إذا استخدمنا مفاهيم يتذكرها جنرال الاحتياط إسحق بريك، بطل حرب يوم الغفران، فإن هذا هو الأسبوع الذي انتقل الجيش الإسرائيلي فيه من الدفاع إلى الهجوم. سلسلة الوثائق التي أرسلها مفتش شكاوى الجنود، بريك، لوزير الدفاع ورئيس الأركان ولجنة الخارجية والأمن أثارت حتى الآن اهتمامًا إعلاميًا محدودًا. يبدو أن الجمهور يجد صعوبة في الغرق في نقاش فيه المفتش بريك يقول «هذا أسود»، ورئيس الأركان آيزنكوت يقول «هذا أبيض».
ولكن وفي القيادة العامة، فإن الدعاوى الحادة لبريك حول مستوى أهلية الجيش الإسرائيلي واستعداده للحرب كانت موضوع النقاش الأساسي، وربما حتى أكثر من المتوقع بشأن هوية رئيس الأركان القادم. العملية الأخيرة للمفتش، التي تم الحديث عنها في الأسبوع الماضي في «هآرتس» ـ نشر وثيقة من 250 صفحة وفيها دعوة لتشكيل لجنة تحقيق خارجية برئاسة قاضي لفحص مستوى استعداد سلاح البر ـ دقت جرس الخطر في كل أجراس الإنذار.
أول أمس، اجتمعت اللجنة الفرعية للجنة الخارجية والأمن لشؤون الاستعداد والأمن الجاري. الرئيس عضو الكنيست عومر بارليف (المعسكر الصهيوني) اعتاد على ميل الجيش لإرسال ضباط برتبة متوسطة للإجابة عن أسئلة المشرعين. هذه المرة تصرف الجيش بصورة مختلفة، وانضم لمراقب الجيش ومراقب جهاز الأمن عدد من كبار الضباط وعلى رأسهم قائد سلاح البر، الجنرال كوبي براك. الجنرال استعرض أمام أعضاء الكنيست على مدى ساعتين تقريبًا وضع السلاح الذي بإمرته.
حسب أقوال براك، فإن مستوى الاستعداد للحرب في سلاح البر حسب معايير مفصلة سبق تحديدها، يقترب جدًا من الهدف الذي حدده له آيزنكوت. قائد السلاح يميز بين ثلاثة مستويات من الفرق… متعددة الساحات «المتفوقة جدا»، ذات الساحة الواحدة، التي تتمركز واحدة منها في الشمال والأخرى في الضفة الغربية وواحدة في قطاع غزة والمناطقية التي وضعت لها أهداف تدريب وتسليح مختلفة. لقد أبلغ اللجنة بأن متوسط أسابيع التدريب لكتائب سلاح المشاة والمدرعات النظامية قفز من 16 أسبوعًا فقط في 2012 إلى 26 أسبوعًا الآن.
لقد عرض على أعضاء الكنيست المزيد من الوثائق، وفيها تقرير مفصل لرئيس الأركان وجنرالات عن وضع الاستعداد لدى الجيش الإسرائيلي كله للحرب. وثيقة آيزنكوت تقول إن الجيش في مستوى استعداد عال للحرب، مستوى مخزونات السلاح لديه هي الأعلى من أي وقت مضى، مستوى قطع الغيار عال، والجهاز المقاتل مأهول كله حسب المخطط.
الجيش يعترف بوجود «تحد» في مجال القوة البشرية، بسبب الهزة التي سببتها التغييرات في نموذج الخدمة النظامية، وقال إن هذا الأمر يقتضي «متابعة وعلاجًا». وثيقة رئيس الأركان تفصل سلسلة التغييرات الهيكلية التي سببتها الخطة متعددة السنوات «جدعون»، وإغلاق لواء المدرعات وأساطيل المدافع الأسطورية القديمة والأنظمة التي أنشئت بدلاً منها. الجيش يصادق في تقرير للكنيست بأن هناك فجوات كبيرة في مجال المركبات اللوجستية، بالأساس بسبب أسطول سيارات نقل قديمة.
وجها لوجه
الجيش الإسرائيلي يستثمر جهودً كبيرة في صد ادعاءات بريك. ليس هناك شك في أن مواجهة شخصية نشأت هنا بين المفتش ورئيس الأركان، وستمس بالانطباع الذي ستتركه ولايته خلفها. الرد الواضح للجيش مفاجئ قليلاً، لأن آيزنكوت ظهر دائمًا أكثر انفتاحًا على الانتقاد من أسلافه، وكان حذرًا من كل علامة تتعلق بعبادة الشخصية، وتقريبًا كان يهرب من العناوين الصحافية. ولكن يبدو أن لا أحد يحب إنهاء فترة ولايته تحت الهجوم ـ وفترة رئيس الأركان هذه ستنتهي بعد أقل من ثلاثة أشهر.
الجيش الإسرائيلي وقيادته ضرب بصورة شديدة في السنة الأخيرة المصالح الإيرانية في سوريا، ووقف بتصميم أمام تظاهرات الجدار في القطاع بدون الخضوع لضغط عدد من السياسيين الذين حاولوا جره إلى حرب.
رئيس الأركان أيضًا نجح في التحرر من ملحقات قضية اليئور ازاريا. الصحيفة اليمينية «مصدر أول» اختارته لها كرجل السنة. (رجل السنة قبل سنتين كان الشاويش ازاريا). انتقاد بريك يلقي بظله على كل ذلك.
في النضال ضد بريك يبدو أنه تم تجاوز عدد من الخطوط. وصنفت الوثيقة الأخيرة للمفتش بأنها سرية، لكنها لم تمر عبر قسم أمن المعلومات في الجيش الإسرائيلي. أحد ما في الجيش حاول التشويش، بهذا التبرير، على أعضاء الكنيست للاطلاع على نسخة الوثيقة التي أرسلت للجنة الخارجية والأمن. في الجيش يقولون إن وثيقة بريك لم يتم نشرها أبدًا على الجنرالات، لكن هذا لا يتفق مع ادعاء عنيد لعدد من المصادر، الذي يقول إن نسخ التقرير جمعت من عدد من المكاتب العسكرية، بتوجيه من أعلى.
الادعاء بأن رأي بريك منحاز منذ البداية بسبب أنه «يركز على السلبي بسبب وظيفته» أيضًا لا يفيد. دافع الضرائب، يمول الراتب والسيارة للمفتش من أجل أن يبحث عما هو غير سليم في الجيش الإسرائيلي. من أجل أن يهزوا الجمهور جيدًا اخترعوا الجهاز المدرب للمتحدث بلسان الجيش وهناك ما يكفي من المراسلين المتطوعين لمساعدته في ذلك.
مفاجئ نوعًا ما سلوك رئيس الحكومة ووزير الدفاع؛ ليس في أن نتنياهو وليبرمان لم يردا حتى الآن علنًا على ادعاءات بريك (وبالمقابل، أيضًا لم يدافعا عن موقف رئيس الأركان)، إذ إنهما لم يسمحا لوزراء الكابنت بالاطلاع على وثائق المفتش. الوزير نفتالي بينيت الذي يحمل معه صدمة حرب لبنان الثانية كقائد فصيل احتياط وتجارب «الجرف الصامد» كعضو في الكابنت، طالب أربع مرات منذ النشر في هآرتس بقراءة الوثائق. حتى الآن تم الرد على بينيت بالتملص والمماطلة. ومن معرفتي إياه فإنه ـ ومن المعقول ـ لا ينوي التنازل عن ذلك.
الوزير ليبرمان نفسه أجرى قبل نحو شهر نقاشًا أوليًا حول استعداد سلاح البر على خلفية ادعاءات بريك، مع المفتش وقيادة الجيش الإسرائيلي. ليبرمان أجمل النقاش في انطباع إيجابي من نشاط الجيش الإسرائيلي، ولكن اللقاء نفسه رافقته مواجهة متوترة بين المفتش ورئيس قسم القوة البشرية، الجنرال موتي الموز، الذي جزء من الادعاءات الموجودة في الوثائق موجهة لما يجري في ساحته.
عندما يقول رئيس الأركان إنه يتعامل مع الأرقام، وليس بالانطباعات التي جمعها بريك، ويطرح وثيقة مفصلة على الكنيست، فهذا رد جدي ومطلوب. وربما حان الوقت لأن يتطرق آيزنكوت للخلاف بصورة علنية بصوته ويرد بصورة مفصلة على ادعاءات بريك والتساؤلات التي يطرحها البعض من أعضاء الكنيست. رئيس الأركان حاليًا يمثل في وسائل الإعلام على يد متحدثين من قبل أنفسهم. ولأن جزءًا من هؤلاء الأشخاص باعوا لنا الهراء حول إعادة تأهيل الجيش الكاملة بعد حرب لبنان الثانية، فإن هذه الادعاءات لا يتم قبولها بأنها موثوقة بشكل خاص.
في قيادة الأركان يشيرون بصدق إلى تحسين كبير جرى في أيام آيزنكوت في نوعية التدريبات وفي نوعية الوسائل القتالية ومستوى التفصيل في الخطط العملياتية في ساحات مختلفة. وضع سلاح البر بعد «الجرف الصامد» في صيف 2014 كما ادعي هنا في حينه (رغم النفي المطلق لرؤساء الجيش الإسرائيلي في تلك الفترة) كان قريبًا من الكارثة. منذ ذلك الحين مر وقت طويل. السؤال هو: أين نقف بين نقطة البداية والهدف الذي يحدده آيزنكوت، والذي كرره في اللقاء نفسه الذي أجاب فيه على أسئلة جنديين من لواء المظليين عشية رأس السنة ـ القدرة على القيام بهجوم بري عميق وحاسم في أرض العدو؟
وكما أشار عدد من أعضاء الكنيست الذين اطلعوا على وثائق بريك، حتى لو تبين أن 50 في المئة بل 20 في المئة من ادعاءاته صحيحة، فإن الأمر يقتضي نقاشًا عميقًا. عضو الكنيست بارليف قال أمس للصحيفة إن «وثائق بريك مهمة لأنها تطرح وعيًا وإلحاحًا في الجيش الإسرائيل بالحاجة إلى الإصلاحات. عشية يوم الغفران أستطيع القول إنه جرى تغيير مهم».
إزاء هذه الأمور، فإنه من المخيب للآمال اللامبالاة النسبية التي استقبلت بها بداية ادعاءات بريك في وسائل الإعلام. قد يكون هذا تعب الأعياد وربما التعاطف الأساسي مع آيزنكوت ـ الذي هو من أفضل رؤساء الأركان الذين مروا. ولكن بعد مرور 45 سنة على الحرب التي أصيب فيها الرائد بريك إصابة بليغة في المعارك ضد المصريين في سيناء، ورفض أن يخلي، وبدّل خلال القتال سبع دبابات أصيبت وحظي بوسام الشجاعة ـ يبدو أنه ليس بالإمكان كنس النقاش في استعداد الجيش الإسرائيلي ووضع هذا الكنس تحت السجادة. مقالات حول وعي الجنرالات وبطولة المحاربين لدينا ما يكفي منها.
جورج اورويل صاغ ذلك جيدًا. الشخص بحاجة إلى جهد متواصل من أجل ألا يرى ما هو موجود تحت أنفه.
عاموس هرئيل
هآرتس 18/9/2018