الكاتب ايل ميغد دعا هنا (“هآرتس”، 16/8) رئيس الدولة إسحق هرتسوغ، للوقوف علناً ضد رئيس الحكومة نتنياهو، الذي يتمسك بالحكم ويستخدم بشكل مدمر أدوات ووسائل يتيحها له، مثل إدارة حرب دموية لا نهاية لها والتخلي عن المخطوفين ليموتوا، بهدف بقائه الشخصي والسياسي والقانوني. حسب أقوال ميغد، فإن ما يمنع رئيس الدولة من “دعوة رئيس الحكومة إلى الالتزام بالنظام، الذي يضع مصالحه الشخصية فوق مصالح الدولة”، هو مبدأ الرسمية الذي يعتبر موقف رجل الدولة، الذي يرى أن من واجبه التمسك به. هو لا يريد أن يظهر كرئيس معارضة، بل كرئيس دولة.
تصعب الموافقة على هذا التقدير، فقد بات واضحاً لرجال بارزين في اليمين أن نتنياهو يهدف لإطالة الحرب بدون هدف عسكري، ولا نريد التحدث عن هدف سياسي.
الكثير من الإسرائيليين، اليمين واليسار والوسط، يعتبرون أن الشخص الذي رهنوا سلامتهم وأمنهم بيده، يهتم بالحفاظ على حالة الطوارئ لفترة طويلة، تسمح له الهرب من تحمل المسؤولية عن كارثة 7 تشرين الأول، وحتى تأجيلها إلى إشعار آخر – “انتظروا وسترون أي كارثة يقوم بإعدادها لنا في شهادته في 2 كانون الأول – محاكمته الجنائية. الأمر الوحيد الذي يمنع هذا الجمهور من الخروج إلى الشوارع ليس وضع الحرب، بل بالأساس نوع من الشلل العقلي الذي ينبع من رفضه تصديق ما يشاهده، وهو أن رئيس حكومة إسرائيل وبحق قد قرر تدمير الدولة اليهودية ومؤسساتها ويزهق حياة مواطنيها من أجل مصالحه الشخصية ومصالح عائلته.
من غير المعقول أ رئيس الدولة لا يدرك بأن حالة الطوارئ الخاصة الموجودة الآن “الرسمية” تعني بالضبط ما يقوله ميغد له: بذل كل ما في استطاعته لإنقاذ الدولة من الشخص الذي فقد التوازن الموضوعي، وهو يشكل خطراً فورياً على مستقبلها ومواطنيها، من اليمين واليسار على حد سواء. لذلك، لا مناص من الموافقة على تفسير أوري مسغاف هنا (“هآرتس”، 15/8)، وهو أن هرتسوغ انتخب لمنصب رئيس الدولة بفضل نتنياهو، لذلك هو “في جيبه” الآن.
يضاف إلى ذلك، أن لو كان لهرتسوغ رؤية حقيقية حول مستقبل الشعب والدولة لأوجد فيها قوة روح كي يتملص ويهرب من جيب الشخص الأكثر حقارة في تاريخ الشعب اليهودي، كما سماه هنا وبحق نحاميا شترسلر. ولكن للأسف الشديد، الوضع ليس هكذا؛ فهرتسوغ شخص مثقف، ذكي، يكتب ببلاغة وعمق في النقد الأدبي – وهو المشهد النادر جداً بين السياسيين الإسرائيليين الآن – وهو ابن عائلة يهودية وضعت بصماتها عميقاً في تاريخ شعب إسرائيل في القرن الماضي. ولكنه ليس رجل رؤية. الجزء الوحيد في الرؤية الذي أظهره سابقاً هو شكواه عندما كان رئيس حزب العمل ورئيس المعارضة (2016)، حين رأى أن الجمهور يعتبر أعضاء حزب العمل “عاشقين للعرب”، وأن عليهم التوقف عن منح الإسرائيليين هذا الإحساس.
ربما لم يترك هرتسوغ هذا الفهم حتى الآن، وربما يمنعه هذا الفهم من الوقوف ضد نتنياهو علناً. لأنه حتى الآن وبعد أن أنزل علينا الكارثة الأكبر في تاريخ الشعب اليهودي منذ الكارثة، من خلال التمويل غير المباشر والممنهج لقتلة حماس، ما زال هناك قطيع غير صغير من الأتباع المجانين الذين يستمرون في رؤيته “السيد أمن”، الذي هو أفضل شخص يدافع عنا من المارق العربي.
لا نأمل في هرتسوغ أن ينقذنا من نتنياهو. وكما أحسن مسغاف في وصف ذلك، فإن الطريقة العملية الوحيدة لإنقاذ إسرائيل من نتنياهو هي أن يقف وقوف أمامه، بشكل علني وموحد، كل من وزير الدفاع ورئيس الأركان ونائبه ورئيس “الشاباك” ورئيس الموساد وقائد سلاح الجو ورئيس “أمان”، ويطلبوا منه الإعلان عن عدم الأهلية وتقديم الاستقالة. هناك من يقولون إن الأمر يتعلق بالدعوة إلى انقلاب عسكري ضد رئيس حكومة منتخب، خلافاً لنظام الديمقراطية. هذه ديماغوجيا رخيصة لا أساس لها؛ فلا أحد يخطر بباله، مثلما في الأنظمة الظلامية، أن يقوم جنود الجيش باعتقال رئيس الحكومة وتولي الحكم في الدولة بالقوة، إنما المطلوب الوقوف في وجه نتنياهو الذي أفشل “مرة أخرى” الصفقة التي تجري المفاوضات عليها الآن لإطلاق سراح المخطوفين وإعلان وقف النار، وعندها سيعقد المستوى الأمني الأعلى مؤتمراً صحافياً في زمن ذروة المشاهدة، وسيعرض على الجمهور بشكل مفصل وملموس، مع الحرص على الحفاظ على أسرار الدولة بالطبع، كيف تسبب نتنياهو وما زال يتسبب بشكل ملموس في استمرار الحرب بدون جدوى أمنية؛ وكيف أنه أفشل ويفشل عقد صفقة تبادل المخطوفين؛ ولماذا سيؤدي تمسكه بدفة الحكم إلى دمار شامل للدولة.
عندما يعرض رؤساء جهاز الأمن على الجمهور رؤيتهم الأمنية المهنية، ربما حتى قبل البدء في إجراءات عدم الأهلية، فإن هذا الجمهور الذي يجلس الآن في البيوت في حالة شلل وصدمة ويظن أن ما يشاهده مجرد كابوس سيتلاشى، سيخرج إلى الشوارع وسيبقى هناك إلى أن يستقيل الشخص الأخطر على مستقبل الدولة ومواطنيها. وعندها سينضم رئيس الدولة إسحق هرتسوغ إلى الاحتجاج للوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.
ديمتري شومسكي
هآرتس 21/8/2024