حدود أخلاقيةٌ وأدبية يتوارثها الناس: آداب الاحتفالات والمناسبات

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
0

نقول آداب الضيافة، وآداب المائدة، وآداب التعارف، فلماذا لا نقول آداب الاحتفالات، كأن يكون الاحتفال بمناسبة دينية أو اجتماعية، آداب تحدِّد ما يجب قوله أو فعله، وما لا يجب، احتراما لتلك المناسبة. وهذه الحدود ليست مما يُسجَّل في الكتُب، بل إنها حدود ٌأخلاقيةٌ وأدبيةٌ يتوارثها الناس في المجتمعات المتحضرة، أباً عن جَدّ.
وأيام الاحتفالات الدينية هي الأكثر شيوعاً في العالم وأبرزها الاحتفالات بعيد الميلاد المسيحي. فثمة شعوبٌ كثيرةٌ في العالم تحتفل بعيد الميلاد المسيحي ولو أن غالبية المحتفلين من أديان أخرى غير المسيحية. ولكني لاحظتُ من تجربة شخصية أثناء الدراسة العليا في أمريكا أن أيام عيد الميلاد تشهد نشاطاً محموماً في الأسواق والمعارض بتقديم أنواع المغريات لتشجيع شراء الهدايا للصغار بالدرجة الأولى. ومن تجربة شخصية في جامعات الخليج لمستُ صورةً مبالغة مما رأيت في الأسواق والمعارض الأمريكية، من الإعلان عن هدايا وملابس وألعاب لا علاقة لها على الإطلاق بثقافة أهل الخليج ولا بديانتهم. والمضحك أن ترى عند مجموعات من الهندوس وأهل جنوب شرق آسيا أن عيد الميلاد أصبح مناسبة تجارية بالدرجة الأولى. فقد ترى أهل شرق آسيا من العاملين في الخليج يتهافتون على شراء هدايا وألعاب ذات صور وإشارات مسيحية لا يمكن أن تكون مفهومة عند الهندوس وأمثالهم من كثرة العاملين في دول الخليج. لكنها نوع غريب جداً من المجاملة ومراعاة آداب المناسبة الدينية. وهكذا نجد أن الاحتفالات بعيد الميلاد المسيحي (الكرِسمس) قد غدا شبه تراث في بعض دول الخليج. أيّ نوع من آداب المجاملة هذا؟

عيد الإله «سول»

يرى بعض الباحثين أن عيد الميلاد المسيحي يعود في جذوره إلى عيد وثني هو عيد الإله “سول” إله الشمس عند الرومان، الذي يصادف يوم الخامس والعشرين من كانون الأول/ديسمبر. وثمة أعيادٌ دينيةٌ أخرى تعود جذورها إلى أزمنة موغلة في القِدَم مثل عيد نوروز(اليوم الجديد) الذي يبدأ السنة الجديدة بتاريخ 20 من آذار/مارس وهو فارسي الأصل/ زرادشتي، يحتفل به الأكراد كذلك ويعدّونه أول الربيع والسنة الجديدة. وقد بقي معترفاً به في العهود الإسلامية، واحتفل به الشعراء في العصر العباسي بشكل خاص كقول أحدهم:

لبِسَ النّوروز ثوباً مُعلَما/ حيكَ من غَزلِ عيونِ النرجسِ. طرّزَته إبَرُ الوَبلِ بما/ رقّ من صُنع الجواري الكُنَّسِ.

ولكل من هذه الأعياد آدابٌ يلتزم بها المُحتفلون من ارتداء الألبسة المخصصة لذلك العيد، ومن تقديم أطعمة خاصة بالمناسبة، ومن المشاركة في الرقص أو الألعاب التي تساهم في إبراز معنى ذلك العيد.
ومن آداب الاحتفال بعيد نوروز أن المحتفلين فيه يتهادَون المسك والعنبر والعود الهندي والزعفران والكافور. وثمة عيد المهرجان، وهو من أعياد الفرس، ولفظه الصحيح: مهر كَان، أي بالكاف المُعجمة، ولكن الأسم جرى على الألسنة العربية بالجيم، ومن آدابه الرقص والغناء. ويروى أن الحسن ابن علي (رض) مرّ بقوم فرآهم في هرج ومرج، فسأل أصحابه ما بال القوم؟ فقالوا إنهم نفرٌ من الفرس يحتفلون بعيد اسمه المهرجان. فأُعجب الحسن بما رأى وسمع، فقال لأصحابه: “مَهرِجونا إذن”. وربما كان ذلك أول اشتقاق فعل من اسم أعجمي!
وفي الهند عجائب من نوع آخر. فلديهم عيدٌ اسمه “ديوالي” وهو عيد التراشق بالألوان. وقد تيسّر لي أن أشهد كيف يحتفل الهنود بذلك العيد وكيف يلتزمون “بآدابه”. ففي أواخر الثمانينات من القرن الماضي دُعيت إلى مؤتمر أدبي في جامعة جواهر لال نهرو في نيو دلهي بالهند. وكان مؤتمرأً ضمّ عدداً كبيراً من الأساتذة المتخصصين في فروع المعرفة العديدة، ومن بلاد مختلفة. وفي أحد أيام المؤتمر قيل لنا أن نلتزم غُرَفنا في الفندق الكبير ولا نخرج إلى الساحة الكبرى أمامه، بل نتابع ما يجري من وراء النوافذ، لأن اليوم هو عيد “ديوالي” وهو عيد التراشق بالألوان. وكنتُ أنا من القليلين الذين احترموا النصيحة، خوفاً أكثر منه احتراماً! ولكن عدداً من الأساتذة والنساء الأمريكان قرّروا “التمتّع بكل ما هو غريب في الهند” والتقاط الصور للحديث عنها عند عودتهم إلى أمريكا! وماذا رأينا من وراء النوافذ؟ أعداداً كبيرةً من الرجال والنساء يحملون دِلاءً مليئة بأتربةٍ من جميع ألوان القوس قزح يتراشقون بها حيث تصل أيديهم إلى أي شخص قريب، رجلاً كان أو امرأة، تصيب منهم الرأس أو الوجه أو الملابس من الأمام أو القفا، والكل يتضاحك من جَزل أو جنون، أو من الاثنين معا. وأنا إلى اليوم لا أستطيع أن أفهم كيف تخلّص القوم من تلك الملابس الملوّنة، وكيف عادوا في اليوم الثاني بشراً أسوياء؟
ولما لاحظ الحاضرون مدى استغرابي مما شاهدناه جميعاً من وراء النوافذ قال لي أحدهم: لماذا تستغرب هذا الذي شاهدتَه؟ أنت في الهند بلد العجائب! هل سمعت كيف يحتفل الهندوس الذين يعبدون البقر؟ عندهم يوم معين للاحتفال بما يمكن أن يسمّى “يوم البقر”. فهم يحتفلون برقص وغناء ويتراشقون بروث البقر! نعم، بروث البقر. فهم يقولون إن ذلك يجلب الحظ، والمطر، وتزدهر الحقول، ويعمّ الخير في البلاد!
ولله في خلقه شؤون! سمعنا أن الهندوس يعدّون البقرة مُقدّسة، لا تُذبح ولا يؤكل لحم البقر. وإذا دخلت البقرة محلاًّ لبيع الأدوات الزجاجية أو الخزفية، تقتضي “الآداب” الهندوسية عدم إزعاج البقرة حتى ولو أنها تسبّبت في تكسير محتويات المحل من زجاجيات وخزفيّات.
أي نوع من “الآداب” والاحترام هذا الذي نسمعه عن تصرفات الهندوس تجاه البقرة المقدسة؟

مفاهيم مختلفة للأعياد

وفي بلادنا العربية نجد المسلمين والمسيحيين يحتفلون بأعيادهم، كلٌّ بأسلوبه المتوارَث، ويحرصون على “الآداب” التي تقتضيها تلك الاحتفالات. ففي مدينة الموصل العراقية توجد أعلى نسبة من المسيحيين من بين المدن العراقية الأخرى، وتذكر بعض المراجع أنها تصل إلى 30 في المئة أو أكثر. كان هذا قبل أن تدخل “داعش” إلى المدينة عام 2014 وتدمّر كثيراً من معالم الحضارة والمدنية في تلك المدينة. كان المسلمون والمسيحيون يهنّئون بعضهم بحلول أعيادهم الخاصة. وكان التزاور بين البيوت المسيحية والإسلامية مسألةً مألوفةً جدّاً ومتوقّعة. وأذكر أن بعض البيوت الإسلامية كانت تجهّز الأطعمة والحلوى وتهديها إلى الجيران المسيحيين في أعيادهم. كما كانت بعض بيوت المسيحيين تعمل الشيء نفسه بتقديم الأطعمة والحلوى إلى بيوت المسلمين من جيرانهم في أعيادهم. ولكن لم يبقَ من تلك العادات الطيبة إلاّ قليلاً في ذاكرة المتقدمين في السن.
وإذا كان الاحتفال بعيد ميلاد المسيح مألوفا في البلاد المسيحية في أوروبا وغيرها، كما هو معروف في البلاد العربية، فيجب أن نتذكّر أن الأوروبيين والأمريكان يفهمون عيد الميلاد بشكل يختلف تماماً عن المعمول به في البلاد العربية، وفي فلسطين بلد المسيح والمسيحية قبل أن يسمع بها الأوروبيون وغيرهم. ففي أوروبا وأمريكا يكون الاحتفال بعيد الميلاد المسيحي احتفالا بتوسّع مبيعات الهدايا للكبار واللُعَب للصغار. لذا لا نجد “الآداب” التي تقتضيها المناسبة الدينية في أوروبا وأمريكا شبيهةً بالمألوف في هذه المناسبة في البلاد العربية وفي فلسطين بشكل خاص.
واستعراض الصوَر التي تحتفل بعيد الميلاد المسيحي في أوروبا وأمريكا لا تشبه المعروف عن صور عيد الميلاد التراثية. فصورة السيدة مريم العذراء قد غدت في المخيال الأوروبي والأمريكي صورة غادة شقراء زرقاء العينين لا تشبه أية امرأة فلسطينية. وصوَر الحِملان عند المِذوَد أشبه بذئاب، لها ذيول، منها بالحِملان. من أجل ذلك نرى أن “آداب” الاحتفال بهذا العيد الديني في أوروبا وأمريكا لا تشبه الموجود في البلاد العربية وفي فلسطين خصوصاً.
والاحتفال بيوم ميلاد رسول الإسلام (ص) غير معروف كما هو في المسيحية. ثمة يوم “المولد النبوي” وهو احتفال ديني تقام فيه الصلوات والأدعية وتقدّم فيه بعض الصدقات للمحتاجين، ومع ذلك فثمة بين بعض فئات المسلمين من لا يرضى بالاحتفال بهذا اليوم بدعوى أنه يتشبّه ببعض المناسبات غير الإسلامية. ولكن الغالبية من المسلمين يجدون في هذا اليوم تذكيراً بالدين الحنيف قبل أن تتغلغل إليه بعض العَنعَنات السياسية والطائفية التي تسيء إلى جوهر الدين، وتثير الانقسامات والفتنة. ويقتصر الاحتفال بيوم المولد النبوي على إقامة الصلوات ودعوة الناس إلى الطريق الحق الذي دعإ اليه الدين الحنيف. ومن “آداب” الاحتفال بالمولد النبوي أن الناس لا يطيلون البقاء في مكان الاحتفال، بل يقرأون الأدعية والصلوات ويغادرون المكان لكي يفسحوا المجال لغيرهم أن يشارك في الاحتفال بالمناسبة الدينية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية