تمثل الحكاية في العنوان سرد الكتابة وسرد الصورة، لاشتراكهما في الإدراك بالرؤية البصرية، فتنتقل الكلمة عبر العين لتشكل أطيافها الصورية في الذهن خلال قراءة النص، بينما تنتقل الصورة مباشرة إلى الذهن خلال مشاهدة الفيلم، ليصبح العقل غارقا في برهة خيال لذيذة.
السينما أو ثقافةُ خيالٍ تحققهُ الشاشة
لا يمكن لهذا الجيل الذي لم يتفتح وعيه على الشاشة الكبيرة، ليس فقط كـ«سينما» بل كحالة اجتماعية أو احتفالية تجتمع فيها فئة من الجمهور، ظهيرة أو ليلا، تغص بهم واجهة السينما، صراخ باعة «الكاوكاو زريعة» (الفول السوداني وبذور القرع) المحمولة على صناديق مستطيلة من خشب، معلقة في رقابهم بحزام يشد الصندوق من جانبيه، يتزاحمون على الشباك ليقتنوا تذاكر، بعضهم ليعيد بيعها، والبعض الآخر ليحصل فقط عليها بثمنها الحقيقي الذي تدَبرَه بالكاد من جيب والد كان يساهم في منح قليل من التسلية لأبنائه، بما استطاع، تلك التذاكر كانت تمكن من تحقيق لحظات فرجة نحلق فيها بعيدا عن أماكننا، نلتقي العالم على اختلافه وتنوعه وإغراءاته.
أستطيع أن أقول اليوم إنني لم أكن أعي وأنا طفل أتدبر دراهم معدودة لأشرد بخطواتي صوب سينما « Rex » أو « Municipale »بأن الشاشة كانت عبارة عن حركة تجعل خيالي واقعا، أي أنني كنت أرى خيالي مفعما بالحياة والواقعية، وهو ما فات إدراك أجيال الديجيتال ويوتيوب والميديا الجديدة. كانت الجدران تعيش حياة المدينة، لم تكن ظلا للمفرغات، أو ما يتخلى عنه الساكنة، كانت كيانا جديرا بأن تعلق عليه «أفيشات» الأفلام، فتتحول لوحة كبيرة يتابع فيها المهتمون بعالم السينما أسماء الممثلين والمخرجين وواضعي موسيقى الأفلام، ثم قبل هذا وذاك الإلمام بخيال موجز الحكاية، الذي سوف تتفكك أحداثه على شاشة العرض، وبالتالي، لا تصبح السينما مجرد حدث فرجوي، بقدر ما هي نشاط ثقافي يجعل من لحظة انتظار العرض فرصة للبحث عن كل ما يتعلق بصناعة الفيلم، الذي كانت توفره الجريدة، ولهذا لم تكن الصورة معزولة عن حياة الناس، لم تكن الفوتوغرافيا مجرد سلوك عفوي، كانت تقوم صورنا الفوتوغرافية على تقمص شكل الممثل المفضل، بما يحمله من معنى البطولة، فالصورة سينمائيا تختزن ذاكرة، وتحمل وعي الجدار والجريدة والشاشة الكبيرة وجماهيرية اللقاء المفعم بالاحتفالية، وزحام الشباك، فشباب ذاك الجيل كانت تعني له الجريدة بما تحمل من أخبار السينما فضاء تحضيريا لاحتفالية الظهيرة أو الليل، حيث تتداخل الخيالات لتضيف إلى الفيلم نكهة «القراءة المفتوحة» أو ثقافة إثراء الفيلم دون أن نعي معنى «السينماثيك».
الرؤية البصرية و«منطق السطح»
الرؤية البصرية باعتبارها أداة للتأمل، فهي الوسيلة التي ندرك بها حقيقة الموضوعات وتفاعلاتها في ما بينها وبيننا. تمر الأحداث أمام ناظرينا، فإما ندركها منفصلة، أو متفاعلة مع المحيط الذي أنتجها، وهو ما يحكم هذه التأملات في الموضوع السينمائي كفضاء بصري يقدم فرجة جماعية وعلاقة مع الصورة، ويقدم أيضا مناسبة للقراءة على شاشة منتجة لعالم يبدو للحظة وكأنه قريب منا، على أساس «منطق السطح» الذي أولاه جيل دولوز أهمية في كتابه «منطق المعنى» حيث ترد مقولة بول فاليري فيه: «إن سطح الجلد هو العمق الغائر الذي لا يضاهيه عمق آخر» فالشاشة مسطحة والفيلم غشاء رقيق، هذه السطوح تحمل الصورة لتقدمها وفق زمن ساكن على سطح الفيلم وزمن متحرك على سطح الشاشة، مفهوم «السطح» يقرب المعنى في عالم الصورة إلى سطح شعور المتفرج، فتتواصل اللحظة الخيالية باللحظة البصرية في توحد آني يجعل الشاشة تأخذ عمق وشساعة فضاء الحدث الواقعي، بما يوحي إلى أن ما خلفها هو مضمار الحركة، وذلك هو عمق الخيال الذي تشكله السينما، باعتبارها كينونة مساهمة في بلورة التوازي الوجودي للشخصية في بعديها الخيالي المتعلق بالحكاية والواقعي المرتبط بلحظة تفعيل البصر.
ونحن نحضر أنفسنا للذهاب إلى السينما، نحمل معنا ذلك الإحساس الطفولي بأن شيئا ما سوف يأخذنا ويلقي بنا لسويعات خارج أنفسنا وخارج حيزنا، لعلنا ندرك جيدا أن فضاء الشاشة الكبيرة هو هيمنة صورة متحركة، تبدو لنا حين يتوافق زمن الرؤية البصرية وزمن الحركة الصوَرية كجزء من الواقع الذي ننفصل عنه شيئا فشيئا، ليتشكل زمن مختلف ينسجه الخيال، وعين ناقلة لصورة متحركة كبيرة إلى وعينا الحاضر في زمن العرض، ممتدا إلى تخيل زمن التصوير، تداخل الزمنين أو إدراكهما في الوقت نفسه، يفجر معنى السينما في كونها فضاء منبسطا يجمع عدة مستويات من الوعي لتلقي الصورة، التي نتلقاها مُندمجين في حركتها، حينها ندرك معنى كينونتنا المخيالية ولو للحظات.
لا تبدأ تجربة السينما عند إزاحة الستار وعرض الفيلم، بل تبدأ منذ ولوج القاعة وحركة الجمهور التي تسبق العرض، الدخول والخروج، اختيار الأماكن، الكلام، وما إلى ذلك.
حدائق بابل والسينما/البعيد واللامنتظر
لا تُتصور»حدائق بابل» إلا معلقة، والتفكير فيها يهيمن عليه سؤال لماذا عُلقت؟ وكيف أصبحت صورتها بعد التعليق؟ وضعنا كذوات متخيلة في إطار الحدائق؟ وهل كان يفكر البابلي بأن يصنع بها المفارقة حتى تصبح أعجوبة؟
إن تفكيرنا فيها الآن ونحن نبتعد عنها زمانيا يجعلنا في حالة استذهان، و»عندما نستذهن، فإننا نقوم بعملية عرض لصور وكلمات، إننا نسترجع في شاشتنا (سينمائنا) الداخلية بعض السيناريوهات التي أخذت محلها في الذاكرة. هذه الشرائط (الأفلام) الحميمة بروايتها لقصتنا الخاصة تساهم في بناء هويتنا» كما يقول بوريس سيرولنيك.
يفتح هذا الاستذهان معنى السينما على الخيال وعلى الثقافة كمعيارين لتشكيل الهوية، والاستشهاد بحدائق بابل المعلقة، يبرره فنيا المدى الوجودي الفاصل بيننا كذوات واقعية وبين السينما كمنتوج للخيال، تَشكل ضمن ظاهرة ضوئية تنعكس على شاشة لتتحرك ضمن مشهد يحاكي الواقع، لكنه ينبثق من مصدر آلي (الكاميرا) يجسد معنى الخيال بصيغته التحويلية، أي بما يمكن للصورة أن تبعثه في الأشياء والأمكنة والأزمنة من تعدد التلقي حولها بعد أن خضعت لعين المخرج، فالسينما كامنة في منطقة الحلم والأسطورة والسفر المشهدي نحو البعيد واللامنتظر تماما كما حدائق بابل المعلقة.
السينما، الفن السابع، التسمية التي أطلقها عليها الناقد السينمائي الإيطالي ريسيوتو كنودو في العشرينيات، تتيح الالتقاط الفوتوغرافي والعرض الحركي. عندما يفكر الإنسان في السينما باعتباره كائنا خياليا، فإن ذهنه سوف ينصرف إلى ما استقر عليه الواقع المادي السينمائي، أي فضاء كبير تملأه كراسي مصفوفة، كاميرا وشاشة للعرض، والشاشة مساحة ستارية بيضاء، والأبيض تكثيف لدلالة الخيال والحلم، باعتبار أن الحلم لا تحده حدود، فهو مستمر ومتواصل وممتد، هل يستطيع أحد أن يمنعك من الحلم؟ مستحيل، واللون الستاري الأبيض هو ما يكثف من عمق الحلم على أساس أن المساحة البيضاء فضاء للتسويد، أي الكتابة بالأسود، فنحن نكتب ما نريد على البياض، ولعل هذه الدلالة عميقة في اللقاء مع عالم السينما.
الفرجة أو الانزلاق نحو الأبيض
لا تبدأ تجربة السينما عند إزاحة الستار وعرض الفيلم، بل تبدأ منذ ولوج القاعة وحركة الجمهور التي تسبق العرض، الدخول والخروج، اختيار الأماكن، الكلام، وما إلى ذلك.. القاعة مضاءة، الستارة مغلقة، ثم تأتي لحظة العرض، فيعم الصمت، تنطفئ الأضواء، وتتحرك فلقتا الستارة متباعدتين لتنكشف مساحة الشاشة، تُضاء هذه الأخيرة عارضةً الحركة في عناصرها المكانية والشخوصية كافة، لكن خلال هذا الزمن تمت حركة تبادلية بين الشاشة وقاعة السينما، فحين تعتم القاعة تضاء الشاشة، وهذه الحركة من السواد إلى البياض هي حركة التخييل التي تصاحب الفيلم من مناطق العتمة في تصور تتمات العرض المستمرة، أي أن المتفرج في كل لحظة يتصور ما يليها، فهو يحرك «السينما الداخلية» بتعبير بوريس سيرولنيك، أي أنه يحاول أن يملأ بياض الشاشة بتصوراته لِمَا سيحدث على مساحتها، فهو بالتالي يحرك مركب الحلم bateau de rêve ، فحركة المتابعة من القاعة التي تبدأ مضاءة ثم تنتهي معتمة نحو الشاشة، التي تبدأ مُنطفئة ثم تنتهي مُضاءة، وأيضا على مستوى الصوت، فإن القاعة التي كانت مليئة بالكلام سوف يسودها الصمت، والشاشة الصامتة تنتهي إلى الصوت، فحركتا الإضاءة والإعتام، الصمت والكلام المتبادلان بين الجمهور والشاشة تتيح التفكير في التداخل بين البصري والسمعي.
السينما/الفاصل والتواصل مع الواقع
التفكير في الوضع السينمائي يحيل إلى العناصر الداخلة في تكوين العرض، فلا يستمر العرض خلال المدة المحددة له دون فاصل، أو استراحة entracte، وهي الفترة القصيرة التي تعود قاعة العرض إلى حالة حركة الجمهور الذي وصل درجة من متابعة الفيلم، ثم تفرض عليه طبيعة العرض بأن يركن إلى فترة استراحة، لحظة إضاءة القاعة وانطفاء الشاشة هي لحظة انتقال من حالة الحدث الخيالية إلى الواقع الذي تمثله حركة الجمهور، هناك من الجمهور من يعترض على انقطاع العرض، بينما يجد البعض فرصة لمحاولة الحديث حول ما شاهده مع الآخرين، ومحاولة إتمامه من الذهن، أي يحاول أن يملأ «الفراغات البيضاء» بتعبير أمبرتو أيكو، وهناك من الجمهور من يتوجه إلى المشرب أو مقهى السينما. حركة الفاصل هذه تعطي معنى آخر للسينما في تقاطعاتها مع الواقع، ويمثل ضجيج الجمهور المستعاد من ضجيج الشاشة الصامتة لتوها، نوع من الحركة السينمائية الواقعية التي توثق التواصل بين المخيالي والواقعي، بين شاشة العرض في عالم السينما، وفضاء الحركة في عالم الواقع.
كاتب جزائري