حجز مريم الحكايا وتوقيف لو كنت يهودياً احترازياً في مصر ومنع الدين والدهماء والدم في الأردن: التواطؤ غير المعلن بين شرطي السلطة ورجل الدين
ناظم السيدحجز مريم الحكايا وتوقيف لو كنت يهودياً احترازياً في مصر ومنع الدين والدهماء والدم في الأردن: التواطؤ غير المعلن بين شرطي السلطة ورجل الدينبيروت ـ القدس العربي كل عام لا تفاجئ الرقابات العربية أحداً حين تمنع كتاباً هنا أو تحاكم كاتباً هناك. وفي كل معرض عربي للكتاب من كل عام يتم منع كتب بالجملة بطرق عدة مباشرة أو مواربة، باعلان أو باخفاء. حال كهذه باتت مؤكدة أكثر منها متوقعة، بديهية أكثر منها نافلة في ظل انظمة مستبدة. حال كهذه تجعل الكاتب أو القارئ العربيين يفاجآن حين تمر مناسبة بلا منع. ولم المناسبة طالما ان المنع بات جزءاً ليس من سلوك السلطة فحسب، وانما من بنيتها أيضاً؟ هذه السلطة التي تنتج الواقع قبل ان تقمع كما تنتج الحقيقة قبل ان تضفي عليها رداء أيديولوجياً في استعارة من كتاب المراقبة والمعاقبة لميشيل فوكو. كل هذا يجري في ظل كلام كثير عن اصلاحات و مصالحات و دول معتدلة و انفتاح و عفو عام ، مصحوبة باتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي وتهليل لثورة المواصلات والاتصالات وتنظير في الحداثة والتحديث والعولمة والقفز فوق الدولة وعبور القارات. اذا كان عدد من الانظمة العربية قام علي تحالف بين السلطة السياسية (وهي قبلية أو عائلية في أحسن حالاتها) وبين الأصولية الاسلامية كما في السعودية والأردن والكويت، ساهم في خلق انظمة تري في المنع ديمومة للنظام وفي الرقابة حماية للمجتمع من التفكير، فان أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، كان ينبغي لها فك هذا التحالف. واذا كان بعض الانظمة دعم القوي الأصولية في مواجهة اليسار كما في مصر السادات وسورية الأسد قبل الثمانينات، فان مقتل السادات علي أيدي اسلاميين ومعارك البعث في سورية مع الأخوان المسلمين، لم تفك أيضاً هذا التواطؤ الذي يغذي طرفاه أحدهما الآخر. السلطة السياسية تريد محاربة الأصولية لكنها في الواقع تقوي الأصوليات حين تمارس المنع لأسباب أخلاقية أو دينية. ويكفي ان نعلم ان 52 في المئة من الكتب الممنوعة تندرج تحت عنوان الأدب والفلسفة، ليأتي الدين في المقام الثاني، ولا يبقي للسياسة سوي عشرة في المئة فقط (بحسب تقرير لبعثة تقصي الحقائق التابعة للمنظمة المصرية لحقوق الانسان عام 2005، وهو تقرير ينطبق علي جميع الدول العربية كما سيظهر تباعاً عبر هذا التحقيق). اذاً، تساهم السلطة السياسية التي تحتكر الحكم في تغذية الأصوليات حين تجاريها مانِعة الكتب ومحاكِمة الكتاب. لكن الحقيقة الأخري لهذا الاستنتاج ان السلطة السياسية تتخذ من منع الكتب حجة لتبرير القمع وجعله مسألة بديهية حين تقرر التفكير عن المواطنين واضعة اياهم في فئة القصار. هذا نوع من الأبوة حازته السلطة من جراء بنية المجتمع. وهنا أيضاً يتبادل المجتمع والسلطة بطريقة جدلية النظام الأبوي الذي يقرر خير الناس ومنفعتهم ولو من طريق المنع.اذا كان نصر حامد أبو زيد يري ان جذور المنع في مصر تعود الي ما قبل محاكمة الأزهري علي عبد الرازق بسبب كتابه أصول الحكم في الاسلام (وهنا يتداخل الديني بالسياسي، اذ ان المحاكمة كانت بسبب سحب الشرعية عن حكم الملك الذي كان يريد ان يكون خليفة المسلمين بعد زوال هذا المنصب مع ثورة أتاتورك عام 1919 فألب مشايخ الأزهر علي صاحب المؤلف)، واذا كان النصف الأول من القرن العشرين اقتصر علي محاكمات قليلة ونادرة منها اعتراض الأزهر علي كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين ورواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ ومحاكمة صادق جلال العظم في لبنان بسبب كتابه نقد الفكر الديني وقد برأه القضاء اللبناني، فان ظاهرة المنع راحت تتزايد مع تنامي الأصولية من جهة ووصول الأحزاب الشمولية الي الحكم، ولا سيما بعد هزيمة 1967. في النصف الثاني من القرن العشرين توطد التحالف بين الشرطي ورجل الدين. وهنا يمكن الاستطراد بالاشارة الي ان غياب الديمقراطية غذي ذهنية المنع التي راحت تتنامي باطراد ليدخل المجتمع برمته في هذه العملية. لم يعد المواطنون انفسهم يتورعون عن رفع دعاوي ضد كتب وأفلام وأغانٍ ومسلسلات ومسرحيات. حتي ان نواباً أو أعضاء في مجلس الشعب طالبوا بمنع أعمال أدبية وفكرية وفنية كما حصل ويحصل في مصر علي سبيل المثال لا الحصر. لا بل ان السلطة خلقت مثقفين تولوا عملية المنع عنها كما هي حال وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في سورية.جرائم الأرقام والأسماءفي لبنان ازداد المنع بعد انتهاء الحرب الأهلية باتفاق الطائف عام 1990. هنا أصبح رجال الدين والمرجعيات الدينية جزءاً أساسياً من السلطة. باتوا سلطة داخل السلطة، أي سلطة مضاعفة. كما كان للنظام شبه الأمني الذي نشأ بعيد الحرب الأهلية دور في تقييد الحريات. هكذا تم منع حديقة الحواس للشاعر عبده وازن بايعاز من أحد المراجع الدينية، تماماً كما منعت كتب المفكر الليبي الصادق النيهوم: اسلام ضد الاسلام ، محنة ثقافة مزورة و الاسلام في الأسر ، اضافة الي نزهة الخاطر في الروض العاطر للشيخ النفزاوي و نزهة الألباب في ما لا يوجد في كتاب للتفاشي و النصوص المحرمة لأبي نواس. وهذه الكتب الستة الأخيرة جميعها صادرة عن دار رياض الريس للكتب والنشر . وبعد عام 2000 تم منع عندما صار اسمي 16 للأستاذ الجامعي أدونيس العكرة (يروي تجربة سجنه مدة 15 يوماً بسبب انتمائه الي التيار الوطني الحر )، الشخصية المحمدية لمعروف الرصافي و شيفرة دافنشي لدان براون، بايعاز من الكنيسة الكاثوليكية.في سورية يبدو المنع سوريالياً. لقد منعت وزارة الثقافة ديوان مزهرية علي شكل قبضة يد للشاعر منذر مصري بسبب قصيدة ساقا الشهوة ، رغم ان الكتاب صدر عن وزارة الثقافة. كما تم منع ديوان شيلر لطه خليل بسبب أصل الكلمة الفارسية أو الكردية علي الأرجح، وكذلك كتاب الشاعر لقمان ديركي حجل نام الذي رفض الاتحاد نشره، ما اضطره الي تغيير العنوان الكردي. وقد رفض اتحاد الكتاب أيضاً نشر مجموعة هذا الأخير القصصية بسبب ورود بعض القصص باللهجة المحكية (صدرت في بيروت عن رياض الريس للكتب والنشر عام 2006). أما روزا ياسين فقد أصدر اتحاد الكتاب روايتها أبنوس بعد حذف مقاطع منها من دون العودة الي الكاتبة. الاتحاد نفسه أعاد مخطوط رواية الخراب الي صاحبه علي عبدالله سعيد مع شتائم مكتوبة علي الهوامش تطال أخلاق الروائي وأصوله وعائلته.ومثل جارته اللدودة لا يقل الأردن سوريالية عن سورية. فقد عمدت الرقابة الي منع كتابي سليم بركات المثاقيل و انقاض الأزل الثاني مع حرق 300 نسخة من كتابه دلشاد . أما رواية سيرة الفتي العربي في امريكا لرفقة دودين فقد منعت بعد فوز الروائية بجائزة اللجنة الوطنية العليا لاعلان عمان عاصمة للثقافة العربية عام 2002. هذا اضافة الي ديوان شجري أعلي الذي عرض صاحبه موسي حوامدة لخمس سنوات من المحاكمات أمام المحاكم الشرعية والمدنية. كما تم منع الهدأة لوهدان عويس، من النكبة الي الانتفاضة لبهجت أبو غريبة، الأردنيون والثورة الوطنية والديمقراطية لمازن حنا (أمين عام حزب الشغيلة الشيوعي)، الديمقراطية المقيدة لعلي محافظة، الجورنالجي للمصري محمد حسنين هيكل، الحريم السياسي للمغربية فاطمة المرنيسي و يالو للروائي اللبناني الياس خوري. وفي النهاية بلغ عدد الكتب الممنوعة في الأردن بين عامي 1955 و1987 بحسب دراسة نشرها عبدالله حمودة في صحيفة الرأي الأردنية 1250 كتاباً.اذا كانت الكويت شهدت محاكمات شائنة طاولت الروائية ليلي العثمان والأستاذة الجامعية عالية شعيب، اضافة الي سجن المفكر أحمد البغدادي شهراً كاملاً بسبب آرائه، فان جارتها السعودية تشهد منعاً يجعل الواحد منا يسأل عن عدد الكتب المسموح بها لا المحظور ادخالها الي البلاد وترويجها. حتي ان الكتاب السعوديين يقرأون خارج بلدهم أكثر مما يقرأون داخلها. غالبية الروائيين السعوديين منعت كتبهم من تركي الحمد الي رجاء الصانع. والأغرب ان كتب الشاعر والروائي والوزير غازي عبد الرحمن القصيبي ممنوعة هي الأخري. هكذا تكون الدولة تثق بشخص في تولي الوزارة لكنها تشكك في كتابته. أما المغرب الذي عرف عنه أدب كامل يسمي أدب السجون، ولا سيما بين عامي 1974 و1984، فقد شهد الكثير من حالات المنع منها علي سبيل المثال روايات أغلال الماضي لمحمد البريني (بالفرنسية)، مسعودة لعبد الحق سرحان، كان وأخواتها لعبد القادر الشاوي (سجن 15 عاماً) و الخبز الحافي لمحمد شكري (سمح بالكتاب بعد عام 2000).تتمتع مصر بمجتمع مدني يبدو شبه غائب في جميع الدول العربية باستثناء لبنان. لكن مصر تتمتع (وهذه مفردة لا تناسب المقام معجمياً) بقائمة ممنوعات تنافس بها الدول العربية الأكثر تشدداً. وهي قائمة تتوسع باستمرار كلما تقدم الزمن في الحداثة والانفتاح وبالتالي في تقليص السلطات الرقابية وتجاوز آلياتها التي باتت قاصرة. والمأساة الأكثر تراجيدية ان العدد الهائل من المثقفين والفنانين والمفكرين وأعضاء الأحزاب العلمانية والليبرالية والجمعيات الحقوقية وقوي المجتمع الأهلي، لا يستطيعون شيئاً ازاء المنع الذي بات مشهداً مألوفاً في المؤسسات الرسمية والأجهزة الثقافية التابعة للحكومة وفي مجلس الشعب وفي الشارع أيضاً. وقد ساهم قرار وزير العدل قبل نحو عام ونصف العام، والذي يمنح الضبطية القضائية لمفتشي الأزهر، تحديداً مجمع البحوث الاسلامية التابع للأزهر، والمخول برفع التقارير لأمن الدولة والقضاء، ساهم هذا القرار في جعل هذا المجمع يمارس دوراً شبه اجرائي في المنع. ثمة كتب بالعشرات تمنع في مصر بعضها يطال التراث وبعضها جديد. من هذه الكتب علي سبيل المثال: ديوان آية جيم لحسن طلب، العرب ظاهرة صوتية لعبد الله القصيمي، نقد الفكر الديني لنصر حامد أبو زيد، سقوط الامام لنوال السعداوي (منع بعد نشره في الأسواق بخمسة عشر عاماً، وقد قررت الكاتبة ترك بلدها وطلب اللجوء الي الولايات المتحدة الامريكية بعد منع كتابها أوراق حياتي )، رسالة المؤتمر الخامس و رسالة المؤتمر السادس لحسن البنا، معالم في الطريق لسيد قطب وغيرها الكثير الكثير. وهنا ينبغي ألا يغيب عن بالنا محاكمة نصر حامد أبو زيد الشهيرة وطعن الراحل نجيب محفوظ بسكين أحد المتطرفين واغتيال المفكر العلماني فرج فودة واضطرار المفكر سيد القمني الي الاعتذار عن بعض أفكاره واعتزال الكتابة. وهذه جرائم ما كانت لتحدث لولا مناخ المنع الذي تغذيه أجهزة الرقابة سواء في الأزهر أم في الدولة.توقيفات احترازيةلا يمر معرض في مصر بلا منع. وثمة أسلوب جديد تعمد اليه السلطات يحتال علي المنع المباشر بمفردة تقوم مكان المفردة السابقة وتؤدي وظيفتها: الاحتجاز. لكن سواء منعت الرقابة كتاباً أم احتجزته فان المآل واحد والنتيجة عينها. قبل سنتين تم احتجاز 40 مؤلفاً منها كتب نصر حامد أبو زيد الصادرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت: مفهوم النص ، الخطاب والتأويل و نص السلطة الحقيقية ، اضافة الي كتب صادرة عن الدار نفسها مثل مدن الملح ، شرق المتوسط للروائي عبد الرحمن منيف، ما وراء الحجاب لفاطمة المرنيسي، الفكرة الاسلامية لمحمد أركون و احدي عشرة دقيقة لباولو كويلو. يضاف الي هذه الروايات مسك الغزال لحنان الشيخ، ليلة الغلطة ، الحب والحب الآخر و أعناب مركب العذاب للطاهر بن جلون، الحياة الجديدة لأورهان باموق، الوعول ، الومض و حكاية النورس المهاجر لحيدر حيدر (الذي منعت من قبل روايته وليمة لأعشاب البحر ). وأيضاً أول الحب أول الجسد لأدونيس، أحلام النساء للمرنيسي، أحد عشر كوكباً لمحمود درويش، حكاية مجنون للروائي المصري المقيم في ألمانيا يحيي ابراهيم و العرب الي أين لمجموعة باحثين. وهذه السنة تم احتجاز العديد من الكتب أكتفي هنا بالحديث عن كتابين صدرا في بيروت: مريم الحكايا للروائية علوية صبح و لو كنت يهودياً للكاتب نصري الصايغ. وثمة كتاب آخر تم منعه من قبل الرقابة الأردنية هو الدين والدهماء والدم ـ العرب واستعصاء الحداثة للكاتب صقر أبو فخر.وفي سؤالنا عن مدي حقيقة هذا الاحتجاز، قالت الروائية علوية صبح ان الصناديق التي تحوي روايتها اختفت . لكنها لم تؤكد هذا الخبر الذي كانت الآداب ناشرة الكتاب أكدت خبر الاحتجاز عبر مسؤول المبيعات فيها نبيل نوفل. والاحتجاز بحسب نوفل يعني وفقاً لتجربة القيمين علي الدار ان الرقابة صادرت النسخ جميعاً ، مشيراً الي ان العادة لم تجرِ بين السلطات المصرية والناشرين علي ابلاغهم بأمر المصادرة، بل يقومون بالمصادرة مباشرة من دون العودة الي الناشرين ومن دون اعادة ما يصادر اليهم (تصريح نوفل نقلاً عن صحف وليس مباشراً). وهذا التصريح أشارت اليه علوية صبح بقولها عادة لا يقال انها منعت . لكن صاحبة الرواية التي حازت الكثير من النقد الجيد والترحيب والشهرة والاقبال من القراء وبعض الدراسات الجادة، نفت ان تكون روايتها ممنوعة في مصر، اذ ان الرواية موجودة في المكتبات المصرية ، مشددة علي ان مصر أول دولة عربية احتضنتها بالقول: انا أعتز باحتضان مصر لي. ليس لدي مشكلة مع مصر التي أعتز بنقادها وكتابها وقرائها… كما ليس لدي مشكلة مع الرقيب المصري لانني لست ناشراً ولا موزعاً . تأكيد من الناشر بالاحتجاز أثناء معرض الكتاب 39 ونفي من الروائية بالمنع عموماً رغم ان المنظمة المصرية لحقوق الانسان ذكرت حادثة الاحتجاز في موقعها في المعرض الأسبق الذي حمل الرقم 37.وعن أسباب الاحتجاز والمنع أجابت صبح: لست أدري مبررات أي دولة أو رقابة للمنع. المبررات العامة معروفة وهي ممارسة تابوهات معينة. في النهاية، انا لا أكتب للرقيب ولا يعنيني هذا الموضوع. بالطبع أحب ان يصل كتابي الي كل قارئ عربي. وأتمني ان يتم احترام الكاتب مع عدم رغبتي في الدفاع عن الكتب المبتذلة. في كل حال، لم يعد للرقابة معني في ظل السفر المتاح أمام الكثيرين وفي ظل وسائل اتصالات عابرة للدول مثل الانترنت. لكني أريد الاستطراد والاشارة الي الفضائيات المبتذلة الكثيرة اليوم في العالم العربي والتي لا تثير حفيظة الرقيب. هذا الرقيب الذي لا تزال الكلمة تخيفه .وعما اذا ما كان في الكتاب سبب للمنع (رغم ايماني الشخصي بعدم أحقية أحد في المنع مهما كان السبب)، تقول صبح: مهمتي في الحياة تختلف عن مهمة الرقيب. هو لا يفرض علي شروط الكتابة. ثم انني لا أكتب له في الأصل. لا أفكر فيه لحظة الكتابة. لهذا لا آخذ مبرراته في الاعتبار. الكتابة حفر وكشف واضاءة وبحث في علاقة الأشياء بالحقيقة . أسأل صبح التي نالت أخيراً جائزة السلطان قابوس للابداع الثقافي في مجال الرواية مناصفة مع المغربي ربيع مبارك، عن رغبة بعض الكتاب في منع كتبهم لنيل الشهرة، وهي رغبة مارسها هذا البعض فعلياً تماماً كالمغنين الذين يروجون شائعات عنهم ليظلوا تحت الأضواء، ردت صبح بصرامة: لا أحب هذه الطريقة. بالعكس، أسعي الي ان توزع رواياتي أكثر. شخصيتي الانسانية والكتابية لا تسمح لي بذلك. أفضل وصول كتابي الي القارئ بطريقة طبيعية. أريد ان ينتشر ما أكتب بسبب قيمته الأدبية والفنية وليس بطرق أخري ملتوية .كتابان للكاتب السياسي نصري الصايغ تم احتجازهما في معرض القاهرة الأخير. لم يتم احتجازهما. الأول لو كنت يهودياً (2005). الأخير حوار الحفاة والعقارب (2007). الناشر دار رياض الريس للكتب والنشر لم يؤكد خبر الاحتجاز. الكتاب الأول تم توقيفه بسبب العنوان ليفرج عنه في اليوم الأخير لفاعليات المعرض بحسب الدار نفسها. الكاتب أكد الاحتجاز بمقال نشره في صحيفة السفير . ومما جاء في هذا المقال: …أمس، تبلغت مصادرة كتابي في مصر، لو كنت يهوديا و حوار الحفاة والعقارب . ثمة أمر تحققت منه. الرقيب الذي كان يقيم معي، ويستعير يدي، ويكتب عني، ويهذب مواقفي، ويدعوني الي فضيلة الجبن، وممارسة التذاكي اللغوي، وأسلوب التعميم المحتشم، كي لا أقع في الحرام البوليسي، قد مات. تأكدت ان يدي الثالثة التي نمت في جسم اللغة، قد بترتها. تأكدت ان جبني الهستيري، قد تحول الي شجاعة هستيرية، لا تربأ بالعواقب. تأكدت انني لست بطلا أبداً، انما، كائن طبيعي: يفكر، يكتب، بلا قيود. لذا، صرت يهودياً في كتابي الأول، يهودياً حقيقياً، مغالياً في التعبير عن مأزق اليهودي في اسرائيل. صرت يهودياً، وعرفته، كمن لم يعرفه أحد قبلي. لبسته بتمامه، بمأزقه وآلامه وانتكاساته وأحلامه ومصائره المغفلة وطموحاته البائسة، ومعاركه الضارية، وجراحه الفاغرة وأسئلته العدمية وتحويله فلسطين الي مقبرة للفلسطيني والاسرائيلي معاً… . أياً يكن الأمر، نصري الصايغ الذي عاش وتربي في الحزب السوري القومي الاجتماعي ، انما الحر في مقالاته السياسية، ممنوع شخصياً من دخول مصر وسورية والأردن بحسب ما أخبرني عبر الهاتف.بارومتر التخلفالكتاب الأخير الذي صدر في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر وتم منعه بشكل معلن وواضح في الأردن هو كتاب صقر أبو فخر بعنوان الدين والدهماء والدم . أما أسباب المنع بحسب الكاتب فهي تقليدية وساذجة، وتتكرر في كل مرة يجرؤ فيها الرقيب علي اعتراض حرية التفكير، وهي ان الكتاب يمس بعض المفاهيم الدينية، ويتصدي لبعض رجال الدين المشهورين في العالم العربي. وهذه ليست المرة الأولي التي تمنع فيها كتبي في الأردن، فقد منع أيضاً حوار مع أدونيس بالذريعة نفسها. وانا أعتقد ان الفضيلة الأساسية لكتاب الدين والدهماء والدم هي المواجهة النقدية لرجال الدين هؤلاء الذين يزرعون الفضاء العربي بفتاوي مروعة ومهينة للعقل العربي وللعلم وللعقلانية علي وجه العموم. وفي أي حال، أتوقع ان يمنع هذا الكتاب، لا في الأردن وحده، بل في الكثير من الدول العربية الأخري. وهذا يقيس مدي الحريات المتاحة في هذا البلد أو ذاك، ويقيس، في الوقت نفسه، منسوب الاستبداد والتخلف معاًً .وعن محاربة الانظمة السياسية الأصوليات والتواطؤ معها من خلال المنع يقول أبو فخر: من قال ان السلطات العربية الحاكمة تحارب الأصولية أو السلفية؟ ان هذه السلطات المرتعدة كانت دائماً تحتاج الي جلاد وشيخ لقمع حيوية المجتمع، وارسال المفكرين الأحرار الي السجن أو الآخرة أو المنفي. وبهذا المعني، فان هذه السلطات المستبدة كانت دائماً الصدر الذي أرضع جميع الحركات السلفية الجديدة والأصوليات المتجددة. علي سبيل المثال الرئيس انور السادات الذي شجع الاسلاميين كثيراً حينما وصل الي السلطة، واستخدمهم في المواجهة مع الناصريين واليسار. وعندما قوي عود هؤلاء قتلوه. وتكرر ما يشبه هذا الأمر في سورية في السبعينات مع مجيء الرئيس حافظ الأسد الي السلطة. فالذين كتبوا في سوق الحميدية شعار طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد هم انفسهم الذين قاتلوا النظام السوري في الثمانينات. ولا ننسي ان جميع الكهوف التي أطلقها الجهاد الأفغاني انما رضعت من الاسلام السعودي… قصاري القول ان الاستبداد العربي يخشي الأصوليات ويخشي الناس في الوقت نفسه. وما دامت هذه الأصوليات تنشر الأفكار المخدرة للعقل والمخلفة للوعي، فان هذا الأمر لا يضير السلطات علي الاطلاق. أما اذا تطلعت هذه الأصوليات الي الحكم، أو نازعت الحاكم علي سلطاته، فمن المؤكد ان هذا الحاكم سيبادر الي نزع الرؤوس عن الأعناق. وليس من المستغرب اذاً ان تسكت السلطات عن كتب من عيار زواج الجان من بني الانسان و امرأة انجبت للشيطان و القبر يتكلم و الجن وعلم الفيزياء و اعرف شخصيتك من قفاك . والانكي من هذا كله ان كتب أيمن الظواهري تباع في كل مكان بينما كتب نصر حامد أبو زيد ومحمد سعيد العشماوي وحسن حنفي ونوال السعداوي والصادق النيهوم وصادق جلال العظم ممنوعة في الكثير من العواصم العربية .أخيراً، أسأل صقر أبو فخر عما اذا كان المنع يخدم الحركات الدينية المتشددة، فيرد: نعم بالتأكيد. ان أي اجراء يقمع الحريات، وبالذات حرية التفكير، يعزز قوة الأصوليات في المجتمع. لان هذه الجماعات لا يمكن ان تنتعش الا في بيئة تنعدم فيها حرية التفكير، وهي تتغذي علي الرثاثة وعلي تلك الحال المهينة التي وصلت اليها المجتمعات العربية. ان القمع المتراكم والمتمادي وانحسار الأفكار النهضوية والتقدمية وهزيمة مشاريع التحرر السياسي، فضلاً عن عوامل أخري، أدت الي ان يصبح المواطنون في العراء: صدورهم نحو رصاص السلطات التي لا تتورع في التصويب والاطلاق وظهورهم تحت الأسواط. وفي مثل هذه الحالات تقدمت هذه الأصوليات واجتازت الصفوف لتستولي علي الانسان المعذب وتقدم له وعياً زائفاً، أي الوعد بالخلاص، ليس في الآخرة فقط، بل ربما في الدنيا أيضاً . QRE0