غريب أمر أمتنا، في كل يوم بل وفي كل لحظة نكتشف أننا نتأخر بسنوات ضوئية على جميع الأصعدة، ولتعرف مدى رقي أمة ما ألق نظرة على فنّها لتعرف كيف حالها، قديما عرف العرب بالشعر، بل كان يقام سوق للشعر اسمه سوق عكاظ (معلومة لجيل اليوم الذي لا يعرف ماهو الشعر بالأحرى سوق عكاظ)، ففي الوقت الذي كان شباب أمتنا يطلع على شعر المتنبي والفرزدق وأبي تمام وغيرهم من عمالقة الشعراء أصبح شبابنا اليوم يحفظ شعرا من نوع آخر، شعر بوس الواوا، واركب الحنطور، والبرتقالة وهلم جرا من روائع الشعر المغنى حديثا. لا يفهم من كلامي أننا نريد من شبابنا أن يستمعوا لشعر المتنبي أو غيره مغنى، لكن نريد منهم أن يستمعوا لكلام موزون، ومواضيع متنوعة غير الحب والفراق ولوعة الفراق، وخيانة الحبيب.. مع أنها مطلوبة، هناك قصائد شعرية يمكن أن تصبح أغاني تطرب، ولا أدل على ذلك من قصائد نزار قباني، ولقد شكلت هذه القصائد المغناة نجاحا باهرا، للفنانين الذين تغنوا بها، وفي نفس الوقت استطاع الشباب التعرف على كلام جميل ومعبر وبالتالي التعرف على شاعر كبير هو نزار.لكن ما يحز في النفس أن الفن الغنائي العربي اندحر إلى مستويات يخجل المرء من ذكرها، فبالإضافة إلى إعطاء الأسبقية للصورة التي تعتبر كمخدر يلهي المتلقي عن الاهتمام بالكلام أو اللحن، فنسبة 99 في المائة من الكليبات الغنائية لا علاقة فيها لموضوع الأغنية بالكليب المصور، فجميع الكليبات عبارة عن رقص وتوظيف مفرط للجنس اللطيف، ولقطات لغرف نوم إلخ إلخ.مناسبة كل هذا الحديث عن الفن العربي، هي آخر أغنية للفنان حسين الجسمي، التي عنونها حبيبي برشلوني، فمن المستغرب من فنان كبير كالجسمي الذي فرض نفسه في الساحة الفنية بقوة أدائه وصوته المتميز وجودة انتقاء مواضيعه، إلا أنه وفي زلة فنية فضل أن يساير موضة الجمهور عايز كدة، بل وأراد أن يستغل الشهرة الكبيرة للفريقين الاسبانيين، ووظفها في أغنيته الجديدة، وهذا إن دل على شيء فيدل على أننا انتقلنا من فكرة التبعية للغرب أو تقليد الغرب في غنائه بل والغناء بلغته إلى توظيف مواضيع غربية في أغانينا، فقد كنا نقول من قبل هل يمكن أن تجد شبابا غربيا يغني بلغتنا، فأصبحنا اليوم نتغنى بفرقهم، وغدا لا ندري بمن سنتغنى؟ من يدري ربما غدا يطلع أحد فنانينا ويغني أغنية من قبيل ‘حبيبي جمهوري وأنا ديمقراطي’نسبة إلى الحزبين الأمريكيين، فلقلة المواضيع أصبحنا نستورد مواضيع أغانينا من الغرب، فنحن أمة تستورد كل شيء حتى… ما نأكل.حبيبي برشلوني يموت فبرشلونة، وانا مدريدي….يا سلام على الكلمات المعبرة، هنيئا لنا وهنيئا لبرشلونة وريال مدريد بشعارهم الجديد.يونس كحال [email protected]