حان الوقت لربيع ثقافي عربي

حجم الخط
0

في غمرة الاحداث في بلادنا كان السؤال حول دور المثقفين يزداد بازدياد اخطار تراجع الفكر التنويري امام زحف الفكر الديني، الذي بات للوهلة الاولى يكتسح الموقف .
لكن تراجع دور المثقف العربي في التـأثير على الاحداث سرّع كثيرا احداث الربيع العربي، حتى قيل ان الربيع العربي يجري بالمقلوب، اي انه يتم بلا دور فعلي للمثقفين الذين يلعبون عادة الدور الريادي في انتاج الفكر وكشف الطريق. وهذا يفسر حسب وجهة النظر هذه بعضا من اخفاقات الربيع العربي الذي بدأ بالمناداة بالحرية وانتهى الى عنف ديني بدون ضوابط.
وبالعودة لعصر النهضة في القرنين التاسع عشر والعشرين، نلمس دور المثقف العربي في عملية الاحياء الفكرية الشاملة، التي ان لم تؤد الى نتائج ملموسة على مستوى التغيير السياسي، الا انها لعبت دورا لا يمكن انكاره على مستوى رفع الوعى العام بقضايا مهمة، مثل مسأله الوطن والانتماء والحرية وحقوق المرأه الخ .
والذي يقرأ بعضا من هذه المساجلات الفكرية، التي كانت تدور رحاها على صفحات الصحف المصرية خاصة، من خلال كتابات شبلي الشميل ورشيد رضا وفرح انطون وغيرهم، سيجد ذلك الثراء الكبير الذي تجلى في تلك الكتابات التي كانت تسعى لفتح الافاق الفكرية بعد عصور الظلام الطويلة التي عاشها العرب.
لا شك ان واقع الاتصالات قد تغير اليوم، وبات من السهل نشر الفكرة وتداولها خلال وقت لم تكن البشرية تحلم به من قبل. لكن الحقيقة ان الامر اكبر من وسيلة اتصال ايا كان تأثيرها، اذ لا بد من رؤية او استراتيجية لاجل تكثيف دور المثقف التنويري في مواجهة الفكر الديني السياسي، الذي استفاد من الاحباطات التاريخية وبات يقدم نفسه على انه المخلص الفعلي.
لا شك ان الامر ليس بتلك السهولة، ففي حرب الافكار التي نشهدها لا بد للتنويريين من ان يقفوا في مقدمة الصفوف للدفاع عن الثقافة، بل عن الاوطان التي باتت وحدتها مهدده. ومن الصعب تصور امكانية وصول الربيع العربي الى ربيع حقيقي بدون تغييرات بنيوية في الثقافة العامة، التي تشكل البيئة للفكر التقليدي الديني المتزمت، خاصة المتطرف منه.
ولذا فلا مناص من ربيع ثقافي لانجاح الربيع السياسي والاجتماعي، والا ساد القتل العبثي وثقافة الانتقام، وسادت ثقافة القتل البدائي من اكل الاكباد وسواها من الامور المقززة، وتحول الوطن العربي الى افغانستان كبرى.
وهذه المعركة تتطلب جهدا كبيرا وعملا مضنيا، خاصة في منطقه الوعي. انها معركة طويلة ومريرة، وقد تتطلب جيلا، بل ربما اكثر. وهي معركة لا بد ان تشترك بها كل الصحافة المكتوبة والمسموعة، لاجل وقف زحف فكر التطرف الديني قبل ان ينجح في تسميم عقول الجيل الصغير. ولا يمكن ان تربح عبر استخدام لغة الشيطنة التي يستخدمها للاسف بعض العلمانيين، وهي لغة التيار السياسي الديني الذي لا يملك من الاسلحة الفكرية سوى هذه اللغه التي لا علاقه لها بالسياسة ولا حتى بالواقع.
ففي صراع الافكار المجتمعيه لا يدور الصراع حول خير مطلق وشر مطلق، بل بين قوى تسعى الى ان تضع الدين في مكانه المحترم، وتدع رجال السياسة يقومون بواجبهم من اجل حياة كريمة للناس، ومن اجل الرقي بالاوطان، وبين القوى التي تسعى لتسييس الدين او تديين السياسة.
مؤرخ فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية