ازدهار تجارة السلاح بشكل مخيف.. وهناك تسعيرة وطنية واخري تجارية
رصاصة البندقية التي يبلغ ثمنها في اسرائيل شيكلاً واحداً نجدها في نابلس بأربعة شيكل. والبندقية التي يشترونها في نابلس بعشرين ألف شيكل تُباع في الجانب الاسرائيلي من الخط الاخضر بـ 5 آلاف شيكل. هذا ما قاله لي ثلاثة شبان عرّفوا انفسهم علي أنهم من تجار السلاح. الاول، ويبلغ من العمر 21 عاما، عرّف نفسه علي انه ناشط في شهداء الاقصي، أما الاثنان الآخران فيعملان في الأمن الفلسطيني.
ثلاثتهم طرحوا ادعاءات معروفة: ان السلاح والذخيرة في نابلس (والضفة عموما) تصل من اسرائيل، وأن هناك طرقاً كثيرة للتهريب رغم الحواجز والاغلاقات، وحقيقة ان كل بضاعة لا يمكن ان تدخل وان تخرج من تفتيش عسكري دقيق ومن دون تراخيص. ويقولون ايضا ان هناك وسطاء اسرائيليين وجنوداً اسرائيليين يبيعون اسلحتهم، وان هناك جنودا يمكن رشوتهم بقليل من الحشيش، وان هناك 20 ـ 30 تاجر سلاح كباراً يقومون بتهريب السلاح بمئات آلاف الشيكلات، وأن هناك مهربين صغاراً علي شاكلتهم يكتفون ببضعة آلاف فقط.
ولكن اذا كان هناك عمل وكسب لبضع عشرات من تجار السلاح، فهناك علي ما يبدو مال كثير ايضا في هذه المدينة المخنوقة والمحاصرة التي وقف الكثير من سكانها في الشهر الأخير في الطابور للحصول علي قسائم مؤونة بقيمة 300 شيكل، ولا يستطيعون ان يدفعوا فواتير المياه والكهرباء.
قبل اندلاع الانتفاضة ايضا كانت نابلس معروفة بتجارة السلاح التي تجري فيها. سكان من مخيم بلاطة وبعض ممثلي العائلات النابلسية القديمة اعتادوا اتهام بعضهم البعض بتجارة السلاح. اللاجئون اتهموا بعض أبناء العائلات النابلسية القديمة باقامة علاقات جيدة مع سلطات الحكم الاسرائيلي من اجل تهريب السلاح. أما النابلسيون فقد اتهموا اللاجئين بفرض نظام ترهيبي وتخويف الناس.
يبدو ان الجانبين محقان في ادعاءاتهما. الأمر المشترك للطرفين المتناحرين أنهما محسوبان علي فتح. في مدينة نابلس يروون عن تقاليد اعتاد عليها أثرياء نابلس عبر الأجيال باحاطة أنفسهم بعصابات مسلحة دفاعا عن انفسهم ضد بعضهم البعض. والآن، كما يقولون، انتشر هذا السلوك الي مستويات أقل درجة في سلم الأهمية السياسية والرأسمال العائلي حيث يسعون الي الحصول علي السلاح لحماية انفسهم من المجموعات المسلحة. البعض منهم يتسلح لزيادة وزنه السياسي داخل حركة فتح والسلطة في مواجهة مراكز القوة السياسية الاخري داخل الحركة. وكلما ازداد السلاح الشخصي في المدينة ازدادت فيها الاسباب لاستيراد المزيد من السلاح لحماية النفس.
تجار السلاح الصغار الثلاثة (أكبرهم عمره 24 سنة) ادعوا ان للسلاح تسعيرة وطنية وتسعيرة اخري تجارية. التسعيرة الاولي أرخص ومخصصة لمقاومة الاحتلال، أما الثانية للاحتياجات الشخصية المختلفة. هناك أساس للاعتقاد بأن السلاح الذي قُتل به ناشط كبير من حماس قبل اسبوعين خلال خروجه من المسجد وأصيب خلال ذلك اربعة من نشطاء حماس، قد اشتُري بالتسعيرة الوطنية لتجارة السلاح. نفس الشيء ينطبق علي السلاح الذي كان لدي أنصار حماس عندما خرجوا للتعبير عن غضبهم ضد فتح. سكان نابلس لم يناموا طول ليلة 18 ـ 19 تشرين الاول (اكتوبر) بسبب اطلاق النار المتبادل بين المجموعات المتناحرة. وطني هي كلمة كما يُعتقد تطلق علي البندقية التي كان يحملها أحد أفراد فتح المعروفين قبل اسبوعين، ودخل الي فرع البريد في نابلس إبان توزيع المخصصات علي عائلات الشهداء بعد اشهر طويلة من عدم صرفها.
هذا الناشط المحسوب علي احدي مجموعات كتائب شهداء الاقصي دخل الفرع بصورة مباغتة وطالب الموظف بأن يعطيه مخصصات لستين عائلة بينما كان طابور المسنين من العائلات ينتظر صرف مخصص الـ 600 شيكل المعد لهم. هذا الشخص قال للعائلات: بامكانكم ان تأتوا إلي وأن تأخذوا الاموال. احدي النساء توسلت اليه ان يتقاسم المخصص معها، فاستجاب لها إلا أنه هدد بايذاء كل من يشهد ضده ويذكر اسمه. هذا الخبر الذي وصل الي عِلم أفراد الأمن الفلسطيني وأنصار فتح الغاضبين والمحبطين توقف عند ذلك، لأن أحدا لن يجرؤ علي طلب رد هذا المسلح المعروف من اجل نشر النبأ في الصحف.
الشرطة الفلسطينية تدعي أنها لا تستطيع ان تفرض النظام هناك لان الجيش الاسرائيلي لا يسمح لأفرادها بالتجول في المدينة مع سلاحهم، إلا أن هذا الادعاء يتجاهل التداخل العضوي والشخصي القائم بين اجهزة الأمن والمسلحين الذين ينشرون الرعب بين الناس وبين أجزاء حركة فتح. هذه العلاقة الخطيرة قديمة إلا أنها أصبحت الآن أكثر إثارة للقلق. كيف يمكن لحركة فتح ان تعود الي قيادة الشعب الفلسطيني في المناطق وهي غير قادرة علي ضمان سلامته من العناصر التي تعتبر نفسها من حركة فتح وتكسب ثروة سياسية ومادية من حالة الفوضي التي تقوم هي نفسها بالتسبب فيها؟.
عميرة هاسمراسلة الصحيفة للشؤون الفلسطينية(هآرتس) 31/10/2006