حدود الرواية

حجم الخط
0

ألان باولسترجمة: علال بورقيةعَلِقت بالرواية دائما ‘ مشكلة هوية’. بالفعل، أي نوع مكدِّر أو شاذ بوسعه التبجح بِضمّه مُتونا متباينة جذريا فيما بينها، مثل تريستان شانداي ومولوي، فريدرك والأحمر والأسود، التحول والجريمة والعقاب؟. ما الغاية من وراء هذا النوع، إذا كانت كل الكتب الطافية في مداره، والبعيدة عن إطاعته،تمنح نفسها ترف تأوليه حسب طريقتها، إفساده أو حتى تجاهله؟ عند هذا المستوى يبدو لنا أن كلمة ‘رواية’ تقول كل شيء ولا شيء. لكن هذا ليس صحيحا إلا إذا فكرنا بالنوع بصفته علامة، وإذا اعتقدنا أن ‘قول شيء ما’ معناه رسم تخوم غير متقطعة، واضحة وإلى حد ما هي ذاتها دائما، تخوم كفيلة بتعيين العنصر المشترك الذي يجانس طيفا من الظواهر والتجارب المتعددة. إن أهمية الرواية تكمن في أن’مشكلة الهوية’التي تصيبها ليست طارئة، ولا انحرافا غير متوقع، واحدة من هذه الأمراض التي يتعين تصحيحها (ومنها تحترس الروايات ‘الجيدة’ من أن تصاب بالعدوى). مشكلة الهوية هي صيغة الرواية بعينها، سرّها، وشرط وجودها. فالرواية كما كانت دائما شكل مستلب، ليس هناك ما هو ملائم مثل هذه’الصفات’. إذا وجدت، فالملامح التي تحددها لا صفة أساسية لها، فهي ليست قارة ولا ثابتة، تنتج بالأحرى عن العلاقة التي تجريها الرواية منذ زمن مع تحول ما، خارج، فيما وراء تحاوره، تسترقّه أو تفسده.هل يكون هذا الشرط المستلب، ربما ما ورثته الرواية من ظهور اللغات الرومانية المولودة من حزمة لغات أرومة، ولغات مقدسة ومرجعية،والتي انفصلت عن بعضها وتباعدت من دون قطيعة، بحيث استمرت في التباري، والمساجلة، والتمازج فيما بينها. نوع غير متناجس بامتياز، إذ لا وجود لرواية لا تؤلفها مواد، أشكال وعوالم غير روائية، ولا وجود لرواية لا تتغذى، لا تٌدمج، لا تتطفل على…أو لا تتحاور مع أشكال أخرى، مع أنماط خطاب، وطرائق تَمثّل أخرى. من هنا تتأتى الطبيعة النهمة، السّعارية للرواية، وحشريتها السخية أيضا. في رواية ‘العلاقات الخطرة’، هناك الخطابات، المراسلات الحميمة، أشكال التواصل الخاصة تنتشر عبرها جيوـ سياسة حقيقية للرغبة. أفكر بمانويل بويغ، المؤلف الأرجنتيني، الراحل اليوم، والمنسي من دون إنصاف، والذي كتب روايات منسوجة من الاعترافات، ويوميات وصيفات، وتوليفات مدرسية أو رسائلية، ومحاضر شرطة، ومخابرات هاتفية، ونشرات صحة وقصاصات صحف. يٌفرغ مانويل بويغ بطريقة ما النوع الروائي، يُجرّد فضاء الرواية من كل ما يشكلها ( سارد، حبكة، حدث، سياق سردي) ويُحوّله إلى شكل من المسرح المحايد، المقفر، الركح المثالي لنشر كل ما تبقى على أطراف الرواية: زبد الأدنى، اللامعنى، عالم ما سماه مارسيل دو شو’ ما تحت الدقيق’. دفع مانويل بويغ استلاب الرواية بعيدا، إلى درجة وضع معها صفته ككاتب في خطر. في منتصف الستينيات من القرن المنصرم، كان الكاتب الأرغواياني خوان كارلوس أونيتي واحدا من المُحكّمين في جائزة أدبية مهمة عندما جنح إلى كاتب بلا سوابق: كان الأمر يتعلق بـ ‘خيانة ريتا هاورث’، رواية بويغ الأولى والتي تصف عالما خانقا عبر تويلفة شيطانية من أصوات بلا وجه، ومنولوغات نمطية وترسانة خارقة من الوثائق الخاصة. كان قرار أونيتي مثاليا: ‘أعرف كيف تتكلم شخصيات بويغ، لكني لا أعرف كيف يكتب صاحبها.’ووفقا لما تبدو عليه الروايات من طموح وادعاء، لا توجد رواية لا تعتبر نفسها فريدة. فلم توجد أبدا ‘رواية أولى’ ولن توجد أبدا ‘أخيرة’.( هذا ما يفسر اللامبالاة، الابتسامات اللبقة وجلجلة الضحكات الساخرة التي ترد بها الرواية كلما أُعلن عن موتها.) تنبثق الرواية دوما في منتصف الأشياء. حتى رواية طموحة مثل عوليس، والتي تسعى لإعادة صوغ النوع الروائي أو ختمه نهائيا، تتغذى على ‘مجتمع الروايات’ الرحب والوافر، إذ ظهرت بتوقدها الإيرلندي واضعة في اعتبارها شكل الرواية ومُقدّمة ولاءها للنوع. هناك دائما ملمح ديمقراطي متجذر في شكل الرواية. فكل الروايات برغم تباينها تصوغ في صمت نفس التأكيد المتواضع:’لست سوى واحدة تنضاف إلى أخريات’. (عكس ما ينتج في عالم الشعر، هذا النوع الأرستقراطي، حيث كل قصيدة تطمح إلى أن تكون الأولى والأخيرة في التاريخ). وبتمظهرالنوع الروائي كتَخم، فإن هذا الأخيرلا يعيّن أبدا داخلا، صفاء ما، أو استقلالية. إنه حدٌ مفتوح، ذو مسام ومتنقل، يتواصل أكثر مما يعزل، ويعرض ويضع حدودا للعدوى غير المتوقعة، التي تهدد هويته أكثر. يمكننا القول إن الحد بصفته حافة خارجية أو خط انشطار، هو بالأحرى قلب النوع الروائي ذاته، مادته وموضوعه، القوة التي تشغّله وتُبقيه حيا، أي تمدّه بالهواء وتُحوّله.يكتب بروست في رسالة إلى صديقه روبير دريفوس:’ولا مرة واحدة لا تغلق إحدى شخصياتي نافذة، أو تشطف يديها، أو ترتدي معطفا، أو تتفوه بصيغة تعريف. إذا كان هناك في هذا الكتاب جدّة، فهي هذه الأشياء(…..)’هو ذا حدٌ آخر، آخر من المعاني القوية التي يكتسبها مفهوم الحد في النوع الروائي. إنه نوع من التابو، الممنوع الداخلي، قانون صارم كالرواية ــ والحالة هذه، البحث عن الزمن الضائع ــ يفرض نفسه لينفتح على بُعد مجهول حتى الآن. هنا التخم مِصدم، نوع من الردة الإرادية التي إذا منعت، كبحت وحرمت، فقط لكي توقظ وتحرر الطاقة الأدبية غير المسبوقة. إنه الحد ليس كانفتاح، لكن كانغلاق متطرف على الذات، كتقلص أو كقوة منبجسة، حيث الرواية تقول’لا’ــ هي نفسها اللا التي نسمعها في روايات بكيت، مهموسة أو جذرية ــ، تمتنع عن فعل ما كانت تقوم به في القرون التي خلت( تشطيف اليدين، وفتح نافذة، وارتداء دثار، والتفوه بكلمات تعريف: الخروج عند الخامسة كعادة الماركيزة) وتقوم بالملاحظة، واقتفاء أثر، وتسمية ما يبدو أنه لا يملك إسما في اللغة سابقا. وكما تلاحظ نتالي ساروت في ‘عصر الريبة’، فيما يخص بروست فالمهمة معروفة: يتعلق الأمر بأن يستودع كتابيا’ مادة مُغفلة’ معينة، ‘صُهارة بلا إسم، بلا حواف’، بعض’ الحالات’ التي تشبه ظواهر الفيزياء الحديثة، الدقيقة والصغيرة إلى درجة لا يستطيع معها شعاع ضوء إضاءتها من دون أن يكدّرها ويشوّهها. يضع الحد الأكثر عزلا الرواية في اتصال مع فضاء خارجي مطلق، مع هذا العالم المجهري الهش، المنتعش بالحركات غير المحسوسة والجزئيات الطفيفة التي يقصيها الناس بالضرورة من أفقهم، كل الناس الذين يفتحون النوافذ ويشطفون أياديهم ويلبسون دثارا. ماذا يمكن استخلاصه من هذا النوع القادر على احتضان أدولف لبنيامين كوستان والوليمة العارية لبروز، ومائة وعشرون يوما لساد ولوكوس سولوس لريمون روسل من دون أن يشعر أنه ملزم بأن يغير اسمه؟ هل هو شكل مسلّ، أحبولة، عصارة لغة؟ أفضل الاعتقاد أن لا يكون كذلك، وأن تستمر الرواية في كونها شيئا، وأن يستميت هذا الشيء المسمى رواية في وجوده بيننا، وبالتحديد بسبب العلاقة النقدية التي وسمها منذ البداية بحدوده الخاصة.الحد هو فضاء الفعل الحقيقي للرواية وليس ما يوقفها. وبالعمل على هذه الحاشية تحقق الرواية مهمتين كبيرتين يفرضهما سخاؤها وإصرارها: أن تحتضن العالم وتضع الجِلد في أزمة بلا انقطاع، هذا الغشاء المحصّن الذي يفصلها عن كل ما هو غيرها. لكن ربما رؤية الأشياء على هذا النحو تعني مقاربة الرواية كشكل على نحو أقل ، كنوع أدبي، كطراز أخلاقي، كمبدأ انفتاح، كسخاء وتسامح:أي نسخة مصغرة لسعادة حضارية نادرة.qad

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية