يكرر نيكوس كازنتزاكيس سرد قصة غريبة في سيرته الذاتية، كما في روايته “زوربا”.
في “تقرير إلى غريكو” (الذي هو دومينيكوس ثيوتوكوبولوس، 1541-1614، سلفه رسام عصر النهضة المسمى بالإغريقي والذي ولد في كريت، الجزيرة التي ولد فيها الكاتب اليوناني الشهير) يذكر كازنتزاكيس، بداية، الخلفية التاريخية للحادثة: “كان العالم على أبواب الفناء”.
أما الراوي في “زوربا” فيقول إنه، تلقى برقية حين كان في ألمانيا وكانت البلاد خلالها تعاني من دمار شامل، واضطرابات، وفقر، ومجاعة، ونزوح جماعي، واحتلال من عدة جيوش، وانقسام إلى دولتين.
يبدو أن كازنتزاكيس اختار ذكر وجوده في ألمانيا خلال إحدى سنوات الكارثة التي عاشتها بين الأعوام 1945 – 1950، لأسباب إبداعية، ولكنه لم يزرها أبدا حتى عام 1958، وكان ذلك حدثا إبداعيا بحد ذاته لأنه مات فيها!
“كان الناس يموتون جوعا في الشوارع. وكان الأطفال الرضع يمضغون قطعا من الكاوتشوك بدل رضع الحليب. وخلال الليل كان رجال الشرطة يحرسون الجسور، حتى لا تأتي الأمهات ويرمين بأطفالهن وينتحرن”.
“في أوج أيام المرارة” تلك تلقى الكاتب رسالة زوربا التي تقول: “وجدت حجارة خضراء عظيمة، تعال فورا!”. غضب كازنتزاكيس من هذه الدعوة “غير الإنسانية” وصرخ: “إلى إبليس، بالجمال!”. “الجمال بلا قلب، لا يبالي بالألم البشري”.
“لم أذهب”، يقول الراوي في “زوربا”. “لم أصغ إلى الصيحة الإلهية المفترسة التي كانت تعلو في داخلي، ولم أقم بعمل مجاني ولا معقول، وأصغيت إلى صوت المنطق، المعتدل، البارد، الإنساني”.
كتب كازنتزاكيس لصديقه وشرح له موقفه فرد عليه ردا مفحما قال فيه، حسب السيرة الذاتية هذه المرة:
“سامحني لاقتراحي يا ريس. أنت لست أكثر من حامل قلم. كانت أمامك فرصة العمر لكي ترى حجراً أخضر جميلاً لكنك لم تره. أقسم بالله إنني أحياناً، حين لا يكون لدي ما أفعله، أجلس وأسأل نفسي: أهناك جهنم أم لا؟ لكنني البارحة، حين استلمت رسالتك، قلت لنفسي لا بد من وجود جهنم لاستقبال حملة الأقلام”.
في ترجمة خالد الجبيلي لرواية “زوربا” يصف زوربا صديقه كازنتزاكيس بالكاتب والمعلم، ما يعني، حسب فهمه لمهمة الكاتب في الحياة، ألا يفرّط بفرصة رؤية أحجار خضراء جميلة حتى لو كان العالم على وشك الفناء. الكاتب بهذا المعنى يبحث عن الجمال. أما في ترجمة جورج طرابيشي للرواية فيصفه بـ”كاتب سفساف” (هناك ترجمة ثالثة لـ”مجموعة من المترجمين” تصفه بكاتب رديء).
توقّف زوربا، بعد هذه الحادثة، عن التواصل مع كازنتزاكيس، وحين قرّر الكاتب أخيرا كتابة الرواية الشهيرة وانتهى منها وصلته رسالة من معلم قرية صربية كان زوربا يقيم فيها آخر حياته لينقل إليه كلمات احتضاره الأخيرة التي أنهاها بقوله له: “حان الوقت لتظهر شيئا من الإحساس” (“حان الوقت ليصبح منطقيا” حسب طرابيشي)!
تحتمل الحكاية أكثر من مقاربة. من هذه الأفكار القريبة المنال، على ما يبدو لي، هي أن اكتشاف شيء جميل مهما صغر وبدا عبثيا ولا فائدة منه هو مساهمة في “المنطق” في وقت فقد فيه العالم الإحساس، غير أن وصف كازنتزاكيس لهذا الفعل بـ”الصيحة الإلهية المفترسة” تشير إلى مقاربة أخرى: النظر إلى العالم من الأعلى لمراقبة الناس يقتتلون ويموتون بالملايين!
يخيّل لي أن كازنتزاكيس تجاهل احتمالات أخرى لا تنوس بين عبثية السفر ألف ميل لرؤية حجر أخضر، والنظر إلى الكارثة البشرية كما كان يفعل آلهة الإغريق وهم يطلّون على شخصيات حرب طروادة.
من هذه الاحتمالات مثلا أن نعتبر الفعل الإنسانيّ البسيط المتمثّل بزيارة شخص لا مثيل لصداقته مثل زوربا، أمرا سيحدث فارقا رغم أنه، يبدو في منظور الأحداث التراجيدية الهائلة، حدثا تافها مقابل الأحداث الكبرى التي تلتهم العالم.
الاحتمال الذي أفضله يرى في كتابة كازنتزاكيس لرواية “زوربا”، في عام 1946، أي خلال تلك الأحداث المهولة، وبينما كان العالم “على وشك الفناء”، مثالا على مواجهة الجمال للفظاعة، حيث أعاد الكاتب، عبر رواية مذهلة، إدخال الجمال في حيوات ملايين القرّاء، وألهمهم أفكارا تجابه الوحشية والبهيمية والحروب.
العالم على وشك الفناء!
تفتح هذه الحكاية، مع ذلك، حيّزا لإشكالية تكاد تبتلعنا لأنها لا تذكّر فقط بأحوالنا الحاضرة فقط، بل تمتلئ باحتمالات أكثر تعقيدا حتى من دروس حكاية زوربا وكازنتزاكيس.
لننظر إلى الإشكالية العميقة التي وجد السوريون أنفسهم فيها.
بعد نضال استغرق جلّ أعمارهم لإسقاط نظام الحكم العسكري لحزب “البعث” وعائلة حافظ الأسد التي حكمت البلاد بإجرام إباديّ منقطع النظير، تواجهت أمال السوريين باستعادة بلادهم المتشظية، وتركيب سرديتهم الوطنية من جديد، بارتفاع أشباح الكارثة التي تضافرت فيها التحديات الهائلة لبلد تحطّم اجتماعه وعمرانه، وانتهكت سيادته، وأعطبت أجيال من سكانه، مع أخطاء سياسية قاتلة من الحكام الجدد.
ساهمت هذه الأخطاء في تحوّل حدث للدفاع عن الكيان الجديد ضد تمرّد لفلول النظام في الساحل، إلى مجازر ضد العلويين، وانطلاق موجة اضطهاد ضدهم لم تتوقف بعد؛ وفي مقاربة كارثية للأوضاع في محافظة السويداء، مما أدى لانتهاكات فظيعة ضد الدروز، ولتهجير لسكان عشرات القرى الدرزية وتدميرها، كما لتهجير ألاف من عائلات العشائر السنّية من أحياء في مدينة السويداء، مما أدى لانفصال نفسيّ هائل للدروز عن السرديّة السورية – العربية، ولارتفاع مدّ طائفي وحصار للمدينة، وصعود لتيّار جذري لا يطالب فقط باستقلال السويداء، بل بانفصال الجنوب السوري كله، بشكل يتّسق مع خطط إسرائيل، التي تقوم بإبادة استئصالية متوحّشة ضد الفلسطينيين، وتعلن، في الوقت نفسه، مسعاها الواضح للسيطرة على العالم العربي!
زوربا يفكّك أدورنو
في منازعات “الصيحة الإلهية المفترسة”، للحاجة إلى وطنية سورية جامعة، أو لمطالب الانفصال (سواء منها الناتجة عن العطب الكبير الذي تسبّبت به الانتهاكات، أو المنخرطة، منذ البداية، في الخطط الإسرائيلية) أجد، في مقاربتي الخاصة للحكاية، أن حجر زوربا الأخضر، هو دعوة الروائي السوري ممدوح عزام، الكتاب والمثقفين السوريين لزيارة بيته المهدّم، ومكتبته المسروقة في قرية تعارة. إنه وقوف إنسانيّ وأخلاقيّ بغضّ النظر عن موقعنا على تخوم الاشتباكات السياسية السورية المعقّدة.
فلننظر أيضا، وأولا، إلى الإبادة الجماعية التي تتعرّض لها الجماعة الفلسطينية في غزة، بالترافق مع أوضاع مجاعة (مهندسة وليست نتيجة للحرب فحسب)، ونزوحات لا تنتهي، ورعاية عالمية حارسة لهذه الإبادة والمجاعة ومشاركة فيها، ولنحاول أن نجد حلا لأحجية زوربا!
يصل زوربا، بإحساسه ومنطقه، قمما روحية يحتاج المثقفون، كما يقول كازنتزاكيس، “سنوات من النضال الشاق لتسلقها”، والحال أن العبرة التي استخلصناها حول مساهمة الرواية (الجمال) في مكافحة الكارثة، يمكن أن تفكّك أركان جملة الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو الشهيرة عن أن “كتابة الشعر بعد أوشفيتز تعّد عملا بربريا”.
إن الكتابة الآن عن غزة، أو سوريا، أو السودان، هي مواجهة الجمال للكارثة، بحيث تتمكن رواية، أو قصيدة، أو عمل سينمائي (أو زيارة لصديق يبعد عنك ألف ميل) من تقديم مساهمة للبشرية في مجابهة الإبادة الجماعية والمجاعة والفقر، بالجمال الذي يصنعه الأدب والفن (والصداقة).