حاضر امريكا الاسود

حجم الخط
0

حامي شيلوأُطلقت النار على تريبون مارتن، ابن السابعة عشرة، فأُردي قتيلا في بلدة سانفورد في فلوريدا قبل نحو من شهر حينما كان عائدا من الحانوت وفي يديه كيس حلوى وزجاجة شراب. والرجل الذي قتله وهو جورج تسيمرمان، عضو في الحرس المدني للبلدية وزعم أن مارتن بدا له مشتبها فيه وأنه أطلق النار عليه دفاعا عن النفس. وصدقت شرطة سانفورد تسيمرمان وأغلقت ملفه.

كانت هذه الحادثة تظل حالة احصائية مُهملة لولا إصرار عائلة مارتن، ولولا أن جند نشطاء الاعلام الاجتماعي في فلوريدا أنفسهم من أجلها، ولولا ان اقتنعت وسائل اعلام مركزية في التحقيق في القضية، ولولا حقيقة ان مارتن الاسود بدا مثل ولد طيب وبدا تسيمرمان ذو الاصول الاسبانية مثل أزعر الحي، ولولا ان القضية مست الأعصاب المكشوفة للعلاقات بين البيض والسود في الولايات المتحدة. لا يشك أحد في أنه لو كان مارتن أبيض لكان تسيمرمان منذ زمن قد اعتُقل واتُهم بالقتل العمد أو غير العمد. لكن الشاب الاسود الذي يسير في الشارع ورأسه مغطى وفي يديه اشياء غير معروفة، في امريكا 2012، يعتبر خطرا واضحا ومباشرا، ورجلا ميتا يمشي، ولا سيما في الولايات الـ 24، وكلها جمهورية التي سُن فيها في السنين الاخيرة قوانين ‘أصرّ على ما لكَ’، التي تُمكّن من ادعاء الدفاع عن النفس في كل حالة تقريبا يشعر فيها الشخص بأنه مهدد.

قال الرئيس براك اوباما الذي رد على القضية متأخرا انه لو كان له ابن لكان يمكن ان يبدو مثل مارتن. وزعم نيوت غينغريتش، الذي يجره فشله المحرج في الانتخابات التمهيدية الجمهورية الى اماكن مخزية، زعم ان اوباما يحاول ان يومىء الى أنه لو لم يكن مارتن اسود لكان قتله أقل إثما. ان لون بشرة الرئيس، والنص المضاد لمعركة الانتخابات تمنح حالة مارتن خاصة ووضع السود عامة صدى مميزا.

ان الاحصاء لا يكذب، فدخل العمال السود أقل من دخل البيض ذوي القدرات المشابهة بـ 30 ـ 40 في المئة. ومدة حياتهم أقصر من مدة حياة البيض بخمس سنين وهم يحظون بخدمات تربية وصحة أدنى كثيرا من سائر السكان. وينشأ أكثر من 60 في المائة من الاولاد السود في عائلات ذوات والد واحد قياسا بـ 20 في المائة بين السكان البيض. والسود هم 14 في المائة فقط من السكان، لكنهم 40 في المائة تقريبا من مجموع السجناء في امريكا، والمعيار الأنجع لتقدير هل تُفرض عقوبة الموت على قاتل مدين هو لون جلد الضحية، بصورة سافرة.

لا يوجد يوم لا تتبوأ فيه العلاقات المهتزة بين العنصرين مكانا جليلا في برنامج العمل العام فوق السطح وتحته: فقد كانت في هذا الاسبوع مظاهرة السود في بداية الموسم الخامس لمسلسل التلفاز ‘ماد مان’، الذي حظيت نظرته للسود منذ زمن بتناول واسع في الماضي. وتجري في هذه الايام ايضا احتجاجات عامة على قوانين جديدة تطلب الى الناخبين ان يعرضوا بطاقة هوية مع صورة ـ فالسود متأكدون بأن قصدهم كله هو ان يسلبوهم حقهم في التصويت، وكل ذلك الى جانب مظاهرات ‘مليون الكوبوتشون’ التي ترمي الى التحلل من وصمة اللباس والتي ربما أسهمت في مقتل مارتن.

كما يعيش اليهود والالمانيون في ظل صدمة المحرقة يعيش السود والبيض مع التفريق لكن ليس كثيرا، في ظل ماضيهم الاسود وربما بقدر أكبر لأن هذا الماضي حي موجود وينظر في عيون الامريكيين اليوم ايضا.

ان المرشح الجمهوري، ريك سانتورم، يحب ان يغمز المصوتين له وان يقارن انتخابات 2012 بانتخابات 1860، قبل نشوب الحرب الأهلية وبقدر كبير من الصدق: فحينما سيمضي الامريكيون الى صناديق الاقتراع في تشرين الثاني (نوفمبر) سيفكرون في اوباما وفي خلال ذلك سيستفتون الشعب في سؤال هل يجب عليهم ان يجابهوا تراثهم المسموم أم يتغاضوا عنه.

هآرتس 29/3/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية