بدأت تطفو على السطح تسريبات عن إمكانية أن تنقضَّ «جماعة الحوثي» على حزب «المؤتمر الشعبي العام» شريكها في الحكم منذ أن استولت على السلطة في اليمن عام 2014. شكَّل حزب المؤتمر الذي تولّى زعيمه علي عبد الله صالح حكم البلاد لـ33 قبل تنحّيه عام 2011 بفعل «ثورة شعبية» غطاءً للانقلاب الحوثي. وحين بدأ التصادم، لم تتوانَ جماعة الحوثي عن قتله في 4 كانون الأول/ديسمبر 2017 لإحكام قبضتها وتوجيه رسالة واضحة للمصير الذي ينتظر مَن سيعارض سلطتها ومشروعها وأجندتها. وصف زعيم تلك الجماعة عبد الملك الحوثي مقتل صالح بـ«يوم استثنائي وعظيم ويوم سقوط المؤامرة»، كاشفاً أنهم كانوا يعلمون بوجود تنسيق له مع «قوات التحالف».
يُدير الحوثيون المناطق الخاضعة لسيطرتهم بسياسة الترهيب. يتعاملون مع «المؤتمر الشعبي»، المتجذّر في مؤسسات الدولة، على أنه «شريك الضرورة» في الحكم. قلقون اليوم من تململ الشارع وحال الغضب المكتومة على خلفية أزمة الرواتب للعاملين في قطاع الدولة، والمقطوعة عنهم في مناطق سيطرة الحوثي منذ 2016.
قبل إعلان الهدنة في 2 نيسان/أبريل 2022 والتي تحوَّلت إلى هدنة من طرف الحكومة اليمنية، كان شعار الحوثي المرفوع أن «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». اليوم خفتت أصوات المدافع، بفعل تداعيات الاتفاق السعودي – الإيراني. في الواقع، لم يَـرُقْ الاتفاق لذراعَيْ إيران الرئيسيَّين في المنطقة: «حزب الله» في لبنان وجماعة «أنصار الله» المستنسَخة عنه في اليمن. حالة «اللاحرب واللاسلم» تستنزف الحوثيين الذين يتوجسون من أن تتحرَّك الأرض تحت أقدامهم، فإضراب المعلمين ليس سوى رأس جبل الجليد. وقلقون من أن يُعطي دعم حزب «المؤتمر» لمطالب دفع الرواتب جرعة للناس للنزول إلى الشارع.
خرج رئيس المجلس السياسي الأعلى، رأس السلطة الحاكمة في العاصمة القيادي الحوثي مهدي المشاط ليهاجم الداعمين لحق الموظفين بالرواتب، وتوَالي المطالبات بصرفها من الإيرادات التي تجنيها «الجماعة» في مناطق سيطرتها. فحدَّد أن مِن أهم أولويات جماعته راهناً ليس صرف الرواتب وإنما مواصلة القتال، ومواجهة الأعداء وتسخير كل الإمكانات لمصلحة المقاتلين.
وصف القيادي الحوثي المطالبين بالرواتب بـ«الحمقى» و«العملاء» و«المزايدين» وبأنهم يخدمون الأعداء. في مقدمة هؤلاء، يأتي نائبه في مجلس الحكم صادق أبو راس رئيس حزب «المؤتمر» في صنعاء الذي اعتبر في حفل بمناسبة تأسيس الحزب الـ41 أن «مطالبات الموظفين حق ويجب إعطاؤهم شيكاتٍ يصرفونها عند تأمين الموارد، وطالب بالكشف عن الإيرادات وكيفية صرفها باعتبار أننا دولة». هذا المطلب وجده المشاط يتماهى مع «بند الشفافية» في خطة عمل السفارة الأمريكية، ويخدم أجندة العدو. تكفّلت أصوات حوثية أخرى بلغة التهديد وبأن يلقى أبو راس مصير سلفه علي عبد الله صالح، فيما دعا القيادي الحوثي محمد علي الحوثي إلى مصادرة أملاك «حزب المؤتمر» بوصفه كان النظام السابق وبيعها وتحويلها إلى صندوق المعلّمين.
قضية الرواتب التي أشعلت السجال بين الشركاء في حكومة صنعاء هي أحد العناوين الشائكة بين جماعة الحوثي والحكومة الشرعية المعترف بها دولياً. تصرُّ الحكومة الشرعية على دفع رواتب الموظفين وفق كشوفات 2014 قبل حصول الانقلاب، فيما يطالب الحوثي بدفعها وفق كشوفات معدّلة تضم عناصره من العسكريين والأمنيين الذين أُدرجوا في قوائم الدولة بعد سيطرتها على صنعاء، وهي ما زالت نقطة خلافية منذ أن أوقفتها في الـ2016.
لم تلتزم جماعة الحوثي بـ«اتفاق ستوكهولم» الذي قضى بإيداع جميع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في فرع البنك المركزي اليمني في الحديدة لدفع مرتبات في محافظة الحديدة وجميع أنحاء اليمن، إنما استمرت في وضع يدها على الإيرادات من تلك الموانئ وعلى موارد الدولة في المحافظات التابعة لقبضتها، كما رفعت تلك الجماعة السقف بمطالبتها بدفع الرواتب من عوائد النفط والغاز، واستخدمت – كأداة ضغط – ورقة استهداف وتعطيل الموانئ الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية. العقدة الأساس هي عدم قبول الحكومة الشرعية دفعها إلا وفق كشوفات 2014 فتغطية كلفتها – إذا جرى الاتفاق – ستكون مشمولة ضمن المنحة السعودية للحكومة اليمنية الشرعية التي تُغطّي في جزء منها الرواتب.
وبرزت معالمُ القلق من الضغوطات الشعبية وبدايات التحرّكات الاحتجاجية جليّة في تهديدات وتحذيرات زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي للسعودية بالتصعيد العسكري وإنهاء حالة التهدئة. ووجّه رسالة مباشرة للرياض، حين تحدث عن «أننا طوَّرنا قدراتنا العسكرية خلال المدة الماضية بكل ما نستطيعه».
حال المراوحة بالنسبة للحوثي قاتلة، باعتبار أن الهدنة ستبرِّد عزيمة جماعته الذين يتمُّ شحنهم عقائدياً، وستنعكس تراخياً في صفوف عناصره وستبرز الأزمات في بيئته وحاضنته الشعبية في مناطقه كما في المناطق التي يُسيطر عليها بفعل الانقلاب. فقضية الرواتب ليست عنواناً خلافياً بين الحوثي وشركائه فقط بل هي ورقة تُستخدم ايضا في صراع الأجنحة داخل «البيت الحوثي». ما يهمه أن يُترجم مكاسبه العسكرية على الأرض سياسياً قبل أن تتآكل قوته في مرحلة الانتظار. لا قدرة له على خرق الاتفاق الإقليمي والخطوط الحمر التي التزمت إيران بأن لا يتجاوزها الحوثي، وفي مقدمها عبور الصواريخ والمسيَّرات الحدود إلى المملكة، ولا قدرة فعلية له على إدارة الدولة في «اللاحرب».
من هنا، تأتي المخاوف من أن تلجأ جماعة الحوثي – إذا ازدادت حالة التململ الشعبي بفعل الضغوطات الاجتماعية والمعيشية والإنسانية، ووجدت ظروفاً لاستعادة مشهد احتجاجات صنعاء في 2011 أو ما يشابهها – إلى سياسة الهروب إلى الأمام. وأحد السيناريوهات التي يتمُّ تسريبها هو مزيد من سياسة الإطباق على الحكم من خلال إدخال تعديلات على الهيكلية الدستورية في محاكاة للنموذج الإيراني، والانقضاض على «شريك الضرورة» من خلال مصادرة مقرَّاته وأملاكه التي هي حاضرة على الدوام في ذهن الحوثي لكنها معلّقة لضرورة الحرب وضرورة صون وحدة الجبهة الداخلية. الخوف من أن يكون ذلك ضرورياً لاحتواء الصراع بين الأجنحة الحوثية.
قبل أسابيع، حطَّ في صنعاء الوفد العُماني الذي يتولّى ملف الوساطة لإيجاد حل سياسي شامل للأزمة اليمنية. وتكثفت حركة المبعوثَين الأمريكي تيموثي ليندركينغ والأممي هانس غروندبرغ. وتحدّثتْ جماعة «أنصار الله» عن جولة مفاوضات قريبة مع الحكومة اليمنية، فيما حدَّد وزير خارجية «الشرعية» أحمد بن مبارك أن الجهود الراهنة لرعاة الحل تتركز، في مرحلتها الأولى، على فتح المطارات والموانئ ورفع الحصار عن تعز، ودفع المرتبات لموظفي الدولة وفقاً لقوائم 2014. ظروف حدوث «اختراقات ما» في تلك البنود باتت أكبر، لكن حدودها مربوطة بمصالح اللاعبين صغاراً وكباراً.