مشكلات التمويل لا يمكن الاستهانة بها وقد تؤدي إلى نمط من ابتزاز مقاعد انتخابية في البرلمان مضمونة للقوائم الحزبية.
عمان ـ «القدس العربي»: لا يرغب كثيرون في الحالة السياسية الأردنية هذه الأيام في رؤية قطار تحديث المنظومة السياسية وقد انزلق عن سكته ومساره عند أول محطة فيها انحناءة تعبيرية ستكون على الأرجح انتخابات البرلمان في العام المقبل 2024.
تزدحم الساحة بالسيناريوهات والخيارات.
لكن كل الأطراف اليوم بدون منازع تخشى الانزلاق ليس فقط بحكم تجربة العام الأول في الأحزاب السياسية وسلطتها داخل البرلمان المقبل، ولكن بحكم الوقائع المتغيرة على الأرض أولا بعد قانون الجرائم الإلكترونية المستحدث والمثير للجدل. وثانيا في ظل فوضى التمويل والسيولة النقدية التي تجتاح اليوم جميع الأحزاب الجديدة في حالة فيها استثناء واحد من سوء حظ المدرسة المتشددة في القرار والأحزاب الوسطية وهو حزب جبهة العمل الإسلامي.
مشاكل التمويل
مشاكل التمويل لا يمكن الاستهانة بها، يقر بذلك وبالحديث عن تأثيرها السلبي المحتمل قادة متحمسون لمشروع الأحزاب الجديد. ومن بين هؤلاء الذين سمعتهم «القدس العربي» في التحفظ والإقرار بوجود مشكلات في التمويل خالد البكار ونضال البطاينة وهما من أبرز المتحركين اليوم في فضاء تحديث المنظومة السياسية.
أقر أيضا متحمس كبير للتحديث هو رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات موسى المعايطة بأن الأحزاب الجديدة وعشية المشاركة في الانتخابات عليها تدبير شؤونها المالية ليس لان المال السياسي الداعم للأحزاب متاح.
ولكن لأن الضغط شديد على شريحتين يمكنهما إظهار الاهتمام ولديهما المال وهما الأثرياء الذين انضموا للأحزاب الجديدة ورجال الأعمال وأحيانا المقاولات بعدد أقل الذين يمكن ان يبادروا أو يطلب منهم تبرعات للعمل الحزبي.
المخصص الرسمي من الخزينة وفق شروحات المعايطة للأحزاب سيرتبط لاحقا بحصتها من مقاعد البرلمان، بمعنى ان الأحزاب التي لا تستطيع تجاوز العتبات الانتخابية لن تحظى بأي تحفيز مالي حكومي فيما بقي حزب المعارضة الأساسي والإسلامي في مقدمة الأحزاب التي تحصل بالاستحقاق القانوني على الدعم النقدي المخصص حتى قبل مشروع تحديث المنظومة.
مشكلات التمويل لا يمكن الاستهانة بها وقد تؤدي إلى نمط من ابتزاز مقاعد انتخابية في البرلمان مضمونة للقوائم الحزبية، بمعنى أن أفضلية الترشيح قد ترتبط بسبب نقص التمويل بمن يملكون المال أو لديهم استعداد لدفعه.
وتلك بكل حال فئة موجودة ولا يمكن إنكارها لكنها لا تمثل الشريحة المطلوبة لإطلاق ماكينة التحديث السياسي في تجربة البرلمان الأولى المقبلة بمعنى ان المال السياسي في إطار علاقة ما مع الانتخابات وخلافا لمنطوق ومضمون التحديث السياسي قد يكون أحد العناصر المؤثرة.
تلك نتيجة مؤسفة لأن جميع الأحزاب بدون استثناء اليوم تعاني من مشكلات في التمويل.
ولأن دعم ترشيح قوائمها في الانتخابات يتطلب نفقات أكثر خصوصا إذا كانت جديدة خلافا لحزب التيار الإسلامي الذي لا ينقصه المال في الواقع فيما حملاته الانتخابية مبرمجة على الصوت المسيس وهو صوت لا يحتاج لنفقات مالية أساسية أو استعراضية.
وبطريقة أو بأخرى ستتجاوز الأحزاب السياسية وان كان بصعوبة لاحقا المطبات المالية لكن الايقاعات والمناخات التي تعيقها لا تقف عند هذه الحدود.
عليه يمكن القول إن محطة التمويل واحدة من التحديات في طريق العمل الحزبي. لكنها ليست الأصعب، فالأحزاب السياسية النشطة الآن بطريقة هوسية ينبغي لها ان تخاطب الناخب الأردني بسقف زمني لا يزيد عن عشرة أشهر وفي فضاء تنافسي مفتوح مع أحزاب عميقة متمرسة في لعبة الانتخابات أبرزها حزب جبهة العمل الإسلامي الذي يصر قياديون فيه وعلى رأسهم الأمين العام الشيخ مراد العضايلة على حقوق المواطن الأردني في انتخاب ممثله بحرية وبأقصى منظومة نزاهة مقترحة.
المنافسة محتدمة
حزب الجبهة واضح انه جاهز للانتخابات ورهانه على خطاب يرفع نسبة التصويت جماهيريا حتى يصبح التدخل بعمليات الفرز والانتخاب أصعب أو مكلف أيضا، فيما المنافسة محتدمة على حصة المقاعد الحزبية بينه وبين 4 أحزاب سياسية أخرى مشاكلها تبدأ من نقص التمويل وتنتهي بطموحات رموزها بالتصدر وتعبر بحواضنها الاجتماعية وقدراتها على التأثير فيها.
الأهم عشية الانتخابات على جبهة أحزاب الوسط التي تستطيع الاستمرار في الفطام عن دعم الدولة. تلك طبعها مهمة معقدة قليلا ولإنجازها لا بد من نسبة تصويت مرتفعة محظورها الوحيد أن التيار الإسلامي يستفيد منها لكن العزوف المتوقع عن التحديث والانتخابات معا يطل برأسه وسط الجمهور متأثرا مرة بالوضع المعيشي الصعب والإحباط العام ومرات بالتشكيك بمصداقية المسار نفسه.
وأغلب التقدير أن القانون المستحدث للجريمة الإلكترونية دفع مسار التحديث إلى الخلف.
لكن مساحة ذلك التراجع متباينة حتى الآن في التقدير فيما صفوف الأحزاب الجديدة مرتبكة قليلا وصفوف القديمة المتمرسة باليسار واليمين تجلس على الرصيف لمراقبة المشهد وفي نيتها تسليط الضوء على النواقص والإعاقات وإقامة الحد أمام السلطات والناس ضد تيار نافذ في دوائر القرار يبحث عن أفضل صيغة هندسة ممكنة.
الأحزاب تعمل وهي مرهقة اليوم في سياق هذه التداعيات.