حتي أوروبا ليست بريئة من دماء اللبنانيين والفلسطينيين

حجم الخط
0

حتي أوروبا ليست بريئة من دماء اللبنانيين والفلسطينيين

د. محمد نعمةحتي أوروبا ليست بريئة من دماء اللبنانيين والفلسطينيين إن ما يتعرض له اللبنانيون والفلسطينيون ما هو إلا جرائم حرب واغتصاب منهجي لقواعد القانون الدولي ومعاهدات جنيف بخصوص الحروب. إن إسرائيل المعتمدة علي سند امريكي صلب في حربها ضد هذين الشعبين وجدت لدي أوروبا الدول و أوروبا الموحدة عونا إضافيا ليساعدها علي تأكيد سيطرتها وتثبيت نظرتها لنواحي الصراع. وما المناورات الدبلوماسية الأوروبية والامريكية لصياغة إطار قانوني أممي يشرعن غطرسة المحتل ويقيد الشعبين الخاضعين للاحتلال إلا تعبيرا واضحا علي انحيازها المخيب لآمال الكثير من العرب ومن الأوروبيين. إن أداء أوروبا الحالي جاء تتمة لما قامت به قبلا في قمة الثماني في سان بطرسبورغ، بحيث أن آلة الحرب الإسرائيلية لم تكتف بالدعم غير المحدود لأمريكا وإنما أيضا قد كسبت شرعية أوروبية في تكثيف ونشر حممها علي اللبنانيين. هذا ولو بدا بعض التمايز في مواقف الدول الأوروبية من النزاع، بحيث أن البريطانيين كانوا كعادتهم متشبثين خلف اندفاعية الولايات المتحدة في تأييدها المطلق لإسرائيل بينما الفرنسيون كانوا متحفظين علي كمية العنف وعلي عدم تصويبها علي البنية التحتية للدولة .إن الانحياز الأوروبي المؤسف شمل أيضا مرحلة الانتخابات الفلسطينية ونتائجها السياسية في 25 كانون الثاني/ يناير 2005، والتي أتت بما لا يشتهي العديد من القوي الإقليمية والدولية، ومن بيـــنها أوروبا والتي أخذت تتعامل بعد أسبوع من الانتخابات بعقلية انتقامية وانفعالية ولا تمت بصلة لمنطق الديمقراطية واحترام أصوات المقترعين وخياراتهم.فإذ بالاتحاد الأوروبي يحرم أي اتصال رسمي أو دبلوماسي مع الحكومة المنتخبة لتوها، ثم بدأت بتبني وبفرض سلة شروط امريكية إسرائيلية اقل ما يقال عنها بأنها سوريالية، من جهة يطلبون أن تكُفّ حماس عن ممارسة الإرهاب وهي الحركة التي أوقفت قبل استلامها للسلطة بسنة كل العمليات الانتحارية وذلك منذ 25 كانون الثاني (يناير) 2005 داخل الخط الأخضر، لا بل انها قد توقفت عن كل فعل عسكري في قطاع غزة بعد انسحاب إسرائيل منه. ثم طلبوا من الحكومة المنتخبة التقيد وتنفيذ خارطة الطريق التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية من ذي قبل والتي رمتها إسرائيل في سلة المهملات وخاصة عندما قال السيد اولمرت قبل الانتخابات الفلسطينية بان خارطة الطريق هذه قد ماتت. هنا أن أوروبا الموحدة قد استسلمت لقدرها الامريكي فإذ بها تشرع وتشارك في حصار وتجويع الفلسطينيين الذين انتخبوا وقاموا بتحقيق أفضل تجربة ديمقراطية حديثة في العالم العربي من حيث الشفافية والرقابة وتقبل المحصلة السياسية لها. ان أوروبا قد ضربت بعرض الحائط بمبادئها وبنظام قيمها مُنزلة العقوبات علي الفلسطينيين لأنهم صوتوا بغير ما يشتهي الغرب، نافضة يديها من كل ما يقترفه الاحتلال من انتقاص للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان.إن هذه الوضعية المضطربة واللامنطقية لأوروبا تجاه قضايا الشرق الأوسط لا تؤسس لعلاقات مستقبلية واعدة، وخاصة إذا تذكرنا أيضا تخبطها وعجزها عن مواجهة اجتياح العراق بموقف واحد وحازم. فإذ بها تنقسم أيضا بين غاز ومتفرج ثم يتحول هذا الانقسام في مرحلة الاحتلال بين محتل وبين صامت عنه. إن العجز الأوروبي ليس هو بانقسامه بين تيار أطلسي وتيار استقلالي، بين أوروبا كهوية وككينونة مميزة وبين أوروبا ذات السقف الغربي الذي يميزها ويشدها إلي واشنطن. فبرغم أن هذا الانقسام هو فاعل ومؤثر إلا انه لا يمثل أساس المعضلة الأوروبية. إن العجز السياسي لأوروبا الموحدة يعود أولا لافتقارها لمؤسسات وأدوات ورؤية موحدة ومستقلة، وثانيا لعدم قدرتها علي تشييد تسويات بنيوية داخلية تساعدها علي صياغة جديدة لأفكار ورؤي مبتكرة وخلاقة وذلك من اجل رقيها هي و/ أو من اجل محاصرة عوامل وبؤر التوتر المحيطة بهذه القارة. إن الالتصاق البريطاني بالأداء السياسي وباستراتيجية الولايات المتحدة سواء بالنسبة لأوروبا ومستقبلها أو بالنسبة للشرق الأوسط ومأزقه ليس هو عامل الانقسام هذا ولكنه عارض للعجز الأوروبي عن تحديد رؤية راهنية أو مستقبلية ومنتجة علائقيا. ثم إن عدم التميز عن الامريكيين لا بل تبعيتها السافرة لهم لا يعبر عن وهن أوروبا الموحدة فقط وإنما أيضا عن نظرتها المتناقضة لأمريكا ولقضايا العرب. إن المفارقة تظهر عندما تتحمس أوروبا لان تكون حاضرة وفاعلة في ملفات المنطقة وذلك لعدم تخلية المكان للمنافس الامريكي، ولكن بنفس الوقت تجد ذاتها رهينة الدور المطلوب منها امريكيا لا بل انها تجد نفسها ـ كما هو حاصل حاليا ـ أسيرة سيطرة إسرائيل ونظرتها للشرق الأوسط. إنها تسعي جاهدة بان تثبت أقدامها في ارض العرب ولكن من خلال الشروط الامريكية والإسرائيلية، وهذا ما يفقدها الكثير ليس من مصداقيتها كطرف مستقل وحسب وإنما أيضا من فاعلية تأثيرها.إن تخبط أوروبا الموحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط يعكس بوضوح خواء جعبة أوروبا من حيث العروض أو الحلول السياسية الخلاقة أو الجديدة والتي بها يمكنها أن تقوم بدينامية معينة وكوسيط فعلي تجاه القوي المتصارعة في هذه المنطقة. إن قدرات أوروبا تكمن عمليا في موقعها ومكانتها ومشروعها كوسيط، لكن الإشكالية هي بأنها لم تستطع إلي الآن أن توظف وتستثمر هذا الدور المطلوب. إنها حبيسة مراوحة اقل ما يقال بأنها مريحة للامريكيين ومؤذية لشعوب الشرق الأوسط ومتعبة للشعوب الأوروبية من حيث أنها تتكرس بنظر مواطنيها كالبقرة الحلوب دون مردود، وبنظر الشعوب العربية كتابع للإدارة الامريكية المنحازة دائما. باختصار وبكثير من الإحباط نقول بأنه أمام هذا السيل من الدماء اللبنانية والفلسطينية الغزيرة فان أوروبا لم تستطع وللأسف إنتاج إلا ما هو أصلا منتوج أمريكي وإسرائيلي. ہ مدير مجلة مدارات غربية ـ باريس8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية