تطل علينا الذكري السادسة لليوم المشؤوم الذي دخل التاريخ بواسطة آلة الاعلام الأمريكية الهائلة تساندها آلات الاعلام العربية التابعة والمهرولة والتي تتكسب من وراء تضحيم هذا الحدث وترسيخ ذكراه في الوعي الجمعي العربي والاسلامي، عن قصد وعن غير قصد، مساهمة بهذه الطريقة في تحقيق أهداف الادارة الأمريكية ومن يقف معها، في خلق عدو جديد، بعد الشيوعية، ترتكب باسم الحرب عليه كل الخروقات لكل ما عرفه العالم الحديث من مبادئ أخلاقية وقوانين انسانية وأساليب سياسية تعارف عليها العالم وكان يحاول من خلالها تحقيق التعايش السلمي بين أممه المختلفة.
لقد قيل ان التاريخ سيتغير بعد هذا الحادث وان شيئاً لن يبقي كما كان عليه، وهذا كله كذب، فالتاريخ لا يخضع للطغاة المجانين الظالمين الذين يتشبهون بالآلهة أو يظنون أنفسهم أنصاف آلهة، التاريخ له سننه وقوانينه الثابتة التي لا تتغير. ان ما نراه من تغيير ما هو الا محاولاتهم لتغيير سنن التاريخ وهي ستفشل بكل تأكيد مهما بدا للناس من قوتها وصرامتها وبطشها وتجبرها وحمقها، فسنن الله تقتضي التدافع والتنوع ولا تسمح بغلبة الباطل الي الأبد، وسنن الله تقتضي الابتلاء والامتحان ولكنها لا تسمح بزوال الحق، وسنن الله تقتضي المد للظالم ولكنها لا تسمح بدوامه ولا بدوام ظلمه. قد يتساءل القارئ لماذا تكتب وتذكر اذا بهذا الحدث وتصر علي ألا ننساه؟ الحقيقة أنني أكتب عن يوم الثلاثاء الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وأكتب لأذكر بجريمة كبيرة حصلت في هذا اليوم ولكنني لا أكتب عن السنة الأولي بعد الألفين وانما عن عام 1973. في هذا اليوم من ذلك العام حصلت جريمة كبري راح ضحيتها ثلاثة آلاف انسان علي الأقل وقُلب فيها نظام حكم ديمقراطي واستبدل بأبشع نظام ديكتاتوري عرفته تلك البلاد وقتل الرئيس المنتخب من الشعب واستبدل بقائد الجيش الذي أثبت فيما بعد أنه مجرم من الطراز الأول بدليل أن هناك دولا أوروبية ظلت تلاحقه قضائيا حتي يوم وفاته. انني هنا أكتب عن تشيلي ذلك البلد الذي نكب بتسلط الجنرال بينوتشيه الذي مات نهاية العام الماضي بعد أن حكم التشيلي بالنار والحديد، وقتل وشرد واعتقل من أبنائها عشرات الآلاف، هذا الدكتاتور الذي لم يجد مكانا للسجناء فاضطر لتحويل أكبر ملعب لكرة القدم هناك الي سجن، الدكتاتور الذي لاحقته الدول الأوروبية مثل فرنسا وانكلترا بسبب اختفاء مواطنيها في التشيلي في عهده الميمون.
في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام ثلاثة وسبعين قامت جماعة ارهابية بتدبير وتمويل هذا الانقلاب علي الدكتور الطبيب سلفادور اللندي الذي انتخبه شعب التشيلي في انتخابات ديمقراطية نزيهة، هذه الجماعة اسمها سي آي ايه، لم يطاردها أحد ولم يلجأ رؤساؤها الي مغاور تورا بورا ليختفوا، فهم أبطال دوليون تكرمهم حكومتهم في كل سنة ويرفعوا الي أعلي المناصب كلما زادت جرائمهم وكلما كثر قتلاهم، الجماعة لم تصنف مع الجماعات الارهابيــة لأنـــها هي الوحـــيدة التي لهــا حـق تصنيف الجماعات والأحزاب والجمـــعيات واــلدول. أما الذي أعطي الأمر بتنفيذ هذا الانقلاب فهو وزير خارجية أمريكا حينذاك السيد هنري كيسينغر الذي كوفئ بجائزة نوبل للسلام في نفس العام. منفذ العملية لم تطارده دول العالم ولم يعتبر الارهابي رقم واحد في العالم، لأن الناس الذين قتلوا في تشيلي ليسوا من نفس جنس الناس الذين قتلوا في نيويورك ولأن قصر الرئاسة والبيوت الأخري التي دمرت في سانتياغوا لا تساوي برجي نيويورك ولأن دولة تشيلي ليست بأهمية دولة أمريكا العظمي. بعد مجزرة التشيلي ومقتل سلفادور اللندي لم تشن التشيلي حروبها الاستباقية ولم تحتل أمريكا لتطهرها من عصابات الاجرام ومن الأسلحة النووية، ولكنها انكفأت تلعق جراحها وتعد قتلاها بصمت وتتطلع الي يوم الخلاص من هذا الدكتاتور الذي جثم علي صدرها الي أن نالت جزءاَ من استقلالها بعد سبع عشرة سنة.
لا أدري ان كانت فضائيات العرب والمسلمين ستركز هذا العام علي أحداث ايلول (سبتمبر) ولكن الحري بها ان أرادت هذا أن تعتمد سنة 1973 بدلا من 2001 لأنها الأحق بالتذكر والتذكير فعادة يجب التذكير بما هو منسي لا بما هو حاضر في أذهان الناس ليل نهار. أمير أوغلورسالة الكترونية6