حال الاكاديمي والإعلامي حال المسند والمسند إليه

كثيرا ما يعيب الاكاديمي على الإعلامي تسرعه في مقاربة الأحداث وعدم دقته في التحليل، إن لم يكن غياب التحليل أصلا.
وكثيرا ما يعيب الإعلامي على الاكاديمي بعده عن الجماهير، لاستمراره في خطاب مستغلق، يركب فيه أمواجا من المفاهيم الغريبة على غير أهلها، فيدور عمله في فلك صغير لا يتعدى ملتقطوه حدود ‘الراسخين في العلم’، بالمعنى الضيق الذي يعطيه ‘أهل الميدان’ لكلمة ‘علم.’
ولكن، في الوقت نفسه، لا يفوت على الإعلامي استضافة ‘الخبراء’ – ‘المختصين ‘ في البرامج الإخبارية والحوارية لإلقاء ‘مزيد من الضوء’ على هذا الملف ‘الساخن’ أو ذاك، كما لا يفوت على المختص- الخبير الإسراع في تلبية الدعوة التي لا تلبث أن تتحول إلى دعوات، إذا ما تبين أن الكاميرا معجبة به وأنه يستمتع بها؟
أليس التعارض إذن بين أداء الإعلامي وأداء الاكاديمي تعارضا ظاهرا لا أكثر؟
لا يختلف اثنان في التكامل الموضوعي والفعلي بين المجالين. ونعود ونؤكد، إنه تكامل موضوعي، بالمعنى الذي نعطيه لعبارة ‘الحلف الموضوعي. ‘
والسؤال الذي يطرح نفسه حينذاك هو هل كتب على هذا التكامل والتعاون ألا يتجاوز ‘موضوعيته ؟ بعبارة أخرى هل كتب له أن يقف عند حد التعاون المشترك الذي يحصل بين طرفين لخدمة قضية ما، إذ في قرارة نفسيهما أن صورة الواحد لدى الآخر صورة ناقصة، لأن الواحد يعيب على الآخر عدم تحكمه في أجهزة التواصل الإعلامي، بينما يرى الثاني أن صاحبه لا يحلل قضاياه بالوقت الكافي للتدقيق والتحصيل.
الكثير يرى في العلاقة بين الإعلامي والاكاديمي جمعا بين متناقضين، فدنيا الإعلام والإعلاميين تحكمه الحركة والسرعة، فيما يغلب شيء من التأني والسكون على مجال البحث والتعليم.
لكن الباحثين ليسوا في منأى عن العصر الذي يعايشونه، فيكتبون وينشرون حول الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تتشكل منها ملامح عالمنا. والصحافيون ليسوا في معزل عن الحقيقة التربوية التي تجعلهم -على حد تعبيرهم يبحثون- في المواضيع التي يتناولونها ولا يكتفون بمجرد إيراد قصتها.
أما نحن فنرى العلاقة بين الإعلامي والاكاديمي علاقة توأمين لا ينفصلان، لأنهما يتقاسمان الكلمة والزمن، وأيضا الجمهور. يتقاسمان الكلمة لأن على الكلمة تقوم التحاليل وبواسطتها تسرد الأحداث. وسرد الأحداث مثل التحليل وجهان لعملة واحدة اسمها رصد الحقيقة. أما عن الزمان، فلا الإعلامي ولا الاكاديمي حتى ولو كان هذا الأخير مائلا الى اعتقاد نقيض ذلك في أحيان كثيرة – في منأى عن وتيرة الأحداث المتسارعة، فإذا كان الخبر لا ينتظر فإن رد الفعل لا ينتظر هو الآخر. ثم لا يفوتنا أن الإعلامي والاكاديمي يتقاسمان الجمهور: فالجمهور يبحث عن المعلومة. والإعلامي والاكاديمي يمدّان الجمهور بالمعلومة. الصحافة خبر ورأي.. والدرس معلومة وتعليق، وهنا تكمن الإشكالية.
نقول: خبر طازج، ولكن لا نقول معلومة طازجة. نقول: رأي الشارع ولكن لا نقول: تعليق الشارع.
هنا يبرز الاختلاف الجوهري، الذي يكمن في تعامل مختلف مع السرعة، فالإعلامي والاكاديمي، ولو توجب عليهما الوعي بأن السرعة عامل لا محيص عنه، ليسا مستعدين لمواجهة السرعة استعداد الند للند. فللصحافي في ذلك مزية لأنه مهيّأ لمجابهة الظروف العاجلة، والتعامل معها بردود فعل فورية، بينما طبيعة الاكاديمي أن يفكر كيف يجابه الظروف العاجلة، ولكن عندما ينتهي تفكيره، تكون الظروف العاجلة قد فاتت.
، كما وصفها النحوي سيبويه قديما: فهما ‘ما لا يغنى واحد منهما عن الآخر’، ونضيف: ‘وهما ما لا يغني تعلم أحدهما عن تعلم من الآخر’. وهو واقع بقي على الطرفين إدراكه. حينئذ، تنتقل علاقة الإعلامي بالاكاديمي ‘إلى زواج على سنة الله و رسوله’.

‘ باحث أكاديمي فرنسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية