ممدوح فراج النابينديم غورسيل واحدٌ من أدباء تركيا المعاصرين، ولد عام 1951، يَعِيشُ في فرنسا، ويَحْمِلُ الجنسيتين التركية والفرنسية، قَدَّمَ العديدَ من الأعمال الرِّوائيَّةِ والقَصصِية وكُتُبِ الرَّحَلات، وقد تمّت ترجمة العديد من هذه الأعمال إلى العربية، مثل ‘صيف طويل في استانبول’ عن دار الفارابي، و ‘محمد الفاتح ‘، عن دار الجمل، و’ المرأة الأولى’ عن دار أزمنة، بالإضافة إلى رواياته ‘بنات الله’ التي أثارتْ أزمةً وَقْتَ صدورها، وَلُوحِقَ بالقضايا، لتَّجَاوزه حدود المسموح به في الدين. يغلبُ على أَعْمَالِ غورسيل الاهتمام بالمكان عَبْرَ الذكريات، حَيْثُ يُمْكِنُ القول عن أعماله، أنها ذكريات عن المكان / استانبول، فذكريات المدينة / البشر / المعالم، لم تُفَارِقه، وهو في فرنسا أو في تجواله في بلدان العالم المختلفة. هنا يُقَدِّمُ غورسيل هَوية المكانِ بما يَحْمِلُهُ مِنْ إِرْثٍ ثَقافي مزيج بين حضارتين لكل منها سماتها الآثرة. العجيب أنَّ هذه السمة َتُعَدُّ قَاسِمًا مُشْتركًا بينه وبين ‘أورهان باموق’ الحَاصِلِ على نوبل في الآداب عام 2006 (راجع رواية ‘استانبول مدينة الذكريات’)، فالاثنان يُقدِّمَان هَوية المكان إيمانًا منهما بأهميته خاصَّةً ولو كان مثل استانبول التي تُعَدُّ جِسْرًا ثَقَافيًا بين ثقافتيْن متغايرتيْن بين ثقافة الشرق وثقافة الغرب، فموقع استانبول المشترك بين الغرب والشرق هَيّأَ لها فُرْصَةً أنْ تكون حَامِلةً لثَّقَافَةٍ غَرْبِيَّةٍ وفي ذات الوقت ثَقَافَة شَرْقِية عربية إسلامية تَمْتدُّ روافدها لعصور الخلافة ولا تَنْقَطِعُ بعلمنة الدولة في حُقْبَةِ أتاتورك مَؤسِّس الجمهورية الحديثة في عام 1923، بل تَظَلُّ هذه البؤرة شَاهِدةً على الصِّراع ِالخَفيّ بين ثقافتيْن عربية إسْلامية وغربية تنحو إلى العلمنة.1ـ المكانُ هنا لا يأتي مجردًا، بل على العكس فالمكان في هذه المجموعة يتجاوز فضاءه الجغرافي وأيضًا الزماني، فيستدعي أزمانًا سابقة وأحداثًا لها دلالتها، فمفهوم المكان مُقَارِبٌ لمفهوم إدوارد سعيد له، حَيْثُ عدَّه بــ’ الأُمَّةِ’، في كتابه ‘العالم والنص والناقد’ (ص: 12). فموسكو تَسْتَحْضِرُ ذكرى الشاعر الروسي ذي الأصول الإفريقية ومأساته التي صَنَعَتْهَا النِّبَالَةُ الفرنسية، وأثينا تَسْتَحْضِرُ ذكرى الحَرْبِ الدامية التى دارتْ بين الجارتين دون مَعْرِفَة ِ مَنْ أشعل فتيلها الأول؟! والقَصَبَة في الجزائر تستدعي ذكرى الموقعة الرهيبة التي دارتْ في أرجاءِ القَصَبَة، وراحَ ضحيتها الكثير من الجزائريين، وفي ذات الوقت إدَانةٌ لتلك الهمجية التي مَارَسَتْهَا فرنسا في القَصَبَة، بل مَقْتٌ لتلك البربرية التي حدثتْ، ونيويورك تَسْتَحْضِرُ ذكرى أليمةً لمدينةِ الضَّبَابِ ومقته للمدينة ذاتها التي لم تَأْتَلِفْ نفسه فيها فَفَرَّ هاربًا حيثُ ذلك الحُضْنُ الذي يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ مَضِيقِ البوسفور. وبهذا يتحولُ المكَانُ إلى مُحَفِّزٍ يَكْشِفُ أيديولوجيا السَّارِدِ والمؤلـِّفِ معا، أيديولوجيا تَنتصِرُ للحقِّ وتَقِفُ ضِدَّ الإمبريالية الاستعمارية وبشاعتها، وكذلك تَنتقِدُ الهمجية في كَافةِ صُورِهَا سواء أكانتْ من أَفْرَادٍ ادَّعُوا ذاتَ مَرَّةٍ أَنَّهم نُبَلاء ٌكما في حَادثة الشاعر الروسي بوشكين، وكَيْفَ يَتِّخِذُ من مقولة ‘مات الشاعر’ أيقونةً مُضَّادة لموته، وأنَّ مَنْ فَعَلُوا به وأَوْدُوا بحياته، أُدْرِجُوا في مَزبَلَةِ التاريخ، وبالمثل الحزبية تانيا التي رَاحَتْ ضَحِيَّةَ النَّازية التي أَعْدَمَتْها في إحدى القرى القريبة من موسكو دون أنْ يَظْفَرُوا منها باِعْترَافٍ يَدِينُ أصدقائها. وبالمثل الشاعر التركي ناظم حكمت الذي قَضَىَ بقية عمره في موسكو منفيًا حتى مات بعيدًا عن موطنه، أو جماعات مثل ما فعلته العسكرية الفرنسية ضِدَّ مواطني القَصَبَة، حيث حملتهم في الطائرات وألقتهم منها. أيديولوجيا تَنْتَصِرَ للإِنْسَانِ أيَّا كانت جنسيته فلا فارق بين ناظم حكمت وتانيا وبوشكين ولا حتى أهل القصبة، المهم الإنسان أيًّا كان وجود هذا الإنسان.
تتكون هذه المجموعة من أربع عشرة قصة، أو أنشودة عذبة، حيث يَغْلبُ الضمير (الأنا) على قصص المجموعة إضافة إلى ضمير المخاطب (أنت) الذي يشي بحالة الهيمان التي تُسَيْطرُ على الرَّواي فيجعل من المدينة محبوبةً يخاطبها في كثير من الأحيان، فالراوي يجعل من استانبول بكافة مسمياتها التي عُرفت بها على مَرِّ العصور، وصفاتها الدالة على هويتها، شَخْصًا يُنَادِيه أو يُحِلّهُ على مَنْ يُحِبُّ كما في حالة أمه، أو يُحِلُّهَا على المدن التي يَحِلُّ عليها، ليلازمه طَيْفُها أينما رَحَلَ وكأنها معشوقته التي لا يفارقه طَيْفُهَا، رغم بعده المكاني عنها. يبدو الراوي هنا كرحَّالة يَجُوبُ الأماكن المختلفة، ولكن في تجواله ترتبط الأماكن بذكرى لها عَبَقَها الخاص لديه وبذكرى شَخْصٍ يَرْتبطُ بها ارتباطًا آثرا، فأثينا تتوازى مع صديقته ذات الاسم نفسه، وفي ذات الوقت تستدعي ذكرى حربٍ مُؤْلِمَةٍ غَابَ مُنْذِرُ شرارتها الأولي! وموسكو تستدعي ذكرى الشاعر بوشكين، وباريس تستدعي استانبول بحيويتها. ونيويورك تستحضر استانبول وأمه فيمتزجان معًا فلا ندري أيهما المدينة وأيهما المرأة. هكذا تتداخلُ الأماكن، وتستدعي الذكريات بعضها البعض، في نسيجٍ مُحْكَمِ البناء، لا يَنْفَصِلُ رغم استقلاليةِ القَصصِ، لكن الرابط بين جميع هذه القصص هو الراوي الذي يروي عن نفسه أو عن آخرين (آثينا / تانيا / بوشكين / أمه / ديستويفسكي/ ناظم حكمت / راسكولينكوف…..) أو تيمة الحنين التي تتغلغل في نسيج المجموعة كلها، فتبدو المجموعة وكأنها حكايات عن المكان، ليس المكان الحجر أو النهر أو القباب أو المآذن أو المقاهي، بل المكان الإنسان العابق بالذكريات والمرتبط بالبشر لا المجرد من النزعة الإنسانية، فالمكان هنا يتعدَّى المفهوم الميتافزيقي للمكان كحيزٍ، وفَضاءٍ إلى مكانٍ عامٍ وأَوْسَعٍ، عَامِر بالناس وبحكاياتهم حتى ولو كانوا أمواتًا فالذكريات تطل والحكايات تتدافع.
تبدو قِصَصُ المجموعة في مُجْملها مُغَايرة لجنس القصة القصيرة، حيث البناء الفني للقصة يأخذ من القصة بناءها الفني القائم على الحبكة إضافة إلى العنصر الجوهري للقِصَّة المتمثل في اللقطة، ثم بعد ذلك تتسعُ القِصَّة لتَحْمِلَ في جوهرها أجناسًا عِدَّةً، بدءًا من جِنْسِ السيرة الذاتية، مرورا بالتاريخ والسياسة والأدب، فتتداخلُ هذه العناصرُ جميعًا في بناءٍ مُحْكمٍ، تَنْدَاحُ خلاله الحبكة القَصيصة دون إخلال بِعَنَاصِرِ القِصَّة، حيث يعيد الراوي إنتاج أحداثٍ مَضِتْ أو أشخاصٍ رَحَلُوا لكنه يُعِيدهم عَبْرَ خِطَابٍ سردي يتداخل فيه الذاتي مع الغيري؛ ليحلَّ ذاته على ذواتهم علَّه يجد ذاته أو يكتشف نفسه التي امّحت من الغربة والافتقاد. فقد يجد ذاته في زوجة ناظم حكمت وهي ما زالتْ تَنْتَظِرُ عودة الشاعر بصحفه، أو في أثينا تلك الفتاة اليونانية التي فرّتْ هَارِبَةً مع أمها بعدما فُقِدَ الأبُ في الحرب، ورَحَلَتْ دون أنْ تَحْتَفِظَ لنفسها بذكرى طيبِةٍ للمدينة، وغيرهم ممن حلّ عليهم نفسه بوشكين، دوستويفسكي، راسكولينكوف، أهل القصبة، تانيا.. وغيرهم.2. في القصة المعنون بها اسم المجموعة ‘حبيبتي استانبول’ يحمل استانبول في قلبه وروحه وذاكرته، كأنها معشوقته يُغَنِّي لها وبها، يغازلها بكل أسمائها، (ليغوس ـ نيو روما ـ بيزنطة ـ القسطنطينة ـ دار السعادة ـ دار الخلافة ـ دار الدولة العليا) هو لا يريد أن يفارقه طيفها في كل الأماكن التي يتجوَّل فيها (باريس / موسكو / لينينغراد / أثينا / الجزائر / مراكش / نيويورك ) فرغم تجواله وانتقالاته إلا أنه يناديها دوما ‘موجودة دائمًا كنت يا استانبول في زمان ليس قبله زمان ولا بعده زمان كنت’. تطل عليه ببحارها الثلاثة، بأبوابها، بأزمانها، بقصورها، ببيوتها الحجرية المطلة على البحر، بشعبها المتدين، بمساجدها، بكنائسها، بأديرتها بقساوستها، بأيقوناتها، بأزقتها، بمقاهيها، فيَشْعُرُ بالحنين لافتقادها، ويتساءلُ: كَمْ سَنَةً مرت دون أن يطل في وجهها؟ دون أن يرى بحرها حتى أناسها؟
، وما إنْ يَرْكَب المترو تَطِلُّ عليه بذكرياتها عبر أشرعة ‘أيا صوفيا’ الملصقة على جدران المترو، فتطفو الذكريات كسيلٍ مُنْهَمرٍ عندما يَشْعُرُ بالعجز في عدم قدرته على الوصول إليها، والجلوس على بحرها وملامسة يديه لمياه الخليج الوسخة، أو مداعبة قبابها ومآذنها وأبراجها. وما إن يجلس في غرفة في فندق ويشعر بالعجز الحقيقي عن الوصول إليها أو ملامسة قبابها، ينكفئ على الورق فيستدعيها، وها هي تطاوعه تأتي ‘رويدًا رويدًا، على ضوء المصباح…..’ ليتحقق له ما يريد عبر الحُلم فيداعب وجهها الأبيض، فتختلط المدينة بوجه أمه فكلاهما غائبتان، ويستحضر مقولة شاعر اكتوى بالغربة،’ شيئان لا يمكن نسيانهما بالغربة، وجه أمنا ووجه مدينتنا’ في دلالة واضحة على امتزاج الاثنتين في واحدة فقد طلت صورة الأم من صورة الوطن المستعاد عبر الذاكرة.
وفي قصة ‘بيت في أثينا’ تمتزج الأسطورة اليونانية بالواقع، بل إن الآلهة التي تمتلىء بها أثينا تنعكس على شخصياتها، فصديقته اليونانية المسماة ‘أثينا’ على أحد أسماء آلهة الحرب، تطل عليه بذكرياتها المريرة التي فجعت بها، ما إن يصل إلى أثينا المدينة، التي غادرتها صغيرة مجبورة بعد أن باعت أمها البيت، ورحلت إلى باريس، ولم تحمل معها غير الذكريات المريرة، حتى غَدَت المدينة بالنسبة لها مجرد ‘بيت مكوَّن من طابقين بشباك نوافذ خشبية خضراء’، هذا البيت الذي ما عَرِفَ أبوها الاستقرار فيه قَطّ، مُنْذُ أنْ حُرِقَ منزله في أزمير، وماتت أسرته على متن زورق، وأخيرًا هذا البيت الذي جاء الْدَرَكُ إليه، فأخذوه منه ولم يَعُدْ إلا جُثَّةً، ومن ثمَّ فلم تَحْمِلْ من هذه المدينة والبيت معًا سوى ذكرى أب مَكْلومٍ مات في ريعان شبابه، رَحَلَ دُوْنَ أَنْ تَعْرِفَ سبب وفاته، رغم أنَّه نَجَا مِنْ الموت أثناء الحرب، في عام 1922، عند دخول الجيوش اليونانية الأناضول، واقتحام البحرية اليونانية بحر إيجة. وما إنْ تطل الذكرى من جديد حتى يعاود الراوي التساؤل من جديد ليتـّحد الصَّوْتان: صَوْتُه وصَوْتهَا في سؤالٍ استنكاري: مَنْ أراد هذه الحرب؟!
، فالأب رغم ما حَدَثَ إلا أنه لم يُهَاجِمِ الأتراك.
يَكْتُبُ الراوي لصديقته من مدينتها، مُسْترشدًا بنصائحها له. وأثناء تجوال الراوي تَطنُّ في أذنه كلمات حبيبته أثينا عن المدينة التي يَسترشدُ بها أثناء سيره، رغم أنها ‘لم تجلس في مقاهيها، ولم تتجول فوق أرصفتها عديمة الظل، وفي أزقتها’ كما يستجيب لنصيحتها فيذهب إلى البيت، ذلك البيت الذي كان حُلمًا لأبيها، فيذهب ويرى لكن كعادة المدينة التي استجابت للَعْنَةِ الآلهة التي تَعِجّ بها، يتحول البيت خاصة الحديقة التي لَعِبَتْ تحت أشجارها / صارت ‘صحراء قاحلة، يَبسَ عُشْبِها، وتقشفت تربتها…’ وكأنَّ لَعْنَةَ ميدوزا حلَّت عليها كما حَلَّتْ على غيرها، فالبحرُ الذي تَطِلُّ عليه المدينةُ، لا تَأْثِير منه عليها مُطْلقًا بعكس استانبول، كما أنَّ لَحْظةَ فُرَاق ِالأب لها تتحولُ إلى لحظةِ سكونٍ، فيصيرُ الجميع أشبه بتماثيل من الرخام. يستعيد الراوي في رحلته ذكريات صديقته، بل ذكرياتها المؤلمة التي خلَّفتها لها المدينة، كما يَسْتَعِيدُ آلامها ونقمتها معًا على المدينة التي ظلت في وجدانها مجرد جمادات كما أَرَادتْ لها آلِهَتُهَا القديمة.3. في قصة ‘في ساحة بوشكين’ يعود الرواي إلى موسكو، حيث ميدان الشاعر بوشكين ذي الجذور الأفريقية، وما إن يقف في الميدان حتى تهطلَ عليه الذكريات، طَاوية عشرين سنة من الزمن مرت على موت الشاعر ناظم حكمت الذي فرَّ هاربًا من التعذيب والاضطهاد بسبب مواقفه المعارضة، وعلى زوجة الشاعر التي أوقفت عجلة الزمن عند تلك الساعة التي خرج فيها زوجها ليأتي بصحف الصباح، على أَمَل أنْ يعودَ لكنه لم يعـد. ويوقف هو الآخر الزمن مع تانيا في ذلك الموعد بينهما في الساعة السادسة، حيث الميعاد القديم يقف أسفل تمثال الشاعر وفي يديه وردة حمراء في انتظار تانيا لكنها لا تأتي هي الأخرى فقد رحلت منذ زمن بعيد، مثلها مثل ناظم حكمت الذي خرج لإحضار صحف الصباح من صندوق بريده فسقط عليه الصندوق، دون أن يدري أحد من أين جاءته الرصاصة (المعروف أن ناظم حكمت مات فعلاً وهو يُحْضِرُ صُحف الصباح، لكن بنوبة قلبية وليس بالرصَّاص) راحت ـ هي أيضًا – ضحية للنازية بعدما جَلَدوها وعذَّبوها أثناء احتلالهم لموسكو، وحاولوا انتزاع اِعْتِرافٍ منها، فَأَبَتْ فشنقوها قُرْبَ قرية قريبة من موسكو. يتخذ الراوي من الحادثتين التاريخيتين فضاءً لقصته، مضفيا عليهما العناصر الخيالية. فالراوي لا يستحضر الحادثة التاريخية فقط وإنما يُضْفِي أبْعَادًا دلالية تنحو مَنْحى ً أيديولوجيًا ضمنيًا يتولد من رثاء الشخصيات الثلاثة (ناظم حكمت، بوشكين، الحزبية تانيا) لما تحمله حياة كلٍّ منهم من دلالات، في مقاومتها الظلم وفي النهاية الموت بيد الظلم الذي قاومته (لاحظ دلالات النهاية في موت الشخصيات الثلاثة). يتوازى الراوي في انتظار حبيبته مع زوجة الشَّاعِرِ، التي ظلتْ مُنْتَظِرةً عودة الشاعر بصحِفِ الصَّباح، دون إقرار منهما أن الشاعر مات وتانيا ماتت وحبيبته لا وجود لها الآن. جميعهم اغتالته رصاصَات الغدر القاتلة مجهولة المصدر ـ حتى ولو كانت نوبة قلبية مفاجأة ـ وإنْ كان يُتَابع صورها في الصحف والمطارات منذ أن رحلت عنه مع فارق أنه يَعْلَمُ أن موته لا يَحْمِلُ نفس المعنى الذي يحمله موت الشاعر. يُعَاود المكان بعدما رحلت حبيبته وبعدما رَحَلَ ناظم حكمت وقبلهما بوشكين أثناء مبارزته أحد النبلاء الفرنسيين الذي حاول أن يخطف زوجته فمات الشاعر الشاب وهو يَذُودُ عن نفسه وعن زوجته ما حاول أنْ يُلْصِقه بها من تهم هي عنها براء، حاملا ًرسالة منها بأنْ يَذْهَبَ إلى ساحة بوشكين، وهناك ما إن يصل ويجلس في المقهى في محلة كويتوغراد، متذكرًا تلك الجلسة التي جمعته بها في إحدى زوايا حديقة الجنة ‘جنت باهجاسي ‘باستانبول وهما يحتسيان الشاي الأحمر، ويتذكر سينماتيك وكيف أنهما شاهدا معًا أحد أفلام لآيزنتشاين، أو قراءتها لديوان ناظم حكمت، تلك القصيدة عن تانيا تلك الفتاة التي شُنقت بأيدي النازيين على أبواب موسكو.
وفي قصة ‘الطيور العمياء ‘يَغْلُبُ الرَّمزُ على القِصَّةِ التي يتداخلُ فيها الذاتي مع الغيري، فهَاجِسُ موت الشاعر ناظم حكمت الذي فرَّ من ويلات قهر الأنظمة التركية يطارده، وبينما هو يستعد لكتابة قصة عن حياة هذا الشاعر حتى موته غريبًا في المنفي، تاركًا زوجة ما زالت تنتظر حُلم العودة، في غرفته الضيقة في باريس، كانت نافذته مفتوحة، يشاهد منها الاحتفالات الصاخبة لذكرى هدم رمز العبودية والطغيان، رَاحَ يُفَكِّرُ كَيْفَ يَصُوغُ الكلمات ليوَصِّلَ المعنى الرمزي لموت الشاعر والذي يخشى على نفسه من تكراره، حتى هاجمت الغرفة طيور سوداء وراحت تتخبط في الجدران، فانزوى الكَاتِبُ في رُكْنٍ من الغُرْفَةِ مُغَطِّيًا وجهه بيديه مُتفاديًا مناقيرَ الطُّيورِ، في إشارة ٍ ذات مغزى لظلامية ووحشية القرون الوسطى التي استبدت بالشاعر والتي تتوازى في الوقت الحاضر مع تلك الخفافيش التي طالت الكاتب نفسه في بلده، وكأن الكاتب يخشى على نفسه من هذا المصير. وفي قصة ‘عودة ‘يعود الابن إلى أمه مُعْتَقِّدًا لُقْيَاها مَرَّةً ثانية لكن هيهات، فما إنْ يَصِلَ إلى البيت القديم في إحدى حارات استانبول، حتى يستعيدَ صَوْتَ الأمِّ وهي تُقَدِّمُ له نَصَائِحَها وخشيتها عليه من الغربة، فيتذكرُ أول ما يتذكر حالة الهِرَمِ التي رآها عليها، والتي انعكست على حالة ِما بجوار البيت ِ وكأنَّ الرَّبِيعَ ما أتى، بل إنَّ الأشياءَ ظَلتْ على حَالِها منذ أنْ تركها فالمصحف لم يتغيَّر مكانه وكأنه لم تلتقطه يد شَخْصٍ من مكانه. في المرة الأولى عندما عاد إليها من باريس كانت في انتظاره، رغم تَبَدُّلِ سحنته، فقد رأت فيه شخصًا آخر غير الذي كانت تريده، ذلك الطفل الذي ودَّعَتُه، لكن مَن أتى كان آخر وكأنه خرج من مصباح علاء الدين السحري. راحت تعاتبه على غيبته وكيف أن الصقيع ضَرَبَ الأشجار فتداعت وذبلت بعد رحيله، بل إن نطراتها جفت وابتسامتها ذبلت، وكأنه أخذ بغيابه كل شيء أو كأن الربيع لم يأتِ أو المطر ما نَزَلَ، بل رَانَ السكون على كُلِّ شيء في دلالة مُوْحِيَّةٍ لِحَالة الافتقاد التي بَدَتْ عليها الأمُ، وما تَأَكَّدَ مِنْ خِلالِ مُنَاشدتها له بأن تكون هذه الغيبة الأخيرة، فما عادت أنْ تَقْدِرَ على التَحَمُّلِ، فقد انتظرته طويلاً وكثيرًا، وما إنْ أَخْلَفَ وعده، حتى أَخْلفتْ وَعْدَهَا هي أيضًا، فعندما جَاء هذه المرة وراح إلى البيت وأَخَذَ يَطْرُقُ البَابَ، دون أنْ يأتي صَدىً من الداخل بأن هناك حياةً خَلْفَ هذا الباب، فيعود أدراجه على السُّلَّمِ حَتَى تَخْرُجَ إليه جارته، وتُخْبِره أنَّ أمه نور الحياة رَحَلَتْ من زَمَنٍ وَقد أرسلوا له برقية لكن يبدو أنها لم تصله أو لم يستلمها. فقد ضَاعَ الملاذ الذي جَاءَ ينشده فارًا من باريس وأزقتها ونسائها، بعدما قاسي وعاني من ويلات الغربة والسفر والترحال من مكانٍ إلى مكانٍ، جَاء طالبًا الاستكانة وأنْ يِخْلُدَ للهدوء عند هذه المرأة، التي ظلَّ وَجْهُهَا يُلازِمُهُ في تِرحَالِهِ، حتى أنَّه كان يَنْعَكِسُ في مياه نهر السين، أو وجودها في زقاق فيغور في باريس، أو كما كانت في عقله عندما كان يسقط عليه الثلج في ساحة بوشكين، أو عندما كان يسمع موسيقي الجاز في أحد الأقبية المعتمة في جيت فيلاج بنيويورك، بل لم تَستطعْ كل شُموس العَالمِ أنْ تدفئ رَوْحَهُ الباردة مثلما كان وجودها يفعل، حالة من الشجن جاء لينفض عن ذاته كل آلام الغربة والترحال، لكن كانت المفاجأة أنه تأخر كثيرًا، فقد نسي أن شجرة التوت عندما جاء في المرة الأولى كانت أوشكت على التداعي. *****في قصة ‘الجسر ‘يُقَدِّمُ الرَّاوي لوْحةً فَنْيَّةً زاخرةً بمرادفات العشق والوَلهِ لا بينه وبين معشوقته الإنسية، وإنما بينه وبين مدينته التي دومًا ينعتها بـ ‘حبيبتي استانبول ‘يعود الرواي إلى استانبول بعد رحلة في نيويورك مارًا بباريس، وقد سئم الحياة فيها لأنه عاش فيها زمنًا كثيرًا، ومع كُلِّ المُغْرياتِ التي تَحْفَلُ بها باريس، كان يَهْرَبُ منها دومًا حيث بيته المكوَّن من غرفتين ومطبخ، ويَهْرَعُ إلى طاولة الكتابة، بلغته التركية التي لم تنفذ بعد وبها يستعيد استانبول التي كان جسر ماري يأخذه إلى أعماق ذكرياته وكأنه ‘يربط استانبول إلى غرفته ‘ولا يريد أن ينتظر يومًا واحدًا بعد رحلته الشاقة في نيويورك التي جسم ضبابها وأبراجها العالية وضجيجها واختلافات إنسانها ورعبها على صدره، ويستعد لهذا اللقاء بينه وبين مدينته كما يستعد العاشق الولهان للقاء محبوبته، فيتذكرها عندما كان طيفها يلازمه وهو يسير في أزقة باريس، أو بحرها الذي يفاجئه في أحد منعطفات باريس، أو تتجسَّد له في صورة معشوقة تتمنَّع عليه قبل نومه في زقاق فيغور ‘بقبابها الرصاصية ومآذنها وبأسوارها وبسفنها ‘. فيذهب إلى المطار لكنه يفاجأ بأن الطائرة تَرحل غدًا إلى استانبول من مطار أورلي، لكنه يعبر الجسور خلفه حتى يصل العبارة، ومنها إلى ‘أوسكودار ‘وهو يسترجع ذكريات المدن في مخيلته، ويقارن كيف باريس التي عاش فيها زمنًا لم تترك أثرًا على نفسه مثل نيويورك التي راحت تلاحقه وتطارده، لكنه يستفيق من هذه الذكريات المؤلمة على صوت القبطان وهو يُشير إلى أوسكودار، ويرنو بعينه على الجسر المنتصب فوق المضيق بين البحر الأسود وبحر مرمرة، والذي أخذه إلى البيت حيث أمه، وحيث المكان الذي يهوي، هاربًا من صَخَب المدن وضجيجها، إلى حيث يهوي ‘حبيبتي استانبول’ والتي كان يخشى أنْ يموتَ دون أن يرى البيت الخشبي الذي قضى فيه طفولته، ووجه أمه المستدير الأبيض. فراح يغالب النعاس وهو على ظهر الباخرة لكن تثاقلت أجفانه رويدًا رويدًا، وتدافعت الذكريات عن المدن التي تركها هاربًا، مع المياة التي راحت تجرف مقاومته للنوم.
لا تقتصر الذكريات لمدينته استانبول في فرنسا وإنما يتذكرها في كل مكان حلّ فيه، ففي قصة ‘القَصَبَة ‘يتذكرُ سينماتيك في استانبول وكيف شَاهَدَ فيها فيلم معركة القَصَبَةِ، عندما يَذْهَبُ إلى الجزائر قبل اِنْعِقَادِ أَحَدِ المؤتمرات في جراديا، ويَقْطُنُ في أحد الفنادق المتبقية من مُخَلَّفَاتِ الاحتلال غير المكيفة، فيُعَانِي من موجة الحَرِّ التي تَضْرِبُ المدينة، يَتمنى أنْ يتجوَّل فى القَصَبَةِ، تلك المدينة الجزائرية التي كانت نموذجًا دالاً على فَدَاحَةِ المُحْتَلِ، وما ارتكبته فرنسا من طغيان وديكتاتورية وهجمية تجسدَّت في معاملتهم للمدنيين والنساء والأطفال على حد سواء حتى المساجد والقبور والسجادات كلها اختلطت بدماء الشهداء الذين سترثيهم قصائد الشعراء، يستعيد بخياله تلك الثورة التي قام بها هؤلاء الرجال رغم أنه عندما بدأت حرب التحرير كان طفلاً صغيرًا في الثالثة، ويوم أن انتهت كان في الحادية عشرة، لكنه مع هذا اكتشف شيئين: أولاً خداع وزيف فرنسا أو الوجه الآخر لفرنسا الذي لم يعرفه رغم أنه يعيش فيها، وثانيهما صورة الجنرال ماسو، الذي لا يختلف شيئًا عن هتلر حتى في شاربه. فهو يتمنى أن يتجول ليحيا تلك الذكرى لهذه المدينة الباسلة.*****في قصة ‘في غرفة راسكولينكوف ‘يذهب الراوي إلى متحف دوستويفسكي المطل على ميدان سانت بطرسبيرغ، وبينما يتأمل مشاهد المتحف وصور الكاتب يبدأ في استعادة ذكرياته وعلاقته بهذا الروائي، خاصة رواية ‘الجريمة والعقاب ‘والتي قرأها صغيرًا في بيتهم في استانبول، وما إن يبدأ التجول داخل أروقة المتحف حتى يتوازى مع الكاتب الروسي ـ نفسه – دوستويفسكي، وبطل روايته ‘الجريمة والعقاب ‘راسكولينكوف، هذا البطل الذي قتل المرابية العجوز التي اقترض منها المال، ثم قتلها باعتبارها عالة على المجتمع كله. يستحضر هاتين الشخصيتن، وعلى الأخص حالة الوحدة التي عانى منها كلاهما، فالأول دوستويفسكي بعد سجنه ونفيه لسيبريا لمدة أربع سنوات، وما حدث له من معاناة من عدم القدرة على أن ينفرد بنفسه ويبقى وحيدًا وهذا الهاجس الذي لازمه حتى خروجه من الحجرات الضيقة والأقبية التي كان يعذب فيها، ومن الأفعال القميئة التي كانت تحدث داخل الزنزانات بين المساجين من المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة والمحرومين من النساء، وخشيته إذا غفلت عيناه أن يهموا باغتصابه، فكتب رائعته ‘ذكريات من بيت ميت ‘، والثاني راسكولينكوف، والحالة النفسية التي عانى منها بعد جريمته وعودته إلى حجرته الضيقة في سانت بطرسبرغ رغم تبدل الأزمان وتغير الأماكن فما بقيت سانت بطرسبرغ على حالها بل صارت لينينغراد. ها هو الراوي الذي عانى هو الآخر من المنفى، حتى انزوى في غرفة ضيقة في منزله في استانبول، مثل بطل دوستويفسكي محاولاً الانزواء بنفسه؛ ليكتشف ذاته التي ضاعت منه، ساعيًا إلى البحث عن السؤال المهم الذي غاب بسببه في المنفى: هل فعلاً اقترفت ذنبًا؟ ومن شدة الانزواء حاولت أمه أن تساعده بإرسال أصدقائه إليه لكن دون جدوى، ومن شدة التفكير في مرحلة المنفي راح كابوسٌ يلازمه كل يوم في منامه، ومن تكراره، اعتقد أن هذا الكابوس، ليس إلا عقابًا، ومن ثم يصيح بين اليقظة والنوم وهو يقاوم الموت، مخاطبًا بطل دوستويفسكي المتوازي معه: هل كانوا جرائمي و ذنوبي؟ هل كانوا ندمي يا راسكولينكوف؟ أم هي جروحي المتقيِّحة وقَهْري المتراكم؟ بل يُقْرُّ أنَّه بهذه الوحدة يَعْرِفُ جيدًا مدى إقدام راسكولينكوف نحو جريمته بل يتهيأ كل الأفعال التي قام بها، بدءًا من حركة البلطة إلى أعلى التي هَوَى بها على رأس هذه المرابية ـ وفي لحظة ثالثة يتوَّحدُ مع هذا البطل الذي يذهب إلي لينينغراد ويدخل غرفته، ويتضامن معه في جريمته، لأنه أدرك أثَر النظرة الطبقية، عندما كان ينظر إلى عيون الناس مثلما فعل من قبل راسكولينكوف مع المرابية التي وَجَدَ أنَّ قَتْلها بِمَثَابَة تَخْلِيصٍ للعَالِمِ من شُرورها وشرور تلك الطبقية التي تَجَسَّدتْ في صورة هذه المرابية العجوز، وهو ما كشف عنه في حواراته مع أصدقائه الجامعيين.*****هكذا نَقِفُ على كتابةٍ قَصَّصيةٍ مُغَايِرة لا في الشَكْلِ فقط بل في المضْمُونِ، فكأنَّنا إِزَاءَ بَحْثٍ في التاريخ، أو فَصْلٍ من السيرة، أو حوارٍ صحافي بين شَخْصيْن أو مُنَاجَاةٍ، ومع كُلِّ هذا إلا أنها احتفظتْ بتماسك البناء، والعمق في الرؤية، والسَّلاسَة في السَّرْدِ، والبلاغة في اللغة والعذوبة في الألفاظ، وإنْ كان هذا الجَانب يدين به النص لجزءٍ منه للترجمة الرائعة التي قَامَ بها فاروق مصطفى، فقد أَضْفَتْ ترجمته للنَّصِّ جمَاَلاً على جمَاَلِه، حيث حَافَظَتْ على معناه الأصلي عبر فهْمه للمصطلحات التركية، ووَعْيه بالمعنى وِفْقَ السِّياقِ المُسْتَخْدمَة فيه الجملة. فله التَّحِيَّة بمقدار ما بَذَلَ وقَدّمَ نَصًّا كأنه مَكْتُوبٌ بلغته الأَصْلية، وفي ذات الوقت نَصًّا كَشَفَ لنا عن خُصوصية من خصوصيات الأدب التركي وخَاصةً أَدب المَنفَى الذي يُعَدُّ كَاشِفا عَنْ عَلاقة الأديب بوطنه، حيث تظل الأوطان المُسْتعادة في المنافي البديل الحقيقي عن تلك الأوطان المفقودة، لتخفيفَ حدّة المُعَاناة ووَطْأَةَ الاغترابِ. هكذا كانت على الورق، لكن، هل تكون بديلاً حقيقيّاً في عقل ووجدان المَنْفِيّ؟!