عبد الرزاق قيراطفي ليلة من ليالي الحرب، حيث يتقاتل البشر نصرة لله الواحد القهّار، أو دعما لبشّار، أو بحثا عن الحريّة أو عدوانا عليها أو طمعا أو رهبا أو تجارة أو لهوا…، كنت أحوج ما يكون إلى إتمام السهرة باستراحة محارب قضّى يومه في تعقّب الأخبار التي كانت كعادتها مؤلمة وقاسية. أعلِنت مقتل مراسل الجزيرة بدرعا، وصحفي فرنسي بحلب، وعدد من الرهائن بالجزائر، دون أن ننسى قائمة السوريّين الذين تعصف بهم حربهم… وكلّها أخبار محبطة تحوّل جهاز التحكّم في يدك إلى أداة للهروب من جحيم الاقتتال والكراهيّة، والبحث عن محطّة للسلام والمحبّة. وقد وجدتها في القناة الفرنسيّة الألمانيّة (arte)، التي تعتبر من أكثر القنوات خروجا عن المألوف بانتصارها للثقافة متعدّدة المصادر. وهي بذلك النهج تقدّم لمشاهديها ‘نزهة المشتاق في اختراق الآفاق’ كما عبّر الإدريسي في عنوان كتابه المشهور. في تلك الليلة، شاهدت القاهرة الأخرى التي لم أرها من قبل في مختلف الأعمال الدراميّة. وببعض الصور البسيطة ينجح مخرج في شدّك إلى عمله السينمائيّ فتشاهده عن طيب خاطر، خاصّة إذا كان فيلما عربيّا تعرضه قناة أجنبيّة. ففي تلك الحالة لابدّ أن يكون العمل قيّما وحاصلا على جوائز في مهرجانات دوليّة. والكلام ينطبق بكلّ التفاصيل على الفيلم المصريّ ‘الخروج من القاهرة’ للمخرج هشام العيسوي… الخروج من القاهرة التي سيطرت عليها مظاهر الفقر والبؤس، ولكنّ الحبّ ما زال يعشّش في أزقّتها، ويرغّب شبابها في حياة أفضل. حبّ جمع بين فتاة قبطيّة وشابّ مسلم يفشل في تحقيق طموحاته ويحلم بالسفر… وفي ذلك الرباط رسالة متفائلة لتوحيد المصريّين بمختلف أطيافهم، رغم حدّة المشاكل الاجتماعيّة والاقتصادية التي صوّرها العمل، وبعث بها رسائل أخرى عن أوضاع يتطلّب علاجها حبّا من نوع آخر هو حبّ الأوطان وحبّ الرخاء لشعوبها حتّى لا تفكّر بالهجرة والهروب من جحيم حياتها المليئة بالآمال والآلام. الحرب على ماليعلى الفضائيّة الفرنسيّة الخامسة، خصّص البرنامج الحواريّ اليوميّ (على الهواء) إحدى حلقاته للحرب على مالي، انطلاقا من السؤال: مالي – الجزائر، أين هي أوروبا؟ سؤال بطعم العلقم تجرّعه الفرنسيّون لوحدهم. فقد وجدت فرنسا نفسها وحيدة في حربها، ولم تحصل من بلدان الاتحاد الأوروبيّ إلاّ على دعم معنويّ ‘مخجل’. فلا جنود ولا سلاح، ولا حتّى أموال. والحروب صارت مكلفة، والذين يعرفون ‘حسبها ونسبها’ وعواقبها، يفضّلون عدم الذهاب إليها درءا لنفقاتها وتداعياتها على اقتصاديّات تعيش بطبعها أزمات خانقة. ولعلّ مثال الولايات المتحدة التي أرهقتها حروب العراق وأفغانستان يكفي للتمثيل على بلد كان صرحا فهوى، وصار على حافة الإفلاس، (ولكنّ الله سلّم).. فلنا في وطننا العربيّ من ينجد الملهوف ويغيث المحتاج، لذلك هرول الرئيس هولاند إلينا، في زيارة مجاملة واستجداء من أمرائنا الكرماء، بشهادة خبير دُعي إلى البرنامج المذكور أعلاه، وأثبت ذلك الكرم، عندما عبّر عن شعوره بالمهانة من زيارة رئيس بلاده إلى الإمارات طلبا لتمويل ‘حربه على الإرهاب’. ولكنْ ماذا عن شعورنا نحن العرب وقد صرنا نموّل كلّ الحروب، ضدّ الإرهاب ومعه حسب المنطق الذي لا يجامل أحدا. وقد انهزمنا فيها جميعا. حاربنا مع العراق وضدّه ومع لبنان وضدّه ومع فلسطين وضدّها ومع سوريّة وضدّها.. ودفعنا كلّ الفواتير السابقة وسندفع اللاحقة، تعويضا لفرنسا عن غياب دعم جيرانها وحلفائها… لنتحمّل معها أوزارا كثيرة بذهابها متسرّعة إلى حرب ستضع مستقبلها ومستقبل شعوب أخرى أمام اختبارات عسيرة لا يُسْرَ بعدها.تونس على القائمة’بعد ساعات من بدء الهجوم على مالي لمطاردة الإسلاميّين الجهاديّين ومنعهم من السيطرة على العاصمة باماكو، شنّت القناة الفرنسيّة الثانية هجمة قويّة على السلفيّين في تونس. ولأنّ الحروب بأسمائها، اختارت القناة اسما لا يخلو من دلالات توحي بوضع في غاية الخطورة، فكان العنوان ‘تونس تحت التهديد السلفيّ’. وجاء التقرير في برنامج ‘المبعوث الخاصّ’ الذي أخطأ طريقه فلم يذهب إلى مالي لمواكبة ‘الحرب على الإرهابييّن’، ولم يتوجّه إلى الجزائر التي أصابتها شظايا العمليّة العسكريّة وصار جنوبها مسرحا لعمليّات انتقاميّة، بل اختار النزول بأرض الخضراء للقيام بعمليّة إنزال من شأنها أن تثير الرعب في نفوس من يشاهدها خاصّة من الأوروبيّين الذين يفكّرون في السياحة بإحدى مدننا الجميلة مثل الحمامات أو سوسة… أوحى الصحفيّ الذي أنجز ذلك العمل للمشاهدين بأنّه يحقّق ميدانيّا في مخطّطات ينفّذها السلفيّون للسيطرة على تونس. ولكنّ العارفين بحقيقة الوضع، أدركوا بسرعة اعتماد التقرير على صور وأحداث أُخرِجت على عجل من الأرشيف، بعد أن دخل أغلبها طيّ النسيان، خاصّة أنّها عولجت في حينها بأساليب لا تخلو من تضخيم إعلاميّ أحاطها بالكثير من المبالغات. من بين تلك الأحداث، ما يتعلّق ‘بالأزمة’ التي عرفتها جامعة منّوبة بسبب إصرار مجموعة من المنقّبات على دخول قاعات الدرس والامتحان دون الكشف عن وجوههنّ. أو ما رافق الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب من انتقادات لاحتوائه على أعداد وفيرة من الكتب الدينيّة التي شهدت إقبالا كبيرا من السلفيّين… والتقرير يركّز عموما على مسائل سطحيّة تتّصل بمضايقة بائعي الخمرة، وما تعيشه السياحة من تراجع، وما تشهده البلاد من نشاط دعويّ في مناخ الحريّة الفكريّة المكتسبة بعد الثورة… ويعكس مضمونه رؤية تنطوي على الكثير من المغالطات، لأنّه تجنّب الحديث عن المعالجة الأمنيّة التي وقعت أثناء الهجوم على السفارة الأمريكيّة وسقط فيها ضحايا من أتباع التيار السلفي. وأهمل كلّ المعلومات التي تتعلّق بسجن مجموعة أخرى دخلت في إضراب جوع وحشيّ أدّى إلى وفاة بعض عناصرها… وتلك الحيثيات من شأنها أن تطمئن الرأي العام الخارجي والداخلي حول ملفّ يمكن القول إنّ الدولة تمكّنت من السيطرة عليه. ولكنّ التقرير أهمل كلّ ذلك متعمّدا ليترك انطباعا سيّئا عن تونس بوصفها لم تعد بلدا سياحيّا منفتحا ومتسامحا، بل هي أقرب إلى ‘أرض جهاد’ يجري تغيير نسيجها الاجتماعي ونظامها السياسيّ والاقتصاديّ بما يشرّع لفرنسا أو غيرها من القوى العظمى (على أساس المنطق المعهود) التدخّل عاجلا أو آجلا ‘لحماية شعبها من التهديد السلفيّ’، بمبادرة خاصّة منها، أو استجابة لنداءات استغاثة سبق وأن أطلقها بعض الناشطين من أنصار الثقافة الفرنكوفونيّة.المستغيثون بفرنساإذا احتجت إلى مثال دامغ،( لتسمع المزيد من نداءات الاستغاثة)، فعليك بقناة (TV5) خادمة الفرنكوفونيّة، التي خصّصت قبل أيام للمخرجة التونسيّة نادية الفاني حيّزا مهمّا لعرض أفكارها ‘النيّرة’ المناضلة ضدّ (الخطر الإسلاميّ) بأنواعه، من خلال أفلامها القليلة ذات العناوين الكثيرة المتغيّرة حسب الظروف. ومنها فيلم بعنوان (لا الله لا سيدي)، الذي تحوّل إلى (لا ربي لا سيدي)، واستقرّ في النهاية على (علمانيّة إن شاء الله). وقد عُرض الفيلم في مناسبتين للتأثير على الجمهور بمفعول اللقاح الذي يُعطى على جرعتين لصدّ (الأمراض الخطيرة والأفكار الوبائيّة) التي تصيب الأرواح والعقول… ولأنّ قناة (تي في 5) شقيقة لقنوات التلفزيون الفرنسيّ، فإنّنا نشكّ أن تكون عنايتها بالشأن التونسيّ في هذه الفترة بالذات مجرّد صدفة. هي على الأرجح تتعاون معها ‘خدمة لمصلحتنا العليا’… ولعلّها أدرى بما ينفعنا من الأفكار والمفكّرين وبما يصلح لنا من أشكال الحكم والحاكمين…وهكذا تضغط علينا فرنسا بوسائل إعلامها وبهباتها، فيعلن وزير خارجيّتنا موقفا متفهّما للهجوم على مالي بعد أن كان معارضا له قبل يوم واحد… ولن يهدأ لفرنسا بال قبل أن تفرض علينا الرؤساء والوزراء الذين يروقون لها ولأجنداتها خاصّة عندما يكونون من ذوي الجنسيات المزدوجة، فأغلب الذين تولّوا أمرنا سابقا، فرنسيّون وتونسيّون في آن واحد وكانت خدمتهم لفرنسا ورعايتهم لمصالحها هدفهم الأوّل والأخير، فخانوا الأمانات وأثبتوا أنّهم نتاج لصناعة ثقيلة تئنّ تحت وطأتها الشعوب المغلوبة على أمرها.ملحة الوداعانخرطت قناة الجزيرة في الحديث عن الفضائح الجنسيّة من خلال شهادة بعض المسؤولين وصنّاع القرار الذين يحقّق معهم أحمد منصور في برنامج شاهد على العصر. وفي حلقة سابقة مع أحمد بنّور مدير أمن الرئيس السابق حبيب بورقيبة، علمنا أنّ سعيدة ساسي كانت تجلب إلى غرفات قصره بعض الفاتنات للفرفشة بأنواعها. والتونسيّون الذين عايشوا بورقيبة ما زالوا يذكرون اسم الوظيفة التي أسندت لسعيدة ساسي آنذاك من كثرة ترديدها في نشرة أخبار الثامنة، حيث كان يقال ‘إنّها مكلّفة بمهمّة خاصّة لدى رئيس الجمهوريّة’. وهذه الوظيفة التي لا يعلن عن طبيعتها تسند في أيّامنا بكثرة، فلم تعد خاصّة بالرؤساء، وإنّما شملت أغلب الوزراء الذين يكلّفون من يشاءون بمهمّة خاصّة! عافانا وعافاكم الله.كاتب تونسي[email protected]