حالة الديمقراطية في مصر… رؤية تحليلية

كان من السهل على أي مراقب للحالة المصرية، بُعيد ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني/يناير، أن يعيشَ ضمن حالة أملٍ في التحول نحو الديمقراطية في هذا البلد الذي استردَّ فيه الشعب حقه المُصادر في التعبير وفــــي اختيار نظام الحكم الذي يريد. وبعد انتخاب رئيسٍ بمعايير الانتخاب الديمقراطي، وإسقاطه عسكرياً بشرعية ‘التفويض الشعبي’، وضمــــن مشهد انقسام وطني واضح، فإنه من المفيد مقاربة هذا المشهد بنوع من الموضوعية بهدف فهم ما حدث، خصوصاً مع الافتقار الواضــــح لهذه الموضوعية في المسرح السياسي المصري الراهن، الأمر الذي أدى إلى مقاربات ذاتيَّة للهم الوطني الموضوعي العام، مقاربات أججتها خطابات ‘المراهقة السياسية’ وتَحزباتٌ لا تستند إلى أسس فكرية بقدر ما تستند الى ميلٍ ذاتي لحبِ شخصٍ بعينه وكره آخر. ومن المفيد أن نطرح سؤالين: كيف نفهم ما حدث منذ الإطاحة بمبارك وحتى اليوم من منظور عِلميّ وموضوعي؟ ثم ما سبب نقص الموضوعية الحاد في المشهد السياسي والتحليل الإعلامي؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة نذهب أولاً وبشكل مُبسط ومختصر لشرح بعض المفاهيم السياسية التي من خلالها سنقارب حالة الديمقراطية المصريَّة.
المفهوم الأول هو نظام الحكم: وهو مجموعة العلاقات بين الدولة والمواطنين والفاعلين السياسيين، مضافاً إليها مجموعة علاقات الفاعلين السياسيين ببعضهم بعضا (الأحزاب، النقابات، الهيئات، الجماعات، رجال المال….). والمفهوم الثاني وهو الديمقراطية: التي لا يمكن فهمها بالمعنى المُقتصِر على الترشح والاقتراع فحسب، بل بمعناها الأوسع والأدق الذي يكون أعمق كلما تعمقت ممارسة نظام الحكم لأساليب الحوار العصري الذي يعترف بالآخر كذات لها كرامة، ومن الأفضل عند مقاربة ديمقراطية دولة ما ألا نطلق حكميّن حدييَّن (ديمقراطية/غير ديمقراطية)، بل الأفضل أن نحكم على مدى ديمقراطيتها ونقدم توصيفاً لتحركها، على محور يقيس ديمقراطيتها بين الحدين السابقَين، وتكون الدول أكثر ديمقراطية بقدر ما تُظهر العلاقات السياسية بين الدولة ومواطنيها مظاهر إيجابية في أبعاد أربعة، هي أولاً المشاورات الواسعة: أي تشمل قسما كبيرا من سكان الدولة، من دون إقصاء أحد عن المشاورة. ثانياً المساواة: فلا تمييز ديني أو عرقي أو جنسي أو.. إلخ. وثالثاً الحماية: بحيث أن كل فرد مَحمي من جور الدولة ومن احتمال تعرضه لاضطهادها أو مصادرتها لحرياته. ورابعاً مدى اتسام المشاورات بالالتزام المتبادل: فهو التزام بالاتفاق من دون مراوغات وخداعات لا أخلاقية كالرشاوى والمحسوبيات. فنقول ان ‘درجة تحقيق الديمقراطية’ مرتبطة بالذهاب قدماً في تعزيز الأبعاد الأربعة السابقة. والمفهوم الثالث والمهم هو قدرة الدولة: أي ما تملك من وسائل قوة لفرض قراراتها السياسية والمدى الذي يؤثر فيه تدخل عملائها في الجهات التي لا تتبع للدولة والقائمة على الأرض، وفي انشطتها وعلاقاتها الشخصية وتوزعها، فالدول الضعيفة لا تنجح فيها الديمقراطية لنقص قدرتها في الإشراف على اتخاذ قراراتها الديمقراطية، كما ان الديمقراطية لا تنجح مع الاستخدام الجائر لقدرة الدولة في خدمة مصالح خارج المفهوم الوطني.
تغيرت أسس نظام الحكم بعد مبارك وتَغيرت الثقافة السياسية الشعبية، ونشاهد أن البلاد بدأت بالمرحلة الأولى بمشروع التحول نحو الديمقراطية، حيث بدأت تعلو مطالب بالمساواة واتسعت دائرة المشاورات لتشمل أطرافا مهمشة وبدأت عملية منافسة انتخابية حسمها الشعب وانتقى رئيسه. وخلال فترة حكم الرئيس محمد مرسي شهدت العملية الديمقراطية عقبات على عدة صعد، فكانت الميّزات السياسية للإخوان المسلمين عالية مقارنةً مع باقي التيارات، وأُقصِيت بعضُ الفئات من المشاركة بالمشاورات، خصوصاً الذين شملهم مصطلح ‘الفلول’ الفضفاض.
وفي وقت كانت البلاد أكثر ما تحتاج في خطابها السياسي الرسمي الى كلمات ‘عدالة’ و’مصالحة وطنية’ قُدِّمَت عليها دائماً كلمة ‘القصاص’. وضعفت عملية الالتزام المتبادل بين الأطراف، بالتالي كنَّا أمام حكمٍ منتخب، ولكنه لم يُبدِ سلوكاً ديمقراطياً عميقاً. ومما لا شك فيه أنه أيضاً لم يمتلك أياً من أنواع القوة ليبني قدرة للدولة التي يحكمها، فأدى ذلك لتراجع قدرة الدولة كذلك. وهذه القدرة الضعيفة لم تتمكن من مواجهة الشعب، الذي بدوره قدَّم حقوقه على واجباته الوطنية لأسباب أهمها، الافتقار للخطاب السياسي الوطني الجامع بعد الثورة السريعة الناجحة التي جلبت معها مفاهيم حرية وحريات غير مضبوطة بسند وطني، وبمقابل مفهوم الحريات المتضخم هذا غاب تعريف واضح لمفهوم ‘واجبات المواطنة’، على المستوى الشعبي، غير التعريف ‘المُباركي’ له. وبدأت تبرز ملامح أزمة، فكان هناك تضافر لثلاثة عوامل مهمة هي: أولاً ما يشبه السخط الشعبي على الديمقراطية، وثانياً انشقاق طبقة النخبة، وثالثاً تحول الحكم المنتخب في نهاية عهده لما يشبه الديكتاتورية والمضي في الاستقواء بالصندوق الذي أوصله للحكم، والاستمرار في ارتكاب سلسلة أخطاء أدت لتحالف انقلابي شـــمل النخبة العسكرية.
ووصلت البلاد للمرحلة التي نعيشها اليوم والتي عند تقييم ديمقراطيتها وفق المعايير الأربعة السابقة نفسها (المشاورات الواسعة، المتساوية، المحمية، ذات الالتزام المتبادل) نجد أن: الاتساع اقتصر على من أَيَّدَ عملية التغيير، فيما هُمشَت باقي الفئات، مؤشر المساواة ضعيف جداً وحالات الإقصاء واضحة جداً وانتهاك حقوق التعبير والمشاركة، كما استخدام العنف المفرط أحياناً، وكذلك فإن المواطن ليس محميَّاً من جور الدولة وعملائها، هذه الدولة التي تمتلك القدرة العالية اليوم، بدعم كامل من مؤسسة الجيش لم يكن بنفس الدرجة ابداً في المرحلة السابقة. إذن في المرحلة الأولى حكم رئيس منتخب من دون سلطة وقدرة قويتين ولم يتمكن من ترجمة طلبات الشعب الذي انتخبه لواقعٍ ملموس، فتسبب في سخط الأغلبية الشعبية عليه، مما سهل الإطاحة به. وفي المرحلة الحالية يوجد رئيس غير منتخب وجيش مع سلطة وقدرة قوية تُستَخدم لدعم مواقف قوى الحكم ومكافأة المؤيدين. وكلا النظامين يميلان للجانب اللاديمقراطي في إسلوب إدارة الدولة. وفي العمق فإن الجيش الآن والإخوان المسلمين هما قوتان خارجتان عن سلطة الدولة، ولا يمكن تحقيق الديمقراطية من دون تحييد مراكز السلطة ذات الاستقلال الذاتي هذه عن العملية السياسية لأن لها قوة الإرغام والإكراه كل بوسيلته وأدواته.
وأخيراً فإن المقاربة من وجهة نظر التاريخ تعلمنا ما له الكثير من الأهمية عند الحديث عن نشوء الديمقراطيات والإطاحة بها، فرنسا مثلاً راوحت لمدة طويلة بين الديمقراطية واللاديمقراطية عبر تاريخها، كذلك فإن الفترة ما بين 1900 و1949 شهدت خضوع سبعة عشر نظام في أوروبا إلى فترة واحدة على الأقل من التسارع في إقامة الديمقراطية، وقاسى إثنا عشر نظاماً منها من الإطاحة بديمقراطيته، بصورة أسرع من إقامتها، مرة واحدة على الأقل، كالنمسا وفنلندا وفرنسا واليونان وهنغاريا وإيطاليا ورومانيا والبرتغال….إلخ. كذلك الأمر فإن الفلبين وتايلند والسنغال، مثلاً، أصبحت الآن تشبه الديمقراطيات الحديثة وهي معرضة أن ترتد عن الديمقراطية في مراحل تشعر فيها جماعة النخبة القوية بالخطر على مصالحها. فتاريخ الديمقراطية صيرورة مستمرة من التجارب تتخللها حالات تقدم وارتداد، إقامتها ثم إطاحة بها، هي ثقافة وتثاقف مستمر، والمهم أن يستمر البناء تحت سقف وطني ينزع لتفعيل التوافق أكثر من تكريس الانقسام ويحقق فهم الأشياء من منظور منفتح موضوعي غير ذاتي وغير مؤدلج.
ومما سبق، يمكننا أن نعزي افتقار الموضوعية في التحليل في المشهد السياسي المصري على مستواه الشعبي إلى تسخير قوة وقدرة الدولة الحالية المدعومة بالجيش ( في العنف والحملات التسويقية ذات المضمون الديماغوجي) واستخدام الإعلام كوسيلة، مستفيدة من إرث ومهارة دولة مبارك التسلطية ذات الخبرة العالية في هذا المجال، في ترسيخ نظرة ذاتية داعمة للنظام الحاكم بكل أخطائه وعيوبه. وعلى المستوى النخبوي فإن الانقسام الحاد وحالة الفرز التخويني بإشراف الدولة القوية تجعل من الانحناء للعاصفة خياراً مقبولاً لبعض النخب الوطنية أو الانسحاب والتزام الصمت، وأما عن النخب غير الوطنية فهذا يشكل جواً مثالياً لحماية مصالحها ومطامعها.

‘ باحث وكاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية