لفهم الحالة الإسرائيلية الحالية والأحداث الجارية في هذه الأيام، نكتب هذا المقال بطريقة سؤال وجواب تبسيطا للواقع المركّب خاصة لمن هو بعيد عنه.
1. ما المقصود بـ «حجة المعقولية» التي ثارت في هذه الأيام في الشارع الإسرائيلي وأدت إلى هذه الموجة من الاحتجاجات علما أن هذا القانون جوهري خطير بحد ذاته لكنه يشق الطريق أيضا للمزيد من القوانين المشابهة الرامية لإضعاف الجهاز القضائي؟
«المعقولية» من المعقول وهو المنطق السليم، و«حجة المعقولية» في المفهوم الإسرائيلي هي: الحجة التي تستند إليها المحكمة الإسرائيلية في ممارسة الرقابة والتدخل في القرارات الإدارية والحكومية التي يتخذها الجهاز الإداري أو التنفيذي أو السياسي في إسرائيل.
ومن خلال هذه الحجة يفحص الجهاز القانوني، وخاصة محكمة العدل العليا الإسرائيلية، القرارات بمنظور المنطق السليم، وهذه الحجة تعتمد بالأساس على أخذ كافة الاعتبارات ذات الصلة في القرار وتقدير وزن كل اعتبار بالشكل الصحيح، فإذا اختل التقدير أو لم توزن الاعتبارات بشكل صحيح قد يبطل القرار، هذه العلة لم تنظم نصاً في القانون الإسرائيلي وإنما هي نتاج قرارات المحكمة العليا الإسرائيلية التي هي بمثابة تشريع يجب الانصياع لها.
1.ما هو الخلاف بين الأطراف المتناحرة؟
أولا وقبل كل شيء فإن الأطراف المتنازعة هي المجموعات الدينية المتطرفة والليبرالية اليمينية وليس خلافا بين اليمين واليسار كيفما يشاع.
الموالون والمناصرون لهذا القانون (إلغاء «حجة المعقولية») وما سيتلوه من قوانين مكملة لها يعتبرون أنه أحد الأدوات القانونية الضرورية لممارسة الرقابة القضائية على الجهاز الإداري والتنفيذي والتشريعي، ولحماية الحقوق الأساسية للمواطنين من تغول السلطة الرسمية، وحماية الأقليات وحقوق الإنسان، وهو جزء من الأدوات القانونية التي تحمي مبدأ سلطة القانون، وخاصة في ظل غياب دستور إسرائيلي، ويعتبرونه ضروريا من أجل مبدأ التوازنات والفرامل بين السلطات المختلفة، كون أن الجهاز القضائي الإسرائيلي، بمفهومهم، يحتكم إلى القانون بدون أي اعتبارات سياسية أو حزبية، ويعطي المحكمة العليا الإسرائيلية مساحة للأخذ باعتبارات أوسع من الاعتبارات الحكومية / الحزبية الضيقة.
المعارضون لسريان مفعول هذه العلة يعتبرون أنها تقيد العمل الحكومي والإداري، وتؤدي إلى إعاقة وتعطيل عملهما، وبسببها تم التراجع عن الكثير من القرارات الإدارية الضرورية لعمل الحكومة، كما ويعتبرونها إحدى أدوات السيطرة الموجودة بيد الأقلية «النخبة» في المجتمع الإسرائيلي التي من خلالها يسيطرون على الحياة العامة في الدولة، ويعتبرون ممارسة هذه العلة على يد المحكمة خللا في مبدأ الفصل بين السلطات، وتدخلا في قرار الناخب الذي اختار الأغلبية وشكل حكومة ويسعى إلى تمرير مخططاته كما يراها مناسبة، كما ويعتبر أن النظام الديمقراطي يتيح له سن القوانين التي يراها دون تدخل من الجهاز القضائي ويعتبر انه يمارس حقه في الحكم.
2.لماذا كل هذه الاحتجاجات على هذا الموضوع؟
أولاً: لأن إبطال تقييد حجة المعقولية أو تقييدها يعتبر خطوة أولى في سلسلة خطوات تقوم بها الحكومة ستؤدي إلى تغيير نظام الحكم في إسرائيل، من نظام حكم ليبرالي ديمقراطي، يستأنس بالمفاهيم اليهودية، إلى نظام حكم ديني يهودي يركز بالكامل على المفاهيم اليهودية الدينية التلمودية ذات المفهوم الصهيوني، بمعنى آخر تشكيل حكم ديني يهودي حسب ما يراه الحاخامات اليهود الذين يشكلون المرجعيات الدينية للأحزاب اليهودية.
ثانياً: الخطوة التالية ستكون تقييدا لصلاحيات المستشارة القانونية للحكومة، وتشكيل لجنة تعيين قضاة موالين للحكومة تستطيع الحكومة من خلالها تعيين القضاة الموالين لها وخاصة في المحكمة العليا، والذين يؤمنون بعقيدتها؛ وبالتالي تنفيذ سياساتها القضائية على أرض الواقع.
ثالثاً: تقييد عمل المستشارين القانونيين في الوزارات المختلفة أو إعطاء صلاحية تعيينهم للوزير نفسه؛ وبالتالي تجاوز القيود القانونية التي تنظم عمل الوزارات وعمليات اتخاذ القرارات، والتي من المفروض ان تحتكم إلى القانون وليس إلى القرار السياسي.
رابعاً: الصراع الطبقي بين «النخب» الإسرائيلية التي بيدها مراكز القوة وتشكل الدولة العميقة والتي تسعى بكل قوتها إلى استمرار سيطرتها على المقدرات والموارد والقرار، وبين المجموعات اليهودية المهمشة التي ازدادت قوتها في السنوات الأخيرة – بسبب عمليات التغيير الاجتماعي والديموغرافي التي حدثت في إسرائيل- والتي تسعى بكل قوتها إلى إحكام سيطرتها على الجهاز الإداري الإسرائيلي بعد أن وصلت إلى سدة الحكم.
خامساً: من ناحية نتنياهو فهو يعلم جيداً أن الدولة العميقة قامت بملاحقته، وفتحت عليه عدة ملفات جنائية من أجل إجباره على الاستقالة، وفي حال تمت إدانته في هذه الملفات، أو في بعضها، فإنه معرض للسجن الفعلي لعدة سنوات، وهذا ما يثير مخاوفه بشكل كبير.
سادساً: اليمين الإسرائيلي يعتبر أن الفرصة سانحة أمامه من أجل حسم الصراع مع الفلسطينيين، وهو يسابق الزمن في تنفيذ مخططاته، ويعتبر أي عرقلة في تنفيذ هذه المخططات يسحب من بين يديه هذه الفرصة، التي لن تعود له مرة أخرى، ويعتبر أن المحكمة الإسرائيلية بما فيها المستشارة القانونية للحكومة والمستشارين القانونيين للوزارات المختلفة عراقيل يجب التخلص منهم.
سابعاً: سعي الأحزاب الإسرائيلية الحريدية إلى حسم مسألة التجنيد في الجيش الإسرائيلي، وبلورة إعفاءهم من التجنيد في قانون أساس يمنع المحكمة التدخل فيه، وهذا جانب آخر في هذا الصراع الدائر بين المجموعات الإسرائيلية المتناحرة، كون هذه المجموعات لا تشارك الخدمة في الجيش ولا تعمل، وبالتالي هي فقط مستهلكة للموارد الإسرائيلية دون أن يكون لها أي دور في الإنتاج، وينحصر دورها في دراسة التوراة في اليشيفوت.
ثامناً: كلا الطرفين ينظران إلى مآلات هذه القرارات على الصراع القائم بينهما، وبما ان الخلاف عميق وبنيوي بين منهجين منفصلين لا يلتقيان، فإن كل طرف مقتنع أن أي تراجع من طرفه يفقده إمكانية الاستمرار في ظل ظروف الطرف الآخر؛ ولذلك يبدي الطرفان إصرارهما على حسم الصراع لصالحه.
3.أين فلسطينيي الداخل من هذا الصراع؟ ولماذا لا نسمع لهم صوتاً؟
حجة المعقولية التي يتغنى بها الليبراليون الإسرائيليون لم تكن سارية المفعول في قرارات المحكمة العليا بخصوص القضايا التي تتعلق بالعرب، وفي السنوات الأخيرة سن الكنيست الإسرائيلي الكثير من القوانين العنصرية التي صادقت عليها المحكمة العليا ولم تتدخل في حماية حقوق العرب الأساسية، وهي التي أعطت الشرعية القضائية للكثير من القرارات والقوانين العنصرية وخاصة قانون يهودية الدولة (قانون القومية)؛ الذي يعطي الأفضلية العرقية اليهودية على سائر البشر.
كل هذه السياسات التي يتخوف منها المحتجون مارستها الحكومات الإسرائيلية على العرب بأقصى صورها، وما يعانيه المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل اليوم هو نتاج هذه السياسات التي تعاونت فيها الأحزاب المتطرفة والليبرالية الإسرائيلية في السابق (أطراف النزاع اليوم).
لا شك انه سيكون هناك تغول أكبر على العرب ووجودهم وستسود سياسات الاستباحة على العرب بشكل أكثر من السابق.
4.هل يمكن حل هذا النزاع بين الأطراف المتصارعة؟
الصراع بين الأطراف الإسرائيلية المتصارعة صراع جوهري وعميق، وما حصل في الأشهر الأخيرة زاد الفجوة بين هذه المجموعات وخاصة بعد فشل الحوار بينها واستعمال قوة السلطة من طرف الحكومة والاحتكام إلى الشارع من طرف المعارضة، وبسبب عدم توفر أرضية لتوافقات بين الأطراف، نظراً لطبيعة الصراع، يبعد أي توافق مستقبلي بينها.