حباً في أكلة لحوم البشر لعبد الرشيد محمودي: اعادة انتاج القضايا الكبيرة

حجم الخط
0

حباً في أكلة لحوم البشر لعبد الرشيد محمودي: اعادة انتاج القضايا الكبيرة

حباً في أكلة لحوم البشر لعبد الرشيد محمودي: اعادة انتاج القضايا الكبيرةالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: كرس أتيلييه القاهرة ندوة ثلاثاء منتصف شهر رمضان لمناقشة ديوان، حباً في أكلة لحوم البشر للشاعر والكاتب عبدالرشيد الصادق محمودي الصادر عن مركز الحضارة العربية للنشر والتوزيع قبل عدة أشهر وكان من المقرر أن يناقش الديوان كل من الدكتور عبدالغفار مكاوي والكاتب ادوار الخراط غير أنه تخلف عن الحضور لأسباب لم يعلنها مقدم ومعد الندوة الكاتب أسامة عرابي، الذي قدم ضيفه تقديما ضافيا بدأه بسياحة نحوية لغوية تعليقا علي استخدام حرف الجر في بدلا من حرف الجر لام في عنوان الديوان، وكذلك قدم تعريفا ضافيا بالشاعر جاء فيه أنه أصدر عدة ترجمات منها ترجمته لكتاب فلسفتي كيف تطورت لبرتراند رسل الصادر عام 1960 عن مكتبة الأنجلو، وكذلك شارك مع آخرين في ترجمة الموسوعة الفلسفية المختصرة، التي صدرت عن مشروع الألف كتاب عام 1962 وترجم كذلك كتابات طه حسين بالفرنسية وصدرت تحت عنوان طه حسين بالفرنسية وصدرت تحت عنوان طه حسين من الشاطئ الآخر عن دار الهلال عام 1997 كذلك حقق الكتابات الأولي لطه حسين وصدرت عن دار الشروق عام 2002.أما عن مؤلفاته فقد أصدر طه حسين من الأزهر الي السربون و اللورد شعبان مجموعة قصصية صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2004 و طه حسين بين السياج والمرايا وصدر عن دار عين للدراسات والبحوث، القاهرة 2005 .بعد ذلك عرج اسامة عرابي علي قصيدة مرضعة الشاعر وقرأ الاقتباس الذي تقدم هذه القصيدة وهو من مقدمة سليمان البستاني لترجمته لـ الألياذة يقول فيه: فلما ولد أي هوميروس عنيت بتربيته نبية من ولد أوروس الكاهن وكان يتحلب الشهد من ثدييها الي فم الطفل فكان اذا أقبل الليل يتغني بصوت تسعة من الطير مختلفة الأجناس واذا أقبل الفجر يصبح وهو يلاعب تسعا من الورق، وأوعز الي أبيه أن يبني هيكلا للقيام منشدات السماء فبناه وقص الخبر علي ابنه لما بلغ أشده فكانت تهيجه ذكري الحمام وترنم به في شعره .أما القصيدة نفسها فتقول: أنا لم تصدح لي الورق صباحالم يتحلب لي شهد من ثدي نبيةفاليكم أشعارا لا حيلة لي فيهافيها عسل مروبقايا سم دسته الدنيامرضعتي .وقد اضاف اسامة عرابي في قراءته للديوان: ان قصيدة الشاعر عبدالرشيد محمودي جاءت فعل خروج وهدم وتخط، وذلك عبر لغة يلتقي فيها الحضور المرئي واللا مرئي، كاشفا أجواء الحاضر، عبر مقهي جمالي يسعي لاعادة صياغة الوعي عبر لغة تزاوج بين المجاز واللغة المباشرة علي نحو ما تكشف العديد من القصائد.وأضاف عرابي: تظل القصيدة لدي عبد الرشيد كإنبلاج نور لا يكف عن الابتداء والصيرورة اللذين يمسيان الكيفية التي يتعين بها الدال، وندرك بها ماهية الاشياء، التي تحدد تمثل الذات لها، وطرائق اغناء حمولتها. ويتساءل عرابي: ألم يقترح علينا ميلان كونديرا يوما تعريفنا بوصفنا كائنا ت اشكالية لا تعرف اليقين، ولم تقل بعد كلمتها الأخيرة، أو بتعبير عبدالرشيد ـ حسب عرابي ـ في قصيدته رسالة التعبير:فلتعلم ان التعبير سفر مضن نحو القاع المظلم ويليه التصعيد المتعثر نحو النور وعليَ اذن أن أصحو ليلا لأراني ملقي في الدنيا دوني الأشياء صحراء من عجز ونفور ويقطع عرابي النص ليعود الي قراءته قائلا:ان الشاعر الحق لدي عبد الرشيد محمودي ـ هو الذي يبحث عن طرائده ويلتمسها في أغوار وطبقات سحيقة، كما فعل أسلافه العظام من طراز مالارميه وبول فاليري ورامبو ويتيس وسواهم، مؤمنا أن اللغة كما قال هيدر هي بيت الوجود، في بيتها يقيم الانسان وهؤلاء الذين يفكرون في الكلمات ويخلقون بها هم حراس ذلك البيت وحراستهم تحقق الكشف عن الوجود.ويضيف أسامة عرابي مختتما حديثه بأن الشاعر ظل وفيا لصوته الخاص الذي لا يتعين الا بنفسه، وبقدرته علي تغذية شك متبادل بينه وبين وسطه ومحيطه ونظرته الي العالم لمشروع محتمل وممكن، وظل رومانتيكيا مخلصا لا يغادره الاحساس الدائم بالفقد والوحدة والموت والاغتراب.وبعد ان أنهي عرابي كلمته المطولة قدم الناقد والمبدع الكبير الدكتور عبدالغفار مكاوي الذي قدم بدوره قراءة مستفيضة للديوان بدأها بالتقرير بأن عبدالرشيد محمودي يعد في رأيه مفاجأة للحياة الأدبية والشعرية، وأكد أنه يندر أن نلتقي بشاعر ناضج علي هذا النحو حيث جاء الديوان في أوانه ـ حسب مكاوي ـ خصوصا أننا نشعر أن المشهد الشعري تسوده درجة كبيرة من الاضطراب.وقال مكاوي: ان الديوان يأتي في وقت نحن أشد ما نكون الي الشعر، ونحن أشد ما نكون الي الاحساس بضرورة الشعر، خاصة أننا نبكي علي القيم التي داستها الأقدام. وقال مكاوي مرادفا: لا شك أن قيمة الشعر تكمن في دوره الذي يعيد التذكير بالقيم الكبري في الحرية والحب والعدل، وأن الديوان يؤكد لنا أن جذوة الشعر المقدسة وجذوة الفن عموما عند الشاعر والأديب تظل متوهجة حتي في المراحل المتقدمة من العمر، واضاف مكاوي: لدينا كثيرون عبر التاريخ منحونا أروع ابداعاتهم بعد الستين والسبعين والثمانين مثلما فاجأنا نجيب محفوظ بأصداء السيرة الذاتية، ومثل غوته الذي انهمر عليه أعظم شعره بعد الستين، وهذا يطمئننا الي أن المسألة ليست تقسيمات للمراحل الأدبية هو بنية العمل نفسه من خلال منظوره لمشكلات المصير الانساني.وأردف الدكتور مكاوي: في هذا الديوان نجد صعوبة شديدة في التغلغل في هذه الأشياء لأن شخصية صاحبه ثرية متعددة الجوانب فهو قصاص ومترجم ومفكر وكاتب وقدم عددا من الترجمات الرائعة، كل ذلك ينعكس في شعره، فلم يصبح شعرا مجردا وظل يحمل سمات الشعر عن لغته وموسيقاه العذبة.وأضاف مكاوي: بطبيعة الحال تغلب الفلسفة في الديوان علي الشعر ولكن بشكل خفي، فانشغال الشاعر بالقضايا الكبري مثل من هو الشاعر وماهو الشعر، وما وضع الشاعر في العالم وفي المدينة، ما موقف الشاعر من التراث، وكيف يوظفه ويوطنه في لغته وأرضه؟وعرج مكاوي علي المرثية التي قدمها الديوان للدكتور فؤاد كامل أحد كبار أساتذة الفلسفة وأحد كبار المترجمين الذين أثروا المكتبة العربية بأهم الفلاسفة الغربيين، ويبدو أن العلاقة العميقة التي تربط الشاعر عبدالرشيد محمودي وكذلك الناقد والكاتب عبدالغفار مكاوي بالرجل كان سببا في هذا التوقف المطول أمام المرثية، وربما كان ذلك سببا في حديث مكاوي عن قصيدة رثاء منذ سموندس ـ كما أشار ـ في القرن الخامس، ثم تناوله لعدد من المراثي التي كتبها عن صديق رحلته الصدوق الشاعر صلاح عبدالصبور مرورا بالعديد من الشعراء الذين بكوا أنفسهم مثل مالك بن الريب والمازني وريلكه وغيرهم، وقال مكاوي موضحا ان مرثية عبدالرشيد محمودي لفؤاد كامل تعتبر نموذجا لهذا اللون من الكتابة لأنها تجمع بين القصة والدراما والمعني الفلسفي التأمل.ويري عبدالغفار مكاوي أن قصائد الديوان تعيد انتاج القضايا الكبري شعريا مثل قصيدة أغنية حب وفيها تغني البجعة أعذب غناءها وهي تموت وهو رمز يعبر عن الشاعر الذي يمارس هذا الغناء في كل ابداعاته، انه يموت أو يعاني آلام الموت وهو يبدع ثم يبعث في عمل ابداعي آخر، وهذه القصيدة ـ يقول مكاوي ـ تلقي الضوء علي كون الشعر غناء وأن الشاعر مغن يتألم ويغني عندما يكتب وعندما يحب.وحول قصيدة نادي الشعراء ، يقول مكاوي ان طموح الشاعر لأن يكون عضوا في نادي الشعراء هو طموح تاريخي لكثيرين، فقد كان يحيي حقي يتمني أن يقبل في نادي الشعراء، وقد عبر عن ذلك ايضا الفيلسوف كارل ياسبرز كما يذكر مكاوي.أما حول الغناء في الشعر فيقول انه جوهر الشعر نفسه، وعندما يفقد الشعر النغمة الغنائية أعتقد أنه لا يبقي منه الكثير، وعلي اثر ذلك ذكر مكاوي أن ريلكه عندما جاء الي مصر وكان ذلك في موسم الصيف أراد الذهاب الي معبد فيلة في أقصي جنوب البلاد فاستقل قاربا صغيرا وكان المجدفون يشعرون بالتعب البالغ في أوقات الظهيرة بعد أن يحل بهم التعب، لكن عندما انطلق أحدهم بالغناء ليردد الباقون خلفه احدي الأغنيات الشعبية عادت القوة الي سواعد البحارة والمجدفين، ويحاول مكاوي هنا أن يؤكد علي أهمية عنصر الغناء في الشعر، وان لم أفهم ـ كمتلق ومستمع ـ العلاقة بين الغنائية في الشعر، والغناء الخالص الذي صدر عن المجدفين.بعد ذلك تطرق مكاوي الي قضية استدعاء التراث في الديوان ولاحظ أن الشاعر يستدعي الكثير من التراث الاغريقي مثل الحداد الأعرد، وعودة المحارب وقال انها تنويع ومحاولة لاستعادة اسطورة يوليسيس الذي يعود الي ايثاكا، ولكن عبدالرشيد يقوم بالعملية التي يقوم بها الشعراء الكبار أي يشرب الأسطورة ويدمجها في الحاضر ويتجدد معها.غير أن مكاوي يسجل ملاحظة علي عدم استدعاء الشاعر لشيء من التراث العربي أو الاسلامي رغم انه علي علاقة جيدة بالتراث العربي والاسلامي معا.واختتم مكاوي كلامه بأن الديوان بصفة عامة يطمئننا الي أن جذوة الشعر المشتعلة مازالت لم تنطفئ، وأن الشاعر سيظل في الغناء الكاشف للكون وان غلبت النزعة الفلسفية للشاعر عبدالرشيد محمودي بصورة خفية.ثم تحدث الدكتور أحمد درويش الذي جاء مجمل ما قاله احتجاجا علي علو تلك النبرة الفلسفية، ورأي أن المناطــق الشعرية التي علا فيها صوت الفلسفة شهد الغناء الشعري تراجعا واضحا ثم عرج كعادته علي شعر هذه الأيام وعاد الي توجيه السباب الي قصيدة النثر، غير أن اجمالي ما قاله لا يستحق النقاش، فقد سبق له مرات ومرات ان اطلق لفظ العصيدة بدلا من القصيدة علي قصيدة النثر، دون أن يفصح لنا عن قيمة هذه السخرية التي تقصد خفة الظل، لكن القصد جانبها.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية