بغداد ـ «القدس العربي»: أثار حادث سقوط 34 شخصا بين 34 قتيل وجريح من «الحشد الشعبي» إثر غارة جوية استهدفت مقراً لهم في منطقة البوكمال، داخل العمق السوري، انقساماً كبيراً في داخل الحكومة العراقية نفسها من جانب، وبين القادة السياسيين والحكومة من جانب آخر.
وأوقع الحادث الحكومة العراقية والمؤسسة الأمنية الرسمية في «حرج كبير» كون القوات المستهدفة بالضربة الجوية كانت في داخل الأراضي السورية، وأن الحكومة العراقية وهيئة «الحشد» الشعبي نفت في مناسباتٍ عدّة «وجود أي قوات عراقية تقاتل خارج الحدود».
وطبقاً لرواية «الحشد» فإن القوات المستهدفة كانت قد دخلت مسافة 700 متر داخل البو كمال، بعلم الحكومتين العراقية والسورية، لاستعمال أحد الأبنية كمقر لها، كون المنطقة الحدودية العراقية في قضاء القائم ـ التابع لمحافظة الأنبار الغربية هي «أرض جرداء».
ويرى مراقبون إن الموقف الحكومي بـ«نفي» استهداف أي قوات عراقية عند الحدود العراقية ـ السورية، يأتي لتجنّب الوقوع في «حرج» كون أن هذه القوات تم استهدافها داخل العمق السوري.
ونفت واشنطن أي صلة للطيران الأمريكي، المنضوي في التحالف الدولي، بالضربة الجوية التي استهدفت قوات تابعة لـ«الحشد» في سوريا.
وقال السفير الأمريكي في بغداد، دوغلاس سليمان، خلال لقائه، أمس الثلاثاء، زعيم ائتلاف «متحدون» أسامة النجيفي، إن «القوة الجوية الأمريكية غير مسؤولة عن الهجوم الذي طال بعض الفصائل العراقية في سوريا»، مؤكداً «عدم وجود أي نشاط جوي أمريكي في المنطقة»، حسب بيان لمكتب النجيفي.
وبإخلاء الولايات المتحدة الأمريكية مسؤوليتها عن الحادث، اتجهت أصابع الاتهام إلى «الطيران الإسرائيلي» في تنفيذ الضربة الجوية.
ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤول أمريكي قوله إن طائرة إسرائيلية نفذت الهجوم.
الخبير في الشؤون العسكرية اللواء المتقاعد عبد الكريم خلف، قال في تصريح أورده الموقع الرسمي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، إن «من المستحيل ان تقصف الطائرات الأمريكية قوات عراقية»، مشيرا إلى ان «طائرات اسرائيلية هي التي قصفت قوات الحشد الشعبي في المنطقة الحدودية».
وردا على سؤال عن تباين المواقف الرسمية من الجانب العراقي، بشأن الضربة، أشار إلى أن «اسرائيل كانت تهدف من القصف إلى إحراج الجانب العراقي»، مشددا على أنه «لا يمكن لإسرائيل ان تقصف الحشد الشعبي في تلك المنطقة دون علم أو موافقة من الولايات المتحدة، التي تسيطر على أجواء تلك المنطقة».
مواقف متضاربة
وفي ساعة متأخرة من ليل أمس الأول الإثنين، نفى مركز الإعلام الأمني، برئاسة العبادي، تعرض أي قوة أمنية (الجيش، والشرطة الاتحادية، والحشد الشعبي) تعمل على تأمين الحدود العراقية، إلى «ضربات جوية» أو ضربات أخرى.
بيان للمركز أوضح: «أننا في الوقت الذي نأسف فيه على ما حصل لقوات أمنية داخل الأراضي السورية بعد قصف مقرها الذي يقع جنوب البو كمال منطقة (الهري)، وهو عبارة عن غابات وعمارات سكنية، حيث تبعد هذه القطعات 1.500 م، عن الحدود العراقية داخل الاراضي السورية، نؤكد اننا لسنا على اتصال معهم ولم يكن هناك تنسيق بين قواتنا الأمنية وهذه القطعات التي تعرضت إلى قصف الطيران او شيء آخر، أدى إلى وقوع ضحايا هناك، كما أن قيادة العمليات المشتركة ترحب بأي جهود تقوم بها القطعات داخل الأراضي السورية من خلال تصديها لعصابات داعش الإرهابية وإبعاد الخطر عن الحدود المشتركة بين العراق وسوريا».
وأكد «عدم وجود» أي اتصال مع القوات المستهدفة، إضافة إلى عدم وجود أي «تنسيق» مع قيادة العمليات المشتركة خلال القنوات المتاحة، حسب البيان.
وتابع: «القوات العراقية من الجيش والشرطة والحشد الشعبي موجودة في منطقة غرب الأنبار، فضلا عن قوات الحدود، وهي المكلفة بمسك خط صد دفاعي يمتد من منطقة منفذ الوليد الحدودي ونقطة التقاء الحدود العراقية الأردنية السورية، كما أن قيادة العمليات المشتركة تعمل على التنسيق من خلال قيادة عمليات الجزيرة مع قطعات الحشد الشعبي والحدود المكلفة بمسك الشريط الحدودي وليس لديها تنسيق أو إدارة عمليات مع القطعات التي تعمل غرب الحدود داخل الأرضي السورية، حيث ان هذه القوات ليست ضمن المنظومة الأمنية العراقية».
ومن خلال تدقيق القوات العراقية مع قوات التحالف «نفت هذه القوات بصورة رسمية، وعلى لسان المتحدث باسمها توجيه أي ضربة جوية أو صاروخية باتجاه ما ذكر من مناطق أعلاه».
وطبقاً للبيان، فإن نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، أوضح «عدم اطلاعه على البيان الذي صدر من هيئة الحشد الشعبي، وأكد عدم وجود أي قوات من الحشد الشعبي خارج الحدود العراقية السورية»، وفقاً للبيان.
الموقف الذي يعتبر رسمياً لمركز الإعلام الأمني، جاء متناقضاً مع موقف رسمي آخر لوزارة الخارجية العراقية التي «رفضت» استهداف القوات في العراق وسوريا.
الناطق باسم الوزارة، أحمد محجوب، قال في بيان له، إن «وزارة الخارجية «تعبّر عن رفضها واستنكارها للعمليات الجوية التي تستهدف القوات الموجودة في مناطق محاربة داعش، سواء كانت في العراق أو سوريا أو أي مكان آخر، في ساحة مواجهة هذا العدو الذي يهدد الإنسانية».
وفِي الوقت الذي أكدت فيه الوزارة دعوتها لجميع دول العالم للتضامن والتكاتف في مواجهة هذه «الجماعات المتطرفة»، شددت على ضرورة «التنسيق الدائم والدقيق بين التحالف الدولي والقوات التي تواجه هذه التنظيمات الإرهابية ومساعدتها وتقديم الدعم والإسناد لها».
واعتبرت الخارجية العراقية أن أي «استهداف لهؤلاء المقاتلين بشتى مسمياتهم ومواقع قتالهم، هو دعم لداعش ومساعدة لها على التمدد، ومحاولة تنظيم صفوفها مِن جديد بعد ان تعرضت للهزيمة الكبرى على أيدي القوات العراقية البطلة، التي خاضت المواجهة الاشرس نيابة عن العالم بشتى صنوفها وتشكيلاتها من جيش وشرطة وحشد شعبي وبيشمركة وقوات مكافحة الاٍرهاب، بإسناد ودعم التحالف الدولي والدول الصديقة والشقيقة، وكل القوى الخيرة والشجاعة التي واجهت هذا التنظيم في كل العالم وأعانت الإنسانية في تضييق الخناق عليه».
إعادة المواجهة
العدد الأكبر من قتلى وجرحى الضربة الجوية هم مقاتلون ينتمون لـ«كتائب حزب الله» ـ أحد الفصائل الشيعية المسلحة المنضوية في الحشد الشعبي، الأمر الذي اعتبره «الحزب» أنه «سيعيد فتح المواجهة» مع إسرائيل وأمريكا.
وقال في بيان له «لم نفاجأ حين سقطت كوكبة من أبناء كتائب حزب الله، بين شهيد وجريح، بقصف طائرات الشر الصهيونية الأمريكية، لأن وجودنا في الشريط الحدودي بين العراق وسوريا تحديدا، هدفه ملاحقة فلول الإجرام الداعشي، والقضاء عليه، وتأمين الحدود العراقية، وهذا ما يقض مضاجع أمريكا وكيانها الصهيوني اللقيط، وعملائهم في المنطقة، لأنهم حريصون على إبقاء داعش وأخواتها، مخلب قط وخنجرا مسموما، يبقى مغروزا في الجسد الإسلامي، وفي الوقت نفسه يتخذونها ذريعة للتواجد في القواعد المنتشرة في المنطقة، وخصوصا قرب الحدود العراقية السورية».
وأكد البيان أن الحادثة «ستعيد فتح المواجهة مع الكيان الصهيوني والمشروع الأمريكي، ونحن (…) لم ولن نتردد بالذهاب باتجاه هذه المواجهة، وانه لشرف عظيم ان تسفك تلك الدماء الزكية الطاهرة، بيد أحفاد قتلة الأنبياء، فذلك يجعلنا أكثر اطمئنانا بأننا في المكان الصحيح، والتوجه الصائب، ولطالما تمنى مجاهدونا في كتائب حزب الله، أن ينالوا الشهادة في هذا الطريق، طريق مواجهة الكيان الصهيوني الغاصب، ومن خلفه أمريكا الشر والخراب».
وهدد بعدم «ترك جريمة استهدافهم تمر مرور الكرام، وسنعرف في قادم الأيام، أي المجرمين امتدت أياديهم الآثمة لترتكب عدوانها على حدودنا العراقية، وحينها سيكون لنا موقف يتناسب مع حجم هذه الجريمة».
وتنتشر قوات التحالف الدولي في القواعد العسكرية العراقية المنتشرة في عموم مناطق البلاد، الأمر الذي قد يجعلها عرضة لاستهداف الفصائل المسلحة، كردّة فعل على حادثة البوكمال.
أما حركة «عصائب أهل الحق» المنضوية في «الحشد الشعبي» أيضاً، بزعامة قيس الخزعلي، فأكدت أن الطائرة «منفذة الهجوم على الحشد تنحصر هويتها بين الأمريكية والإسرائيلية»، فيما استغربت من التصريحات التي تحاول «تبرير» هذا الاعتداء.
وقالت في بيان : «مرة أخرى تستهدف القوات التي تتصدى لقتال التنظيمات الإرهابية بسيناريو يحمل الكثير من الشبهات والتساؤلات، حيث أقدمت طائرات ـ تنحصر هويتها بين الأمريكية والاسرائيلية ـ على اعتداء غادر على أحد فصائل المقاومة عند الحدود العراقية السورية»، مستنكرة «هذا العمل الغادر الجبان».
إجراءات مطلوبة
وأكدت على «ضرورة أن تتخذ الحكومة العراقية الإجراءات المطلوبة والكفيلة بالكشف عن من ارتكب هذه الجريمة بأسرع وقت مهما كان الفاعل»، وكذلك ضرورة «تفعيل تنسيقها مع الحكومة السورية والقوات الموجودة على الحدود مع العراق، وعدم الاهتمام بالاعتراضات الأمريكية التي لا تصب في خدمة الأمن القومي العراقي»، مشيرة إلى انه «كما ثبت بالتجارب العديدة انه لا يمكن تأمين الحدود العراقية ما لم يتم تأمين الجانب الثاني من الحدود داخل سوريا».
وتابعت أن «استهداف موقع يوجد فيه عراقيون بشكل شرعي وبعلم الحكومة السورية للتصدي للدواعش على الحدود مع العراق، يؤكد بلا أدنى شك دعم الجهة التي تقف وراء الاعتداء للمجاميع الإرهابية خصوصا والعالم يعرف أن هذه المنطقة كانت وما زالت المنفذ الذي يتسلل منه الإرهابيون إلى العراق وتشكل خطرا على أمنه القومي».
وواصلت: «بدل أن يتم استهداف المجاميع الإرهابية للحد من دخولهم إلى العراق يتم الاعتداء وبشكل مقصود على من تصدى للإرهاب في العراق والمنطقة».
وأضافت الحركة «لا يخفى على أحد أن هذا ليس الاعتداء الأول، بل كانت هناك اعتداءات عدة داخل العراق وداخل سوريا كلها تصب باتجاه واحد، ألا وهو إضعاف قدرات القوات التي تتصدى للتنظيمات التكفيرية، وخصوصا على جانبي الحدود لغرض تمكين التنظيمات الإرهابية على التنقل بين العراق وسوريا»، مستغربة من «التصريحات التي تحاول تبرير هذا الاعتداء، خاصة تلك التي تدعي وجود القوات المستهدفة داخل الأراضي السورية وكأن مثل هذه الاعتداءات لم ترتكب سابقا بحق من تمكن من هزم داعش والنيل من المخطط الأمريكي الإسرائيلي الذي يستهدف تقسيم العراق والمنطقة».
وأشار البيان إلى «سعي واضح من الجهات الدولية والإقليمية لإضعاف أي وجود عسكري وأمني على جانبي الحدود العراقية السورية لغرض إطالة امد التهديد الأمني للدولتين»، مشدداً على «ضرورة الوقوف بقوة وحزم أمام هذه المشاريع حتى القضاء الكامل عليها».