في غيابهم خدعة وتضليل وفي حضورهم تشويش وأكاذيب، انهم شريحة عريضة من المثقفين وأشباههم الذين ان كانوا مدركين أن الحرية قيمة انسانية عليا لا تدرك عند عتبات السلاطين ولا يأخذون بهذه القاعدة البديهية، فتلك مصيبة، وإن كانوا غافلين عنها، وهذا مستبعد، فالمصيبة أعظم.
لم يجف الحبر الأصفر ولم تطو الصفحات الصفراء بعد حتى تطوي الذاكرة طيف تلك القائمة الطويلة من المثقفين الذين تصدرت أسماءهم صفحات الرأي في جريدة «القدس العربي» وغيرها من الصحف العربية إثر بزوغ فجر الربيع العربي عموما والثورة السورية الحديثة خصوصا، قائمة حملت بين جنباتها يومها بشائر الخير والأمل في رؤية استحقاق التغيير الاجتماعي السياسي خارجا من نفقه المظلم الطويل في بلدان عربية ولدت أنظمتها السياسية مهترئة وراحت تتعفن على مذبح الاستبداد وتسلط الطغم الحاكمة فيها، لكن لم يمر وقت طويل حتى راحت عناصر تلك القائمة تتضاءل تدريجيا قبل أن تختفي فجأة ودفعة واحدة كلما كانت تتبدى للعيان المواقف الحقيقية للمؤسسات والأنظمة الحاضنة لتلك الشريحة من المثقفين من مخرجات الربيع العربي في شتى أماكن انتشاره.
أما الاستنتاج المنطقي بداهة لهذه الظاهرة ليست المرضية فحسب بل المؤذية أيضا، والتي عبرت سماء الربيع العربي كسحابة صيف لا تزال تلقي بظلالها السوداء على مصائر الشعوب العربية المتطلعة الى الحرية والكرامة، فإنه يشي بأصالة الرابطة التي تجمع المثقف بالسلطة، في هذه الحالة، وتلحقه بها من خلال قبوله الخانع للعب دور الرديف في توجهاتها الفكرية والسياسية والأمنية مهما انفرجت او انقبضت دائرة الفرجار السلطوي الذي باتت ترقص على ايقاعه مروحة واسعة لا يستهان بها من هذه الفئة المثقفة إن لم نقل أن ذراع الفرجار الثابت والمنغرس في الورق الأصفر بات يشكل محور حركة ذراعه المتحركة الأخرى التي تظهر وتغيب، تتسع رقعتها وتضيق، يعلو صوتها وينخفض وفق مشيئة قبضة بوليسية حديدية لا تعرف للرحمة طريقا.
حالة غير مسبوقة من التماهي أصبحت مسألة ركوب موجتها مهنة قائمة بذاتها تدر على أصحابها أرباحا وامتيازات ما كان لهم أن يحلموا بها لولا ارتهان أقلامهم وحناجرهم لسماسرة السياسة في المنطقة، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على الانحناء حتى تمر عاصفة الربيع العربي استعدادا للانقضاض على أبسط ملامحه في ثورة مضادة كان من شأنها خلط والأوراق وضياع البوصلة وفقدان الأمل في التغيير وخلق حالة من الخيبة والاحباط لدى الجماهير العريضة التي دفعت اثمانا باهظة لهباتها في وجوه الطغاة، الذين باتت فلولهم تطل برؤوسها من جديد في الساحات والمنابر وأروقة السياسة والحكم في غير تجربة من تجارب الربيع العربي.
صحيح أن تلك التجارب الثورية انطوت بذاتها على الكثير من مكامن الخيبة والاخفاق لأسباب عديدة منها الافتقار إلى الخبرة والحياة السياسيتين والتعويل على العامل الخارجي وتربص الدولة العبرية لها وحرصها على ألا تصل إلى نهاياتها المرجوة فضلا عن المنسوب المرتفع لمستوى بطش الأنظمة البائدة التي قامت ضدها واستعدادها المطلق لسحق كل من يقف في طريقها، لكن الصحيح أيضا هو أن هذه الفئة من المثقفين والكتاب والصحافيين وحتى الفنانين شكلت بذاتها عامل احباط لا يقل خطورة في وقعه ومآلاته عن المنجزات التي قدمتها الآلة العسكرية والأجهزة الأمنية لصالح بقاء أو عودة تلك الأنظمة إلى سدة الحكم، وذلك من خلال تسخير أدوات التعبير المتنوعة التي يتقنون استخدامها جيدا في خدمة ما يطلق عليه بالسياسات العليا أو متطلبات أمن الدولة في البلدان التي يعملون فيها.
طبعا ما كان لهذه الظاهرة المؤذية أن تنشأ وتنمو وتسود بعيدا عن مجموعة من الحوامل الكبرى التي استوطنت البلدان العربية منذ عقود خلت وعلى رأسها الانزياحات القصرية في ما يعرف بالمراكز والأطراف والعلاقة بينهما، حيث فرضت على المنطقة عملية تبادل غير طبيعية في المواقع وربما طوعية وليس بعيدا عن أصحاب الأقلام الصفراء، وأصبحت الأطراف من خلالها مراكز بينما تحولت الأخيرة إلى أطراف تدور في فلك صيغة مشوهة من مراكز جديدة لصنع القرار ظلت قابعة في جرف التاريخ والجغرافيا قبل أن تقدم أوراق اعتمادها بالكامل لمراكز السيطرة والاحتكار على المستوى العالمي، فضلا عن أنها تفتقر أصلا لأدنى مقومات تبوؤ مراكز بهذا الحجم من المسؤولية التاريخية في مشهد يحال بشكل تلقائي إلى مقولة» فاقد الشيء لا يعطيه» حتى لو توفرت النوايا الحسنة الغائبة الأبرز في هذه الحالة.
والأدهى من ذلك كله أن موجة الانزياحات تلك لم تقتصر على الجغرافيا السياسية فحسب، وإنما طالت منظومات فكرية بكاملها مخترقة العقل العربي في ظاهرة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، فقد حلت القطرية محل القومية وتجذرت في الذهنيات الجديدة القديمة نفسها التي شجب أصحابها ذات مرة شعارات التقوقع على الذات التي بدأت أنظمة عربية تجاهر بها منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، واصبحت القضية الفلسطينية تعرف بنزاع فلسطيني اسرائيلي له طابع حدودي بعد أن كان صراعا عربيا صهيونيا له طابع وجودي، بينما ارتدت الكثير من القوى والشخصيات التقدمية إلى أحضان الأنظمة التي كانت تسميها بالرجعية طوال عقود من الزمن وإرتمت في أحضان مذهبية وطائفية وجهوية قاتلة.
واستكمالا لهذا المشهد الكارثي ، كان من الطبيعي أن تتحول قضايا الشعوب الثائرة في مساحة الحبر الأصفر، بين ليلة وضحاها، إلى مجرد قضايا انسانية ينظر إليها كنظرة أي متعاطف أجنبي يعيش في البلدان المستقرة البعيدة، وبات الكتبة على الطلب وكأنهم قادمون من أرياف ومدن جبال الألب السويسرية أو نعيم الدول الاسكندنافية واصبحوا يأتون على ذكر تلك القضايا لماما ومن جانبها الانساني فقط مغفلين ما كتبت اقلامهم في بداية الربيع العربي عندما بدت حواضنهم وكأنها تقف مع شعارات التغيير التي رفعت في بلدانه.
بين طرفة عين وأخرى سكتت الأقلام وجفت المحابر، والبقية الباقية منها تعمل جاهدة على تغيير المقولات الداعية إلى التغيير لتحل محلها أطروحات تندد بقوى هذا التغيير وتدعو إلى مواجهتها وتصفيتها بعد شيطنتها وتحميلها مسؤولية مجموعة المآسي والكوارث التي حلت بشعوب الربيع العربي، متنساية أن أوجاع المواطن العربي معمرة وقد ولدت وصبغت المشهد كله منذ ولادة النظام الرسمي العربي وسيطرة قوى الرجعية والاستبداد على مفاصله الحيوية من المحيط إلى الخليج.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة