حاذر يا أبو مازن!
محمد كريشانحاذر يا أبو مازن!بعد قمة رايس وعباس وأولمرت أول أمس والهزال الذي طبع أجواءها ونتائجها، يبدو أن الإسرائيليين، وطبعا الأمريكيين، سيفعلونها ثانية: مقاطعة الحكومة الفلسطينية المقبلة وعدم التعامل سوي مع الرئيس محمود عباس. هذا الاحتمال المرجح، إذا ما تأكد نهائيا، يستدعي من الرئيس الفلسطيني وقفة تأمل عميقة لتقرير ما الذي عليه فعله في هذه الحالة. فالإسرائيليون، وطبعا الأمريكيون، الذين جعلوا من الزعيم الراحل الشهيد ياسر عرفات في آخر أيامه محبوبا باجماع شعبي كاسح رغم أنهم سعوا لجعله منبوذا هم أنفسهم الذين يمكن أن يحولوا محمود عباس، لا سمح الله، إلي منبوذ وسط شعبه إن هو وافق علي استمرار هذا الأسلوب السمج في التعاطي الدولي مع الشعب الفلسطيني: أبو مازن منتخب شعبيا ولهذا فهو مخاطب جيد أما الحكومة التي تقودها حماس فسيئة رغم كونها نابعة من أغلبية منتخبة وكذلك أيضا حكومة الوحدة المقبلة فهي سيئة هي الأخري لأنها لا تريد أن تكرر بالحرف المواقف السياسية التي نريدها بالصياغات التي نريدها فضلا عن أنها تضم حماس مع أن هذه الحكومة المقبلة ليست فقط انعكاسا لصورة المجلس التشريعي المنتخب بل هي أكثر من ذلك هي نتيجة وفاق وطني يعود له الفضل، من خلال اتفاق مكة، ليس فقط في وضع حد لاقتتال داخلي مقيت وإنما أيضا في إدخال حماس إلي معادلة جعلتها تبدو، لأول مرة ربما بهذا الوضوح، جزءا من خلاص الشعب الفلسطيني وليس جزءا من إعادة اجترار عذاباته.قد يكون الفلسطينيون أبدوا في الأشهر السابقة بعض التفهم، بدرجة أو بأخري، بحماسة أو من باب التعاطي مع الأمر الواقع، أن يكون رئيسهم هو بوابتهم الوحيدة نحو العالم في ظل الحكومة التي شكلتها حماس من لون واحد ولكن أن يستمر ذات التعامل مع أن الصيغة التي خرج بها اتفاق مكة ورحب بها الجميع ورقص فرحا بها كل الفلسطينيين فذلك ببساطة مرادف لاستخفاف كبير بخياراتهم ومعاملتهم علي أنهم قصر غير مسؤولين وهذا ما لا يقبله طبعا رئيسهم الذي هو ليس فقط من يمثلهم ويعبر عن إرادتهم وإنما أيضا الشريك في صياغة التسوية التي أريد لها أن تدرأ الفتنة الداخلية وترفع الحصار وتعيد تشريع أبواب المجتمع الدولي أمامهم. ومما يزيد الوضع سوءا أن التسريبات الحالية تتحدث كذلك أنه لن يقع التعامل حتي مع وزراء فتح في الحكومة المقبلة ولا حتي الوزراء المستقلين مما سيعيدنا من جديد إلي ذات المربع السابق: رئيس مرحب به وحكومة منبوذة وحصار متواصل. وما يدفع أكثر في هذا الاتجاه شعور رئيس الوزراء الإسرائيلي بالدعم الكامل له من الرئيس بوش في قراره هذا رغم إشارات سابقة من المسؤولين الأمريكيين بأنه سيقع الحكم علي حكومة إسماعيل هنية المقبلة من خلال برنامجها وبعد تشكيلها وهو ما حدا بصحيفة يديعوت أحرونوت أن تتحدث عن أهمية إستراتيجية للمحادثة الهاتفية التي أجراها بوش مع أولمرت قبل لقاء الأخير مع رايس ومع عباس وأكد له خلالها تأييده لموقفه من حكومة الوحدة الفلسطينية لا سيما في ضوء ما ذكرته ذات الصحيفة الاثنين من محاولات بعض الأطراف في الأسرة الدولية دق إسفين بين الأمريكيين وإسرائيل إذ يتبين من تقارير قالت الصحيفة إنها وصلت مؤخرا إلي إسرائيل أن الروس والإيطاليين يتصدرون عملية تهدف إلي بلورة محور من عدة دول تعترف بالحكومة الفلسطينية المقبلة.قرار الرئيس محمود عباس بمقاطعة من يقاطع حكومته سيجعل الأمريكيين والإسرائيليين وكل من يقف معهم في موقف محرج للغاية قد يدفعهم إلي المراجعة في حين أنه إذا أقر باستمرار الصيغة السابقة فسيكون هو المحرج أمام العالم وأمام شعبه ويعفي كل البقية من حمل كريه. عليه أن يختار منذ الآن مؤملين بقوة أنه سيختار الأول فلا معني أن يكسب الواحد العالم ويخسر شعبه. 9