هيفاء زنكنة
تشير التقارير الصحافية الي ان اللجنة الخاصة التي تم تشكيلها برئاسة جيمس بيكر، وزير الخارجية السابق، ستبلغ الرئيس الامريكي بوش بان النصر الامريكي في العراق غير ممكن وان من الافضل اجراء تعديل منهجي في السياسة وفق مقترحات ثلاث. فحوي الاقتراحات قد يؤدي الي الانسحاب بطريقة تحفظ ماء الوجه للادارة الامريكية. وكما يبدو من ردود فعل بوش الذي سارع الي اجراء مكالمة هاتفية مع نوري المالكي ليطمئنه بان القوات الامريكية باقية في العراق، بانه لن يصغي للنصيحة من فريق الحكماء العشرة. هذه ليست المرة الاولي التي يطلب فيها رئيس امريكي المشورة لايجاد مخرج لاحتلال امريكا لبلد ما. ففي تموز/ يوليو من عام 1965 طلب الرئيس ليندون جونسون من مستشاريه النصيحة بصدد ابقاء القوات الامريكية في فيتنام وزيادة عددها لدعم حكومة فيتنام الجنوبية العميلة من جهة وتكثيف محاربة قوات الفيتكونغ المدافعة عن البلد ضد الاحتلال من جهة ثانية. كان وضع جونسون مشابها الي حد كبير لوضع بوش الان. فقد كان جونسون مستاء بشدة من عدم قدرة وكفاءة سياسيي فيتنام الجنوبية وعجزهم عن تحقيق النصر في القتال ضد ابناء بلدهم الفيتناميين الشماليين. وهو نفس حال بوش، اليوم، اذ يشعر بخيبة امل من القوات العراقية التي لاتقاتل ابناء جلدتها بالشكل والسرعة المطلوبة لحماية قوات الاحتلال الامريكية.. وقد عبر الجنرال كيسي، القائد الاعلي للقوات الامريكية في العراق، قبل أيام لصحيفة الواشنطن تايمز، عن مشاعر احباطه هو الآخر من اداء القوات العراقية العاجزة عن المبادرة القتالية. كما كان جونسون مغتاظا من رفض فيتنام الشمالية التفاوض مع امريكا وفق شروطها. وهو حال بوش مع المقاومة العراقية المطالبة بالرحيل الفوري لقوات الاحتلال وعدم ربط البلاد بالاتفاقيات الاستعمارية طويلة الامد وترتيب التعويضات للشعب العراقي لما سببه الاحتلال من خراب بشري واقتصادي. ولم تكن فكرة ارسال عدد كبير من الجنود الامريكيين للقتال في الادغال، حسب تعبير جونسون، مستحبة لديه. وهو حال بوش غير المتحمس لارسال قوات اضافية الي العراق. لاسباب عديدة من بينها ازدياد تكلفة الحرب ماديا وبشريا ونقص عدد المتطوعين في الجيش الامريكي وعدم رغبته باعلان النفير العام، لئلا يثير نقمة الرأي العام الامريكي عليه وعلي حزبه. اذ ان غالبية الشعب الامريكي تقف بجانب رئيسها وحكومتها في سياسة شن الحرب، علي أي بلد كان، مادامت الحرب ستجلب الغنائم و النصر السريع. أيامها، طلب جونسون المشورة من افضل فريق لديه. فأخبره ماكنمارا، وزير الدفاع، بان الوضع في فيتنام الجنوبية، بعد زيارته لها، اسوأ من العام الماضي. كما ان العام الماضي كان أسوأ من سابقه. وحثه هو والبقية علي ارسال المزيد من القوات محذرين من التخاذل امام المد الشيوعي وان تراجع امريكا في الحرب علي الشيوعية (تم استبدال مفردة الشيوعية بالارهاب هذه الايام) سيعني ضعف مركز امريكا في العالم. الصوت النشاز بين المستشارين كان هو صوت جورج بول، نائب وزير الخارجية، الذي قال لجونسون بان هذه فرصة امريكا الافضل للتخلص من هزيمة محققة وان امريكا غير قادرة علي تحقيق مشروعها في فيتنام ومن الافضل الانسحاب باسرع وقت ممكن. لم يستمع جونسون للنصيحة بل ارسل القوات الاضافية وامتدت الحرب عشر سنوات منذ لحظة ادراك الادارة الامريكية بانها خاسرة لا محالة الي انسحاب آخر جندي امريكي وبالشكل المهين الذي رآه العالم عبر شاشات التلفزيون. وكانت النتيجة خسارة بشرية مروعة للجميع وخرابا عمرانيا واقتصاديا لامثيل له. حيث بلغ عدد القتلي من الفيتناميين ثلاثة ملايين وتم تهجير 15 مليون قسرا وهرب مليون مواطن حفاظا علي حياتهم. كما بلغ عدد القتلي من الامريكيين 58 ألفا وأضعاف ذلك من الجرحي والمقعدين. وهذا نفسه مايجري حاليا في العراق مع مراعاة النسبة السكانية. فقد بلغ عدد الضحايا من العراقيين ما يزيد علي 654 ألفا منذ الغزو وحتي الان حسب تقرير معهد جون هوبكنز المنشور في مجلة لانسيت العلمية المرموقة. وهو تقرير لايتطرق اليه الشك علميا لانه تم وفق الطرق المثبتة في امريكا والمستخدمة في احصائيات الضحايا في مناطق الحروب والنزاعات. وقد سارع المتحدث باسم حكومة المالكي، المقيم في قلعة المنطقة الخضراء، فور استماعه لاعتراض بوش علي النتيجة وتشكيكه بصحتها الي تكرار ماقاله بوش متحدثا، بلهجة العالم، عن عدم صلاحية طريقة البحث. ولم يخطر في باله اطلاقا بان الضحايا هم من المواطنين، ابناء بلده، رجالا واطفالا ونساء، وان ثلاجات معاهد الطب العدلي والمستشفيات والشوارع، في جميع انحاء العراق، شاهدة حية علي حجم الابادة التي يتعرض لها ابناء الشعب. الابادة المتمثلة بالمجازر الجماعية حيث الجثث المعذبة، المحروقة، المقطعة، المصابة بالطلقات النارية مرمية قرب أكوام القمامة او في الانهار. حيث بات نهر دجلة، قلب بغداد الحبيبة، قلب المواطن العراقي النابض بتاريخه وحضارته وهويته الوطنية، يعول رعبا لملمس الجثث المرمية فيه. صار نهر الحياة ينوح حزنا علي موته. تنظر اشجار النخيل السامقة فلا تري في ظلالها اشجار البرتقال والنارنج والليمون بل جثثا مرمية لايام بلا احترام للموت. ينحني النخيل حزنا وألما مفتقدا عبير أزهار القداح العطرة ورؤية الفلاحين فتصدمه رائحة الموت المنتشرة في دقائق الهواء. لقد بات انحدار العراق في هاوية الموت سريعا يماثل انحدار الجثث مع مياه النهر. انه سيادة الموت والخراب الشامل في ظل الجهل المطلق لسياسيي الاحتلال بحيث لم تعد حتي الفتاوي المقدسة قادرة علي وضع حد له. ان الحكومة (المنتخبة الديمقراطية) عاجزة حتي عن حماية نفسها. منخورة تأكلها من الداخل، كما تأكل الأرضة الخشب، النزاعات علي مقاولات المشاريع والخلافات الطائفية والعرقية وحصة المناصب. الفساد المادي مستشر بين مسؤولي الاحتلال من متعددي الجنسيات الي العراقيين وعلي رأسهم الامريكان. مليارات الدولارات نهبت باسم مشاريع وهمية وتهريبات وشراء سكراب اسلحة ودفع رواتب الحمايات الشخصية وحماية المنشآت والمرتزقة بانواعهم. يقول القاضي راضي الراضي، رئيس لجنة النزاهة، بان هناك، حسب علمه مبلغا قيمته أربعة مليارات ونصف مليار دولار قد اختفي من ميزانية الدولة. بينما بات حلم المواطن العراقي محصورا في حدود الحصول علي الاساسيات من ماء وكهرباء وبنزين ووقود وحصة تموينية كاملة غير منقوصة الي حد دفع بعض الناس للترحم علي سنوات الحصار. ماذا عن الأمان وسلامة الفرد وكرامته وعزة نفسه؟ أي مأساة؟
في الوقت نفسه يواصل اعضاء البرلمان (الديمقراطي المنتخب لتمثيل مصلحة ابناء الشعب افتراضا) المجتمعون في حضرة المنطقة المقدسة تفتيت البلاد وتبادل الاتهامات والكذب المفضوح بلا خجل. فلاعجب، اذن، ان تشن حملة تصفية منظمة للصحافيين واجهزة الصحافة لاسكات صوت كل من يتجرأ وينقل صورة ما يجري من مجازر وانتهاكات ومهاترات وتبديل مواقع حسب السعر الي ابناء الشعب والعالم الخارجي. ففي الاسبوع الماضي قتل 11 صحافيا وعاملا في قناة الشعبية، وسبقه قتل 13 صحافيا في الاسابيع الاخيرة مع اختطاف عدد آخر. وتم القاء القبض علي الصحافية كلشان البياتي، مراسلة صحيفة الحياة، ولم يتم اطلاق سراحها الا بعد قيام حملة اعلامية كبيرة في خارج العراق وبمساعدة عدد من الصحافيين المخاطرين بحياتهم داخله. لقد أصبح حجب صورة الحقيقة عن العراقيين والعالم ضرورة ملحة بالنسبة الي سياسيي الاحتلال الي حد دفع مايسمي بمجلس النواب الي تكريس وقتهم لا لبحث سبل توفير الامان للمواطنين ولا لمطاردة مرتكبي المذابح بل لمناقشة كيفية انزال العقاب بقناة الشرقية وصحيفة الزمان. فما الذي ارتكبته القناة والصحيفة من جرائم؟ هل هاجم اعلاميو القناة وصحافيو الجريدة بيت أحد المواطنين بالاسلحة والاحذية الثقيلة وقتلوا افراد عائلته واغتصبوا ابنته ثم حرقوها لاخفاء الجريمة النكراء كما فعل جنود الاحتلال بالصبية عبير قاسم وعائلتها؟ أم هل انتقل صحافيو الزمان واعلاميو القناة من بيت الي بيت وهم يرتكبون المجزرة تلو المجزرة انتقاما لمقتل زميل لهم كما يفعل الجنود الامريكيون عادة، بلا عقاب من الحكومة العراقية (ذات السيادة) ومجلس النواب (المنتخب)؟ لماذا يتمتع الجندي الامريكي المحتل بحرية ان يعتقل ويهين ويعذب ويغتصب ويقتل العراقي وهو يتمتع بالحصانة المطلقة من العقاب حسب القوانين العراقية بينما يتم بحث انزال العقاب بقناة تلفزيونية عراقية وصحيفة عراقية لانها قامت باداء عملها فقط، أي نقل الخبر وتحليله والتعليق عليه واتاحة الفرصة لوجهات النظر المختلفة وان تعارضت مع المشروع الحكومي؟ هل ينص مفهوم النظام الديمقراطي الجديد علي قيام اجهزة الاعلام بنقل اصوات المسؤولين والنواب الحكوميين فحسب؟ ماهو، اذن، اختلافها عن النظم الدكتاتورية؟ وهل سيكرس البرلمان جلسته المقبلة لمناقشة كيفية معاقبة الرئيس الامريكي جورج بوش لانه حذر وبشدة من تقسيم العراق الي اقاليم ام ان بامكان رب العمل بوش ان يفعل ما يشاء وهو محق دائما؟ ہ كاتبة من العراق[email protected]