لا مجازَ أدقّ، أبداً، إطلاقاً. فبين السّكر والعشق أوجهُ شَبَه أربعة: اللذّة، الأذى، عبثٌ بالوعي، وطريق الإدمان. مجازٌ يكاد يلحَق بالحقيقة بلغةِ ابن جنّي.
لم يجدوا أفضل منه منذ العهد القديم: «فليلثمْني بقبلات فمِه، فإنّ حبّكَ أطيبُ من الخمر».
يقول ابن القيّم في «روضة المحبّين»: «وسُكْر العِشق أعظم من سُكر الخمر فإن سكران الخمر يفيق وسكران العشق قلّما يفيق…»، وهي الفكرة التي ما تزال ترددها الأغاني شعراً: «فشاربُ الخمر يصحو بعد سكرتهِ/ وشارب الحبّ طول العمر سكرانُ».
مجاز لا توبة منه: من «خمرة الحبّ اسقنيها»، «خمرة الروحِ القُبل»، إلى كاظم الساهر: «واللهِ يا عمري، نِسكَر بدون الكاس».
«هل رأى الحبّ سكارى… مثلنا»؟
***
سُكارى، وما هم سكارى.
شهور طويلة ترنحّتُ فيها بين السَّكرة والفكرة، وكنتُ كلّما صحوتُ أسالُ وما زلت: يا إلهي…كم لبِثت؟
أسأل عمّا حلّ بِقِيَم الأشياء التي أعرف. كم يغيّر الكهف أهله، وإن ظنّوا أنْ ما لبثوا سوى بعض يوم، وإن عرفوا ما قاله أفلاطون عمّا في الكهف من وهم ومجاز: كم بنينا حولنا من خيال.
هل الحبّ حقّا محض فكرة؛ محض تأويل جميل لنصّ سقيم؟ قد يكون الجسد محض نصّ، والباقي للتأويل، على أنّ التأويل هو التأثير، والتخييل بعضٌ منه، ومن هنا حقيقة المجاز، وروعة الكهف.
كأس في الكهف تكفي ليسخر من الوعي نقيضُه، ومن الحقيقة المجاز، ومن لغة الكتابة لغة الكلام. من رتابة المفاهيم والغايات؛ من الحريّة والفرديّة والغد والوجود والإنجاز. في الكهف لا متّسع إلاّ للتماهي، بل والتلاشي، ولا مفرّ من لغة أخرى تماماً نصَح الحلّاج بسَترِها: «وكلام العشاق في حال السكر يُطوى ولا يُحكى، فلما خفّ عنهم سُكرهم … عرفوا أنّ ذلك لم يكن حقيقة الاتحّاد بل شبه الاتحاد».
شبَهٌ، مَجاز، سُكرٌ، خَيالٌ «يذوب الصَحوُ منه» على حدّ تعبير أبي تمّام.
سَكرى، فلا تقرَبي الصلاة على المتنبّي، الذي ما ثمل يوماً إلاّ بنفسه، وخلُصَ من كلّ شيء، حتّى من العشق، «خلاصَ الخمر من نَسْجِ الفِدام».
سَكرى، فانقعي كتب باديو وستاندال وبارت ودوبوتون وبلاكبرن ولانسلان وليمونيير (وكلها في فلسفة الحب) واكسري بمائها خمرته. لاوعيكِ أصلاً عربيّ في غالبه كما أنّ بك، ببساطة، كلّ ما في «طوق الحمامة»، وما رآه موشّح أندلسيّ في اسم الخمر: خاء الخدّ، وميم المبسَم، وريق الشهد العاطر الفم. سكرى، فلا تترجمي قصائد ييتس أو بودلير عن الحبّ والنبيذ فتخوني قوافيها الجميلة؛ ليس هذا أصلاً مقام الثمالة بالبلاغة. لا تلعني الآن، في الكهف، جهلا بالفارسيّة منعك من إحساس أعلى برباعيّة عن جنّة عمر الخيّام: «ديوان شعر تحت غصن شجرة، إبريق من نبيذ، رغيف خبز، وأنتِ…» نقصُكِ أبديّ فاتركي الرأس للكأس كي يجِلّ ملومٌ عن مَلام، والأهم: اطردي سريعاً صوت أبي الطيّب وإلاّ صحوتِ وهربتِ من الكهف قبل الأوان. ألم يكن «يتعَب بالإناخة والـمقام»؟
سَكرى، فصلّي إذن ركعتين في العشق، واتركي ما كان ليكونه هذا النصّ في الصحو إلى مجاز أو مزاج آخر.
بلقيس الكركي