حتى لا تفقد الثورة في تونس شبابها

منذ ايام نشرت اكثر من صحيفة في تونس نصا ترويجيا يقول: ‘اعط الثقة للشباب كي تتحسن امور البلاد’. النص هو جزء من حملة اطلقها البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، ساعات بعد الاعلان عن توصل المشاركين في الحوار الوطني لاختيار مهدي جمعة مرشحا لرئاسة الحكومة الجديدة، اما الغرض المعلن من ورائها فكان بحسب المنظمين ‘الخدمة بالمجان ضمن التشكيل الوزاري الجديد’.
لسوء حظ هؤلاء ليس هناك حتى الان ما يدل على ان مثل تلك الدعوات تلقى صدى كبيرا او تحظى بقدر واسع من الاهتمام. ما يبدو جليا هو ان تلك الصخرة التي تحطمت فوقها قبل ثلاث سنوات من الان افكار واحلام كثير من الشباب ما تزال تقف اليوم عقبة كأداء في وجه طموحات اكبر حجما من السابق، لكن اقل نضجا ورشدا مما هو مطلوب. لم تكن الصخرة ابدا مثلما تصور الكثيرون ذلك، نظاما تهاوى بهروب رئيسه، بل شبكة ممدودة الاطراف والاذرع مسنودة بالتقاء مشبوه ومريب بين مصالح الداخل والخارج.
ما جرى ترويجه من قبل وعلى نطاق واسع طوال تلك السنوات من ان الشباب هو الذي قاد الثورة ضد التهميش والبطالة والفقر، اثبتت التجارب على الارض انه ليس سوى قنبلة دخان كان الهدف من وراء اطلاقها استنفاد الذخيرة الحقيقية لكل مشروع ثورة، وهم الشباب، في صدامات ومواجهات مغلوطة العناوين تحت قناع الحرية، حتى تحول وجهة الانتقال الديمقراطي نحو فوضى تأتي على الاخضر واليابس وتلقي بالبلد في أتون المجهول.
حالة الارتباك وسوء التقدير الذي علق باداء رجال السياسة في الحكومة والمعارضة، بعدما تداعى النظام القديم للسقوط مع القصف الاعلامي المسترسل والمركز، الذي طال مناضلين سجنهم او شردهم الاستبداد لعقود طويلة وجنت عليهم عثرات واخطاء الطريق، قادت الى التفكير في دور بديل قد تكون الاجيال الشابة اكثر استعدادا وقدرة على الاضطلاع بمشاقه في هذه المرحلة بالذات.
ما امكن للملاحظ ان يعاينه بسهولة هو ان ذلك التفكير أملته الضرورة اكثر مما قادت اليه اعتبارات ودوافع استراتيجية بعيدة المدى.
فلا شيء تقريبا خارج النوايا والامنيات باشراك بعض الشباب في فريق حكومي يفترض ان يضم الكفاءات، او ما يعرف في تونس بـ’التكنوقراط’. فيما قوارب الموت والاغراء القاتل لسمـــــوم لا اول لها ولا اخر وهوس الاندفاع المحموم نحو تشدد معاد للدين او منفر منه، تظل كلها مسائل عالقة كغيرها من مظاهر القصور الفادح في استيعاب وفهم الاولويات العاجلة والملحة للبلاد.
في الاسبوع الذي انقضى جدت واقعتان جديرتان بالتأمل الاولى تحت قبة المجلس التأسيسي عند البدء بمناقشة فصول الدستور الجديد لما تقدمت احدى النائبات وهي شابة مقيمة في الخارج بمقترح يتضمن الدعوة لادراج عبارة ‘ارحل’ صلب نص الدستور، واعتبرت ان طريقة رفع ذلك الشعار كانت متوازية مع دقات القلب، ما اثار موجة من السخرية داخل وخارج المجلس. اما الثانية فكانت دخول الاطباء وحتى طلبة كليات الطب في اضرابات وحركات احتجاج قوية على مشروع قانون يلزم الشباب بالعمل طوال السنوات الثلاث الاولى بعد التخرج في المناطق الداخلية الاقل نموا وحظوة، التي انطلقت منها الشرارة الاولى للثورة.
القراءة المغلوطة والصبيانية للثورات، التي ترى فيها تقويضا اعمى ومجنونا لكل ما تدركه الحواس بلا تحسب لعواقب او حتى استعداد لتحمل الاعباء، والترديد المكرر لشعارات بدأت تفقد ألقها وعنفوانها الاول لقلة التطبيق على الارض، تجعلها في اعين كثير من الشباب ملكية حصرية مغلقة تتنكر لتضحيات ‘الشيوخ’ زمن الاستبداد، وتلقي عليهم وحدهم كامل المسؤولية عما يصيب الثورة من هزات او حالات اضطراب وحتى نكوص.
الخدمة بالمجان في الوزارة الجديدة لن تكون مفيدة للبلاد اكثر مما سيفيدها الكثير من الهدوء والاستقرار، ليتفرغ الجميع للبناء. ومتى توصل هؤلاء وغيرهم لفهم ذلك وتطبيقه فلن يكون هناك متسع من الوقت في المستقبل لاطلاق حملات بلا طائل او خوض معارك وهمية باسم ثورة فقدت بريقها وقد تفقد ايضا اذا ما تواصلت ازماتها ما تبقى من شبابها.

‘ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية