غدت أيادينا ملطخة بالدماء، وأجسادنا غارقة في مستنقعات جمة لونها أحمر قاني، والرؤوس تستنشق الكراهية ليل مساء. نحاول مرات شتى أن نروي ظمأنا، فلا نشرب إلا ما فسد مذاقه. تشرق شمسنا على أرواح مسفوكة، وتغرب تاركة وراءها ليل عبيره رائحة الدم. القدرة على اختيار ما نستنشقه، وما يتناهى إلى آذاننا تكاد تكون معدومة، والنتيجة الحتمية هو تشبعنا بما هو غير مرغوب. في ظل كل ذاك، بتنا نحتاج بشدة لمناسبة تذكرنا بما فقدناه. فالاحتفال بأيام معدودات رمزها الحب لا يتجاوز عن كونه ضرورة للبقاء والاستمرار. ونحن هنا لا نتكلم عن خلفيات تاريخية ولا فتاوى دينية، بل عن العتبة الأولى التي انزلقنا عنها. العتبة التي نواجهها كلما نظرنا إلى المرآة، وصادفنا ملامح وجوهنا، وأبحرنا فيما خلف العيون، ألا وهي الإنسانية.
أن نشعر بالحب، ونعيش حالته، ونتصادق مع أعراضه، ليس بالتجربة السهلة لكنها فيها اللذة التي تبقي القلب نابضاً، والعروق ساخنة بدفق أنهار الكون وأجرامه. أن نكون على قيد الحياة، لا يعني أننا نرفل بالنعيم الكامن فيها؛ فالأموات الأحياء كثر، والأجساد الميتة التي تسير من حولنا يصعب عدها وإحصاؤها. أن نحب، فذلك ليس محصوراً فقط بمعشوقة جاد الزمان بها؛ بل بأجزاء الكون من حولنا من جماد وكائنات مختلفة. فمن متلازمات عصرنا الحالي أننا ربطنا الحب عنوة بما هو محرم، فأصبح منبوذاً على حين غرة. لكن الفيصل الحقيقي في تحبيذه أو نبذه هو طريقة ممارسة هذا الحب، وإظهار مكنوناته. ويطفو السؤال الأزلي على السطح ألا وهو لماذا نحب؟! لعل الإجابة الفضلى تتمحور حول ذواتنا! فعندما نحب، نحن نقترب من حقيقة أنفسنا أكثر، وتتفتح العيون على الجوهر الذي غطته ترسبات العيش وكدره. نصبح على تماس مباشر مع القلب الذي يدق، وبؤبؤ العين الذي يتسع في النور، والأذن التي تسعد حال سماعها طيب الكلام. فالحب يخلق في داخلنا أنهاراً جارية ما كانت في الأمس، وتتحطم على وقعها السدود التي بنيت حجراً حجراً على مر السنين الطويلة، ويضحي كل ما حولنا له مذاق خاص. أن نذوب عشقاً في الخالق يكشف أبعاداً جديدة، وأراض مجهولة، وأشجاراً وارفة الظلال. أن نحتسي شربة ماء بحب ينبغي عندها حتماً أن نقدر النعمة التي نحن بصددها. أن ننظر إلى الأم والزوجة بعين الحب قبل عين الواجبات كفيل بإنشاء بيوت يعمرها الدفء. كل ما سلف يجعلنا أصدقاء أوفياء مع أرواحنا، ويجدد عهد الوثاق والوفاق مع رغباتنا وأحلامنا.
في إحدى المحاضرات الجماهيرية، فاجأ المحاضر الحضور بطلب غريب غير مألوف، وهو أن يحضن كل شخص نفسه، ويفصح لها عن حبه. كما هو متوقع، الطلب كان مستهجناً وانصرف عن سماعه جمع ليس بقليل، وحجتهم أن ما تفوه به ليس أكثر من ترهات. وبعد حثهم وتشجيعهم، حضنوا أنفسهم! والعبرة المستقاة التي أراد المحاضر إيصالها أن حب النفس بات جريمة لا تغتفر، ومعظمنا يمارسها في الخفاء خوفاً من انتقاد أنانية هنا أو هناك. إنما الواقع أن حب النفس هو لبنة الأساس لكل ما يتبع، حتى الإيثار ما هو بمعزل عن هذه الحقيقة. فالحب هو العطاء قبل الأخذ، وهو البذل والتضحية الغراء في سبيل ما نؤمن به. ومتعة المحب تكون في رؤية الابتسامة البيضاء الخالصة النقية على وجه من أحبه، وتزيد سعادة المحب أكثر عند علمه أن عطاءه هو السبب.
وإذا تأملنا في حال وسائل التواصل الحديثة وأثرها على تغير حاضرنا، نجدها أفادت الحب في جانب وأضرته في جانب آخر. فهي قصرت المسافات وأطالتها في آن واحد. قبل عدة سنوات، كان الحب يتلخص في لهفة انتظار الأجابة، ونضوج مشاعرنا على نار هادئة ترقباً لساعي البريد يطرق الباب ذات مساء. ولعل في قصة حب جبران ومي زيادة خير دليل على ذلك. لم يجتمعا يوماً تحت سقف واحد، وعشق كل منهما للآخر قوامه الإحساس بالحروف والكلمات، والتشوق لسماع خبر سار في ليلة قمراء.
فالحب ليس خطيئة تستدعي التوبة لفعلها، ولا ذنباً يتركنا سجناء في زنزانة الندم والأسى، ولا حتى نقمة نتجنب الوقوع في براثنها. وأفضل ما يمكن أن يحصل لأحدنا أن يتفيأ بظلاله، ويترك الفرصة لمادة روافده أن تتدفق في شرايينه وأوردته، وأن تمد الحياة لأطرافه. ما نبتغيه حقاً أن تورق أغصاننا اليابسة، وأن نزهر بماء الحب راضيين مرضيين، طوعاً أو كرهاً ، كي يفوح عبير أرواحنا عبر الآفاق.
حسام خطاب – الأردن