كانت ملاحظة ‘الإمام محمد نور الدين لمو’ (الأمين العام المساعد لمؤسسة التربية الإسلامية في نيجيريا) في مؤتمر الأقليات الإسلامية الذي انعقد مؤخرا في باريس كثيفة الدلالة. قال: ‘لو جئتم بعلماء تقليديين من عندنا لما قبلوا أصلا أن يجلسوا إلى جانبكم هنا ‘لماذا؟ ‘لسبب قد يبدو غريبا أو غير معقول بالنسبة لكم. سيقولون: ‘هذا الاجتماع حرام لأن المؤتمرين يضمون رجالا ونساء ليسوا بمحارم’. طبعا سمح طابع الدعابة الذي ميزَ كلامه بتمرير ما أشار إليه في جو من البسمات والمرح. ولكن المحتوى كان جديا بل موجعا وذكّرَ الجميع بمعطيات لا تدعو إلى كثير من الابتسام. لم تبد إشارة الإمام ‘لمو’ فقط وجيهة بل بالغة المركزية، لاسيما أن المداخلات المستنيرة لأغلب الحاضرين من قادة الجاليات الإسلامية تعطي الانطباع أن الخطاب الظلامي أصبح على هامش حركة التاريخ في العالم الإسلامي. طبيعة المؤتمر كانت توحي بذلك بحكم تكوين أغلب المتحدثين وبحكم أنهم يمثلون إجمالا جاليات إسلامية تعيش في جو تعددي يفرض خطابا يختلف عن الخطاب السائد في مجتمعات العالم الإسلامي بحصر المعنى. يضاف إلى ذلك أن أغلب القادمين من العالم الإسلامي نفسه كـ’الدكتور راشد الغنوشي’ و’الدكتور علي القرة داغي’ ينتجون خطابا متقدما ينظر إليه العلماء التقليديون بكثير من التوجس. هذا بالذات ما ألح عليه صديقنا ‘الدكتور ابراهيم موسى’ أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة داك (الولايات المتحدة) : ‘يلزم أن ندرك أن ما نسمعه هنا، أن ما أقوله أنا مثلا أو ما يقوله الدكتور راشد لا يشاركنا فيه كثير من العلماء والدعاة التقليديين المهيمنين على الرأي السائد’. مع ذلك فلا يمكن إلا أن نأخذ بعين الاعتبار ما تمثله جرأة مفكر مسموع الرأي كالدكتور راشد الغنوشي. ففي الجلسة التي جمعتني به رفقة ‘الدكتور ابراهيم موسى’ و’الدكتورة وحيدة أمين’ (أستاذة القانون وفقه الأسرة في جامعة كاب تاون بجنوب أفريقيا) بدا متحررا إلى أقصى درجة من المحاذير المهيمنة في الموضوع.. مثلا كانت ‘الدكتورة وحيدة’ قد ركزتْ على أن كثيرا من المسلمين ما يزالون يعانون شللا ذهنيا بخصوص موضوع حقوق المرأة. وكما هي العادة جاءت ردود كثير من المعقبين تبريرية دفاعية تتفادى أن ترى الإشكال كما هو. وعلى العكس منهم لم يتردد ‘الدكتور راشد’ أن يعقب: ـ ‘نعم المسلمون ظلموا المرأة ولكن ليس دور النساء المسلمات الآن تسجيل هذه الحقيقة بل الثورة على هذا الوضع’. كان الدكتور يتحدث عما سماه ‘الثورة المستمرة’. وهي العبارة نفسها التي أجاب بها لاحقا أحد الإخوة حين بادره الأخير ممازحا بعد نهاية الجلسة: ـ ‘الغالب أن من يَصِلــــون إلى السلطة يصبحون ضد الثورة. وأنت بعد أن وصلتَ إلى السلطة تحثُّ المرأة المسلمة على الثورة على وضعيتعا!’ ولعل ثورة المرأة هي بداية الثورة الفعلية على السلطة، على السلطة التي ما تزال فوق الثورة.