حتى انْقِلاَبَنَا.. بالمَقْلوب

حجم الخط
0

صار أَمْرُنا أَغْرَب من غريب.. قالوا، هكذا امر مجتمعاتنا، قصيرة الذاكرة قاصرة الفَهْمِ والادْرَاكِ شاردة الذِّهن عائمة في الخيال، تَدَّعِي الشَّطَارَةَ وهي أكْثَر من مفعول بها ومَضْحُوكٌ عليها.
قلنا لا، هذا تجنّي والعكس هو الصّحيح، المصيبة في النخبة التي ‘تقود’ فهي الأَعْجَزُ على أنْ تَفْهَمَ وتُفْهِمَ العَامَّةَ وهي التي اصبحت عِبْئًا ثقيلا على المجتمع مَعْنَوِيًّا وماديّاً من حيث رواتبها العالية وفِكْرِهَا المُنْحَطِّ وأخلاقها السيئة ومَكْرِهَا وأَنَانِيَّتِهَا المفرطة.
صحيح ان القصص في الاحلام لا تطول فسرعان ما تستيقظ مّا مَرْعُوبًا بمشهد تكره تحقيقه وتَفْرَحُ لِكَوْنِهِ اضغاث احلام ومّا بمشهد طوباويٍّ مُفْرِحٍ تتمنى حدوثه وتخشى ان يبقى ايضا مجردُّ اضغاث.
في مصر عاش الناس كوابيس لأكثر من نصف قرن ثمًّ صَحَو وضَحُّوا بالدِّماء وتحرروا، ثم غَفوا غفوة رَأَوا فيها الجمال والامل واستيقظوا ايضا على الدماء.. خرج العسكر الى الشارع وانقلب على السلطة واقام مهزلة يصعب التعليق عليها، حيث أُعِيدَ الشرفاء لغياهب السجون وقُتِلَ الابرياء ذبحا بالرصاص على مرئ ومسمع العالم وجعل من الشارع ساحة حرب حقيقية، واطلق سراح المجرمين المذنبين في حق البلاد والعباد وفُرِضَ المنطقُ المَعْكُوس بتجريم البريء وتبرئة المجرم، وتأكَّدَ ‘الصواب’ ان لا يعيش الرجلان – مرسي ومبارك – داخل او خارج السجن معا.. خلاف عميق ومن خلفه عمق دولة قديمة في الاستبداد وتنظيمٍ عريق ومتعوِّدٍ على هذا الاستبداد، لكن هذه المرّة، تراخي الاخوان وقلّة حزمهم في حسم الامور وتساهلهم لم يفقدهم السلطة وحسب بل أَلْسَقَ بهم تُهْمَة الارهاب وأعادهم للسجون.. وقد يشنقون
اما نحن فالمنظق منسجم تماما مع ما حدث ويحدث في مصر، الا ان الانقلاب يمضي بالمقلوب، ‘نشطاءنا’ المنتقدون لاداء النهضة ومن معها لعدم كفاءتهم في ادارة الحكم واظهار عيبهم ورغبتهم في السيطرة على مفاصل الدولة، لم يكتف بهذا الانتقاد، بل أصبحوا يدعون الجيش عَلَنًا للانسحاب من الشوارع واخلاء المقرات الحكومية والمراكز الحيوية والعودة الى الثكنات وترك مواقعهم لهؤلاء ‘النشطاء’ للقيام بالانقلاب واقامة حكومة مدعومة بالعسكر والعصابات.
اما لهجة الاعلام فقد أصبحت أكثر خطورة، حيث الدعوة على الهواء وعلى المباشر للتمرد والعصيان بعدم دفع الضرائب والاداءات لسحق ما تبقى من اقتصاد البلاد.
إنه لأمر مخز أن ترى هذه ‘النخب’ التي تدعي الدفاع عن الفقير والمظلوم والضعيف ومبدأ الحرية والمساواة تُخِيفَ النَّاس وتبعث اليأس في النفوس، انها تعيد الخوف لقلوب التونسيين والرعب الذي سكن كيّانهم لعقود، لقد أصبحوا اداة واضحة لإعادة النظام القديم. انها مهزلة، فكيف ‘لثورة’ ان تسمح بسجن شرفاءها من جديد وتطلق سراح المجرميين من جديد وتعيد الطغاة من جديد، انها حتما ليست ‘بثورة’، انها كابوس بات يؤرق التونسيين.
لأننا وقفنا احرارا بالطوابير وَصَوَّتْنَا، لأنّنا مَنّا حَقًا بحرية الاختيار واخْتَرْنَا وأيًّا كان هذا الاختيار ومآلاته فانّنا لن نخفض أصواتنا ولن نُسَلِّمَ لأحد.
شكوانا لله عدم تحرك شيخ النهضة ليزحف النظام القديم عائدا، عائدا للانتقام من الجميع.. لِتَعْصِفَ رياح العبث من جديد.
سماحة الشيخ، أيُّهَا الرُّوح المقدّسة، يا قَدَرَ التونسيين اشتاقَ الناس لإلْهَامِكَ فمتى يعود لك الوحي، لقد فُوِّضْتُمْ واسْتُؤْمِنْتُمْ فَلِمَ الهوان والخنوع فان لم تعيش بعزّة سَتُقْتَلون بالذُلِّ دون رحمة وسَيُقْتَلُ الامل.. والوطن، عندها سَتَأْثَمُون.. وعليكم وقتها وِزْرُ من فَوَّضَ ومَنْ قَتَلْ.. وعليكم اثْمَ النُّجُوسْ.
محفوظ البلدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية