محمد كريشان اذا كان التوجه للتهدئة بين فتح و حماس صادقا فلا مفر من مجموعة خطوات سياسية، فضلا عن تلك الميدانية، لتخفيف الاحتقان الذي زادت جرعته عن السابق بعد اعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن اجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة. وهنا قد تكون الثلاث خطوات التالية كفيلة، في تقديري، الي حد كبير بذلك:
ـ ضرورة الابتعاد تماما عن القدح الشخصي والتنابز بالألقاب لأن الأمر يخلف حساسيات ليس من السهل محوها، ولتجاوزها يجب أن يكون المشتوم قادرا الي حد كبير علي كظم الغيظ والتحكم في ردود أفعاله فالخلاف السياسي مهما بلغت حدته لا يجب أن يتحول، عند كل ذي بصيرة، الي تراشق بالاتهامات سواء كانت من نوعية الجنون و الشعوذة و الظلامية أو المجرم أو رؤوس الفتنة فضلا بطبيعة الحال عن تلك المتعلقة بـ التفريط والعمالة والتجسس والخيانة خاصة عندما نعلم جميعا علم اليقين أن هؤلاء، أي الشاتم والمشتوم، محكوم عليهم بالجلوس معا يوما ما، قرب أو بعد ذلك الموعد لأنه ببساطة لا هذا ولا ذاك قادر علي شطب الآخر. هذه الشتائم تخلف دائما ندوبا شخصية غائرة وتقطع خط الرجوع أمام أي شخص قد يتلقاها برهافة حس شخصية قوية فليس كل الناس الزعيم الراحل الشهيد ياسر عرفات، فقد كنت أقف مجهولا أمام قدرة هذا الرجل علي تحمل الأذي الشخصي فقد ظل لسنوات يوصف من قبل قيادات الرافضين في الثمانينات خاصة بالقيادة المنحرفة واليمينية والمفرطة والمتنفذة ولا يمكن أن أنسي ما وصفه به 1983 زعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين آنذاك جورج حبش من أنه سادات فلسطين احتجاجا منه علي زيارته القاهرة، المقاطعة بعد كامب ديفيد، ولقائه بالرئيس مبارك مباشرة بعد حصار طرابلس المرير في لبنان الذي قام به المنشقون عن حركة فتح برعاية سورية. وقد بكي عرفات يوم رحيله كل الذين شتموه قليلا أو كثيرا ويبكون غيابه اليوم أكثر. ـ حمل الكثير من قيادات الصف الثاني أو الثالث وكذلك من القيادات الميدانية المسلحة علي التخفيف من ادمان الوقوف أمام كاميرات التلفزيونات لاطلاق تصريحات نارية وتهديدات لأن ذلك يشوش كثيرا ويربك أكثر أي جهود خيرة أو مساعي وساطة خالصة لا سيما وقد أثبتت التجارب أن من سبق ذكرهم يدخلون في حالة نجومية خاصة تجعلهم لا يقدرون خطورة الاتهامات أو التهديدات التي يطلقونها. المطلوب من فتح و حماس أن يفرملوا اندفاع هؤلاء ويتركوا التصريحات لمصادر معينة ومسؤولة حتي لا يختلط الحابل بالنابل. وأذكر هنا مرة أخري أنه خلال أزمات معينة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وفي اجتماعات تاريخية مفصلية لم يكن يتحدث من فتح الا القائد الشهيد صلاح خلف (أبو اياد) ويمنع أيا كان غيره من الحديث أو الاستفاضة فيه فالانضباط هنا مطلوب ومحمود.
ـ التخفيف الي أقصي حد من تصريحات القيادات الفلسطينية في الخارج فهؤلاء من الأفضل أن يقولوا خيرا أو يصمتوا خاصة اذا كانت هذه التصريحات من النوع الثقيل تأتي صاروخية مرة من دمشق وأخري من بيروت وأحيانا قليلة من طهران، فمهما بدا المرء حسن النية قد لا يتمكن دائما من تنزيه هكذا تصريحات عن حسابات ما أو أهواء ما في هذه العواصم حتي نستبعد لفظ التحريض وهي تصريحات في النهاية تصب غالبا الزيت علي النار.
من مصلحة الجميع أن تمر هذه المرحلة العصيبة علي الشعب الفلسطيني بأخف الخسائر الممكنة وبأقل قدر ممكن من الضغائن الشخصية والفصائلية لأن القدر المحتوم بين فتح و حماس هو الشراكة التي تتقدم ببرنامج القواسم المشتركة لأن كليهما عاجز عمليا عن القيادة بمعزل عن الآخر سواء بالاقصاء أو التهميش، مهما زين البعض لهذا أو ذاك العكس، فقدرهما المضي معا علي الأقل حتي قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعندها تصبح ادارة الخلافات تخضع لآليات أخري ومناخات أخري يؤمل أن تكون أقل تشنجا أو أكثر نضجا خاصة عندما يتنحي السلاح جانبا لينحصر في يد أجهزة الدولة دون غيرها.