«حالة عشق» لا تتكرر يا عبد الله فلسطين

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»:الأسبوع الماضي، كان جمهور السينما في مصر على موعد مع الفيلم الوثائقي «حالة عشق»، الذي طلّ علينا كجرح مفتوح لا يندمل، يروي بصوت هادئ لكنه حازم، شهادة أحد رموز العمل الإنساني في فلسطين: غسان أبو ستة، الطبيب الفلسطيني البريطاني، الذي لم يكتف بتقديم المساعدة من بعيد، بل اختار أن يكون في الصفوف الأولى، يداوي تحت القصف، ويقاوم بانحيازه الكامل للإنسان.
منذ السابع من أكتوبر، وغزة تغرق في دمها تحت عدوان إسرائيلي همجي لا يفرّق بين حيّ ومستشفى، ولا بين طبيب ومريض. في قلب هذا الجحيم، تأتي كاميرا المخرجتين كارول منصور ومنى الخالدي لتوثّق، بدون ضجيج، لحظة إنسانية نادرة تختزل المعنى العميق للصمود.
تتميّز معالجة الفيلم ببساطة مظهرها وعمق جوهرها، لا تلجأ إلى الصور الصادمة ولا إلى الخطابات الجاهزة، تكتفي بصوت غسان، فهو راوي الجرح، وصوته كافٍ ليعيد تشكيل مشهد من الفقد اليومي، وشهادة لا تُنسى عن لحظات كان فيها الموت أقرب من الحياة.

انتقال الوجد من الكلمة إلى الصورة

بالوقوف عند عنوان فيلم «حالة عشق»، تُفتَح أمامنا أبواب التأويل العاطفي والسياسي والوجداني، لكن المعنى الأعمق لا يتجلى إلا حين نربط هذا العنوان بجذوره الشعرية، المستمدة من قصيدة «عبد الله الإرهابي» للشاعر العراقي الكبير مظفر النواب، في تلك القصيدة، يُعلن النواب أن العشق لفلسطين ليس علاقةً عابرة أو عاطفةً جياشة فحسب، بل «حالة عشق لا تتكرر»، فيقول:
حالة عشق لا تتكرر يا عبد الله فلسطين
ان قدمت لهم ماء سألوك بحب إن ذقت مياه فلسطين
أو أكلوا سموا بسم الله وحب فلسطين
أو قتلوا تحت الأرض
يعودون إلى حضن فلسطين
أو جاءوا باب الجنة
يلقى الله بأيديهم قبضة طين منها
يتمنى أن يستبدل جنته يا عبد الله بهذا الطين
بهذا الشعر، يُرسّخ مظفر النواب مفهومًا خاصًا لفلسطين: هي ليست مجرد قضية، بل هي كيان حيّ ينبض في قلب المُحب، والمُحب هنا ليس شخصًا ساذجًا، بل مقاتل، فدائي، طبيب ناجح من أشهر أطباء التجميل في العالم، إنسان قرر أن لا يتخاذل في وجه الظلم، ترك مستشفيات الغرب المجهزة، وتوجه إلى غزة المحاصرة، ليكون في قلب المجزرة.
فغسان أبو ستة، كما ظهر من الفيلم رجل عاشق لغزة، لأهلها، لأطفالها الذين يأتون إليه أجسادًا ممزقة، فيحاول، في كل مرة، أن يرمم ما يمكن ترميمه، ويُرجئ الموت قليلًا. هو عاشق يتحدّى قدره، يعرف أن العودة إلى الميدان ليست مغامرة بطولية، بل حاجة داخلية لا فكاك منها، تمامًا كما في قصائد العشق، لا مكان للمنطق الصارم. لا أحد يلوم العاشق لماذا يعود إلى حبيبته المرة تلو الأخرى رغم الجراح. كذلك هو غسان: يعود إلى غزة رغم الدمار، رغم القصف، رغم الجراح، لأنه في حالة عشق.

من العشق إلى الالتزام

الفيلم لا يتعامل مع غسان أبو ستة بوصفه شخصية فردية، بل بوصفه رمزًا لحالة عشق جماعية، وتجسيدًا لكل من رفضوا الانسحاب من الميدان رغم تهديد الطائرات وقسوة الاحتلال. «حالة عشق» بين شعب وجذور، بين أمل يكاد يُطفأ ونار لا تزال متقدة، فهناك حالة عشق لا تهدأ بين الإنسان الفلسطيني وأرضه، بين الجسد الممزق والروح التي تأبى الانكسار، وهذا بالضبط ما قصده النواب في قصيدته، أن تصبح فلسطين قدرًا، لا خيارًا.
فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم
حين يردد غسان أبو ستة هذا البيت، يكشف عن جوهر تجربته الإنسانية. هذا البيت ـ للشاعر اللبناني أحمد قعبور ـ يُلخص بدقة ذلك التلاحم العاطفي والوجداني بين غسان، الطبيب الإنسان، وبين الشعب الفلسطيني، الجريح الممتد من غزة حتى أقاصي اللجوء والمنافي، فغسان لا يرى نفسه بطلاً منقذًا من خارج المعاناة، بل جزءًا لا يتجزأ منها. مأساته هي مآسيهم، لا فضل له عليهم، بل هو واحد منهم. هذا الإدراك المتواضع العميق هو ما يجعله، مؤثرًا بلا افتعال، بطوليًا بلا مبالغة، فهو يرفض ان يطلق عليه «بطل» وقال بحسم «أنا مش كاوبوي».
يركّز الفيلم على وجه غسان أبو ستة، وجه لا تُخفي قسماته الحادة تعب السنوات ولا تزيّف ملامحه عدالة القضية. في كل إيماءة من إيماءاته، تنبعث فلسطين، لا كشعار، بل كحقيقة نابضة بالحياة. الرجل لا يتحدث كثيرًا، لكنه يقول كل شيء. جراحته ليست مهنة، بل هي موقف سياسي، إنساني.
الفيلم ينجح بذكاء في تجنّب النزعة التقديسية التي تقع فيها بعض الأعمال حين تتناول شخصيات استثنائية، فغسان ليس بطلًا خارقًا، بل إنسانا يحمل ألمه معه، ويحيا وجعه كل يوم، لكنه لا يستسلم له، تُظهره الكاميرا في لحظات صمت وتأمل، لحظات ضعف ربما، لتؤكد أن العظمة لا تأتي من القوة، بل من الإصرار على الاستمرار رغم الهشاشة.
ما يميّز الفيلم أيضا، هو أنه لا يسقط في فخ العاطفية المجانية. هو يوجعك، نعم، لكنه لا يبتزّك. هو يُبكيك، لكنه لا يستجدي دموعك. هو دعوة للفعل، وللموقف، وللوعي.
المستشفيات التي صارت رمادًا
في تسلسل مؤلم، يعدد الفيلم المستشفيات التي دمرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان الأخير، والتي ذكرها غسان أكثر من مرة في مقابلاته وشهاداته المصورة، مؤكدا إنها خطة مقصودة وممنهجة، نتابع كيف صارت مستشفى الشفاء، أكبر مجمع طبي في غزة، هدفًا مباشرًا للقصف، وكيف سويت بالأرض مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر الفلسطيني، ومستشفى الإندونيسي، ومستشفى ناصر، ومستشفى كمال عدوان، وغيرها من المرافق الصحية التي كانت آخر خطوط الدفاع عن الحياة.
يرصد الفيلم من خلال أبو ستة، لحظات توتر قصوى، حيث تتحول المستشفيات من ملاذ للشفاء إلى هدف للقصف، لتصبح غرف العمليات مسرحًا لمعركة وجود يومية لا تقل ضراوة عن المواجهات المسلحة.
يُبرز الفيلم حقيقة جوهرية لطالما حاول الإعلام الغربي طمسها، وهي أن العدوان على غزة لم يبدأ في أكتوبر 2023 مع عملية «طوفان الأقصى»، بل هو استمرار لمسلسل طويل من القمع والدمار بدأ مع نكبة عام 1948. يسرد الفيلم، من خلال شهادة الطبيب غسان أبو ستة نفسه، مشاركته في معالجة جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة خلال حرب 2008-2009 (الرصاص المصبوب)، ثم في عدوان 2012، وحرب 2014، وكذلك خلال اعتداءات مسيرات العودة عام 2018، ما يُؤكّد أن العدوان ليس ظرفًا طارئًا، بل حالة استعمارية ممنهجة.
تتحدث زوجته، ذات الأصول الغزّية، في مشهد مؤثر عن حجم المآسي التي عاشها أهل القطاع لعقود، وتروي كيف أن بيت أسرتها قد تعرّض للقصف خلال عدوان سابق، تاركًا أثرًا نفسيًا وجسديًا لم يندمل.
بهذا الخطّ السردي، يربط الفيلم الماضي بالحاضر، ويكشف أن ما يحدث اليوم ما هو إلا فصل جديد في جريمة مستمرة، وأن «غسان» هو أحد شهودها الأحياء، يطارد الألم بضمادة، ويقاتل بالمشرط.
وفي قلب هذا الدمار، يصر والد زوجة غسان، وهو عجوز مريض، يرفض مغادرة غزة رغم كل ما يتعرض له من قصف، ورغم حاجته لأدوية غير متوفرة بسبب الحصار، فالأرض ليست مجرد جغرافيا، بل عقيدة حب، وجذر، وحكاية لا تموت.

روح الدعابة كمساحة مقاومة

رغم قتامة الواقع وفداحة المأساة التي يصورها «حالة عشق»، لا يغيب عن الفيلم ذلك الخيط الإنساني الرقيق المتمثل في روح الدعابة الخفيفة التي يتمتع بها غسان أبو ستة، والتي تظهر بين الحين والآخر لتكسر حدة الألم وتمنح المشاهد لحظة تنفس وسط بحر الوجع. لا تأتي هذه اللمسات الكوميدية كترف أو إسقاط مقصود، بل تنبع من شخصية غسان ذاتها، الذي يُتقن استخدام النكتة كأداة للتخفيف عن من حوله، ولا يتردد غسان في السخرية من نفسه ومن مهنته كطبيب تجميل، ساخرًا من ارتباط اسمه بتقنيات تكبير الشفاه العليا دون ترك أثر أو ندبة على الوجه.
هذه السخرية الذاتية لا تُضعف من جدية اللحظة، بل تضيف لها طبقة أعمق من التأمل، فغسان يدرك تمامًا أن الضحك في حضرة المجازر ليس إنكارًا للألم، بل شكل من أشكال الصمود، وأن التمسك بالروح وسط هذا الموت المحيط هو نوع من النصر، مهما بدا صغيرًا، لا يجوز الاستهانة به.
واحدة من أبرز ما يميز «حالة عشق» هو التصوير العفوي والتلقائي لعائلة غسان أبو ستة، حيث لا يشعر المشاهد للحظة أنه أمام مشاهد معدّة سلفًا أو محكومة بترتيبات درامية. الكاميرا تلتقط البيت كما هو، بلحظاته العادية، وأثاثه البسيط، وضحكات الأبناء، وهمسات الزوجة، وسكون الأب في لحظات الإرهاق، كل شيء يبدو حقيقيًا، حيًا، وكأننا نشاركهم يومًا من حياتهم.
هذه التلقائية تمنح مصداقية للفيلم، وتكشف عن الفكرة الجوهرية وراءه: أن البطولة ليست موقفًا مفتعلًا، بل ممارسة يومية للصبر، والعطاء، والحب، فبعد 43 يومًا قضاها غسان في قلب القصف، يعود إلى لندن لا ليستريح، بل ليواصل دوره كصوت حيّ يروي الحقيقة، ويقدّم شهادته في أروقة الإعلام والمحافل السياسية الكبرى، مُجسّدًا بذلك امتدادًا طبيعيًا للبطولة التي تبدأ من الداخل ولا تنتهي حتى في الغربة.
وفي ختام الفيلم، تطرح المخرجة على غسان أبو ستة سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته ثقل حلم مؤجل وشوق لا يُحتمل: «كيف تتمنى أن ينتهي الفيلم؟» فيجيب، بصوت يختلط فيه الأمل بالحسرة: «أتمنى أن ينتهي الفيلم عند معبر رفح… وأنا عائد إلى غزة» تلك الجملة، العابرة في زمنها، تختصر مشاعر حنين جارف إلى الأرض، وارتباط لا ينفصم بجغرافيا الألم والحب.
غسان، الذي عبر بذاكرته وجسده مسارات الموت والحياة، لا يرى نهاية تليق بهذا الفيلم إلا لحظة عودته إلى قلب الجرح، إلى غزة، حيث يبدأ كل شيء وينتهي. هكذا، لا يُختتم «حالة عشق» بل يظل معلقًا بين الحلم والحدود، شاهداً على عشق لا يزول مهما اشتدت المأساة، ليقدم درسًا قاسيًا في الانتماء النبيل، ويذكّرنا أن الجرح الفلسطيني لم يُشفَ، لكنه ما زال يُنجب رجالًا من طراز غسان أبو ستة… رجالًا لا يبيعون الحقيقة، ولا يخذلون الحلم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية