيير الأنظمة أو الوصول إلى الحكم دون أن يمتلكوا القدرة على التغيير لكن الكثيرين من معارضي الحكم في السودان يدعون صراحة إلى الحل المسلح كما هو الشأن مع ما تطلق على نفسها الجبهة الثورية التي تلقى دعما من دولة جنوب السودان بحسب رواية الحكومة السودانية التي أعلنت أخيرا الغاء سائر اتفاقات التعاون بينها وبين حكومة الجنوب بل ذهبت إلى إعلان وقف ضخ النفط الجنوبي عبر أراضيها على الرغم مما يسببه ذلك من ضيق اقتصادي للبلاد.
واتهمت حكومة الخرطوم حكومة الجنوب بانها قدمت عربات وذخائر للحركات المتمردة، ومن جانبها أعلنت حكومة الجنوب أن وقف ضخ النفط ستكون له مخاطر بيئية على الشمال لأن الأنابيب ستكون ملأى بالنفط الذي يمكن أن يتسرب إلى مياه النيل في حال عمل تخريبي، غير أن وزير الإعلام السوداني الدكتور أحمد بلال نفى أن تكون هناك أية مخاطر بكون الحكومة ستوصل كل النفط الموجود في الأنابيب إلى ميناء التصدير لأن الشمال له مصلحة في ذلك. وقال مدير جهاز الأمن السوداني محمد عطا إن الرئيس عمر البشير كان قد أمهل الرئيس الجنوبي سلفا كير مدة خمسة عشر يوما من أجل أن يوقف دعمه للمتمردين والاعتداءات الجنوبية على شمال السودان، ولكن الرئيس سلفا كير لم يستجب لهذا الطلب، وكان بالتالي لزاما أن يتخذ السودان قراراته الأخيرة، وقد فاجأ قرار الخرطوم حكومة جنوب السودان التي ما زالت تدرس النتائج المحتملة لهذا القرار وكيفية مواجهته . وفي تطور آخر تحدى والي ولاية الخرطوم الدكتور عبد الرحمن أحمد الخضر الجبهة الثورية بأن تدخل الخرطوم كما ادعت، ولم تلق هذه التصريحات قبولا كاملا من جميع المواطنين لأن البعض قالوا إن مثل هذه التحرشات لا يمكن أن يحدد فيها المنتصر والمهزوم ما دام الجميع يملكون السلاح، وبالتالي ليس غريبا أن تصل أي جماعة متمردة إلى الخرطوم، ولكن وصولها لن يكون مجديا ولن يحل المشكلات بكون الأفضل دائما هو أن يجلس الجميع إلى طاولة الحوار. ولكن الحوار من أجل ماذا في وضع ضبابي كهذا تؤثر فيه جميع أطراف الصراع دون أن تحدد بوضوح الصراع من أجل ماذا؟
من جانب آخر فتحت حكومة السودان نافذة أخرى قد تثير خلافا مع مصر، وذلك عندما رحبت بإقامة سد النهضة الذي أعلنت عنه إثيوبيا أخيرا وقللت من شأن ما سمته الضجة الإعلامية المثارة في مصر حول هذا المشروع، وتعتقد حكومة السودان أن مشروع السد سوف يزود السودان بكميات كبيرة من الكهرباء كما سيقلل من التلوث العشبي الذي كان يؤثر على مجرى النيل الأزرق. وأعلنت حكومة السودان أن إثيوبيا أشركتها في التخطيط لهذا المشروع بل فتحت المجال للمهندسين السودانيين بأن يعملوا في مجال التخطيط للمشروع .وقال وزير الإعلام السوداني الدكتور أحمد بلال إن الحكومة المصرية لم تقدم نقدا رسميا للسودان، وهي تعرف أن السودان لم يعترض في السابق على مشروع السد العالي الذي تضرر منه السودان كثيرا بعد أن غمرت أراضيه المياه واضطر إلى ترحيل شعب النوبة التاريخي إلى مناطق داخل البلاد.
وكما نرى فإن المشكلات تحيط بحكومة شمال السودان من كل الجهات وذلك بسبب خلافات سياسية داخلية، وبسبب تطورات أحدثها انفصال الجنوب ما شجع ما تسمى بالجبهة الثورية إلى التفكير في إحداث تغيير في بنية النظام إلى جانب مشكلات كثيرة يواجهها السودان في الوقت الحاضر، وما يجب أن نشير إليه هو أن السودان يعيش في مرحلة جديدة ويجب على المسؤولين فيه أن يدركوا أن هذه المرحلة تتطلب نوعا جديدا من التفكير، إذ لا يكفي فقط أن تسيطر مجموعة على الحكم بواسطة انقلاب عسكري والاستمرار في حكم البلاد دون إلقاء أي أهمية للتطورات الحادثة.
ويبدو في ضوء ذلك أن السودان يحتاج إلى رؤية جديدة حتى ينتقل من مرحلة إلى أخرى، ولا يمكن لهذه الرؤية أن تكتمل إلا بعد حدوث مرحلتين، الأولى هي أن يكون هناك حوار وإجماع وطني، والثانية هي التفكير في كيفية بناء الدولة الحديثة التي تختفي فيها المنازعات، وكما نعلم فإن نظام الحكم القائم في الوقت الحاضر وصل إلى السلطة في عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين لإقامة نظام إسلامي في البلاد وحتى الآن لم تظهر معالم هذا النظام الذي لا نرى له حتى الآن نماذج واضحة، ولا يعني وجود معارضين لنظام الحكم أنهم يقفون ضد النظام الإسلامي الذي أعلنته الحكومة ذلك أن معظم تيارات المعارضة في السودان من المسلمين، وهي لا ترى أن هناك تغولا على المبادىء الإسلامية بإقامة نظم مدنية، ذلك أن الدولة المدنية من وجهة نظرهم – يمكن أن تقيم المبادىء الإسلامية كما هو الشأن في كثير من الدول الغربية الحديثة التي تلتزم بمبادئها الدينية المسيحية في الوقت الذي تمارس فيه نظما سياسية مدنية، والمعروف أن النظام السياسي المدني له اختصاصات تتعلق بكيفية إقامة المؤسسات التي تحقق مصلحة المواطنين في مجال العدالة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية دون أن تتغول على المبادىء الدينية التي يمكن أن يستفاد منها إلى أقصى الحدود في إقامة مؤسسات الدولة المدنية.
ومجمل القول أن هناك مواقف متباينة تواجهها الحكومة السودانية في الوقت الحاضر، وهي تستدعي فتح مجال جديد للتوافق الوطني توفيرا للجهد وتفاديا لكل الاحتمالات غير المرغوب فيها.
‘ كاتب من السودان