هذه المرة سلمت الجرة، ولكن البنزين ما زال قرب النار. بعد أن اقتربت الأمور من حافة الهاوية، وبعد أن بدا أن الصدام الشامل على الأبواب، هدأت الأمور فجأة وتراجع التوتر وعاد الهدوء إلى مدينة معان الأردنية القابعة في أقصى الجنوب على مفترق الطرق المؤدية إلى العقبة وإلى السعودية. مشهد تكرر أكثر من 10 مرات خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة. وخلال تكرار ذلك المشهد كان يرافقه دائماً ظهور ذلك العلم الأسود المميز لتنظيم ‘القاعدة’.. هل معان معقل لـ’القاعدة’؟ بالتأكيد لا، ولكنها معقل للفقر والتهميش والإحباط، وهي التي تشكل الأعمدة الحقيقية لقوة ذلك التنظيم الذي يتغذى على الفقر وعلى الجهل وعلى البطالة والاحتقان والتهميش والشعور بعدم الجدوى.
يقول المسؤولون أنهم يريدون أن يستعيدوا هيبة الدولة، ولكن الدولة فقدت معان منذ فترة طويلة، بالإهمال وبالعقاب الجماعي. ومحاولات فرض هيبة الدولة بائسة للغاية، لأنها تكررت عشرات المرات خلال الأعوام الماضية، وتكرر فشلها، وسقط عدة ضحايا من بين رجال الأمن ومن بين المواطنين والمطلوبين أثناء تلك المحاولات. فالسياسة الأمنية العنيفة والعقاب الجماعي في معان، اللذان شهدنا نموذجاً عليهما في الأيام الماضية، هما أخطر ثغرة يمكن أن يتسلل منها أعداء الأردن. معان ليست مدينة خارجة عن القانون، ولكن فيها خارجون على القانون ربتهم الأجهزة المختلفة ورعتهم طيلة سنوات، وكذلك ربت الأجهزة الأمنية مثل هؤلاء في مدن أخرى، ولهذا فالسيناريو نفسه يتهيأ ببطء في السلط، وفي مدن أردنية أخرى.
أما صور أعلام ‘القاعدة’ التي تنشرها وسائل الإعلام من معان فيرفعها أعضاء التيار السلفي الجهادي الذي يلقى معاملة من الأمن الأردني تتراوح ما بين الرعاية والقمع، في صورة متناقضة ظاهرياً، ولكنها مبنية على سياسة إدارة الأزمة السلفية ومحاولة توظيفها هنا وهناك، ومحاولة اختراقها أمنياً. وتحت أنظار السلطات الأردنية تحرك ما يقرب من 2000 سلفي أردني – كثير منهم من معان- نحو سوريا، إما عبر الحدود الأردنية السورية، أو عبر تركيا، بعضهم قياديون بارزون في التيار السلفي الجهادي، وبحجم يجعل من الصعب التصديق أنهم خرجوا من دون علم السلطات، خصوصاً أن بعضهم توجه في مهام علنية، من بينها الوساطة بين داعش والنصرة. أجهزة الدولة تراقب السلفيين الجهاديين، وتغض الطرف عن نشاطاتهم وظهورهم وتحركاتهم، ضمن سياسة الاحتواء والتوجيه وإدارة الأزمة، ولكن ذلك التيار براغماتي للغاية، ويعمل على التمكين ما دامت الاستطاعة غير حاصلة، فإن حصلت الاستطاعة فإنه سيتحرك في مواجهة مفتوحة مع الأمن الأردني، في معان وفي غيرها. وفي تطور ما قد يقع في المستقبل، وفي ظل التشدد الحكومي – الأمني إزاء مدينة معان، فإن احتمال وقوع صدام دموي عفوي واردة تماماً في مدينة تشعر بالظلم الشديد، ينتشر فيها المهربون وتجار المخدرات والسلاح والسلفيون، وكلهم لهم علاقات شبه مباشرة مع أجهزة الدولة، وكلهم تم غض الطرف عنهم طيلة أعوام طويلة/ بهدف تركيع المدينة التي شكلت بؤرة احتجاجات شعبية نهاية عقد الثمانينيات وطيلة عقد التسعينيات من القرن الماضي. وعند وقوع ذلك الصدام الدموي بين الأمن والأهالي فإن تلك اللحظة هي التي قد يقرر عندها التيار السلفي الجهادي أن ‘الاستطاعة’ قد حصلت، وعندها يبدأ التحرك، وعندها سيستطيع أن يجند المئات من أبناء المدينة تحت وطأة الغضب ورد الفعل وفورة الدم والشعور بالظلم. وللأسف فلا أحد يتذكر معان إلا عند وقوع صدامات وقتلى. لا النظام ولا المعارضة يتذكران معان إلا في الأحداث الكبرى والمصائب، أما في الحياة اليومية والمعاناة المستمرة والإهمال وغياب التنمية وغياب’الاستثمارات وارتفاع البطالة وانتشار المخدرات والسلاح والتهريب فلا أحد يتذكرها. بالمختصر هي تدفع ثمن أخطاء أجهزة الدولة في التعامل مع السلفية الجهادية ومع المهربين والخارجين على القانون. ومن البديهي تكرار القول ان ما ينطبق على معان ينطبق على كثير من المدن الأردنية، وإن كان يتخذ شكلاً دراماتيكياً متفجراً في المدينة الجنوبية لأسباب كثيرة.
واليوم نحن في منتصف الطريق، فإما استعادة المدينة، بالعدل والتنمية وتوفير فرص العمل وليس بالحلول الأمنية والعقاب الجماعي ومحاولات الرشوة الفاشلة بالأراضي، وإما المضي تدريجياً نحو سقوطها نهائياً في أحضان المهربين والخارجين عن القانون والجماعات المتشددة.
‘ كاتب أردني مقيم في السويد