د. يوسف نور عوض
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كتبت مقالا في هذه الصحيفة بعنوان هل نسي العرب هزيمة حزيران؟ والذي حركني في ذلك الوقت لكتابة المقال ما لحظته من تجاهل وسائل الإعلام والرأي العام العربي حدث النكسة المهم في تاريخ الأمة العربية، وها هو المشهد يتكرر مرة أخرى في هذا العام بعد أن، مرت ذكرى النكسة وكأن شيئا لم يكن، فهل حدث ذلك لأن مثل هذه الأمور الكبيرة لم تعد تحرك وجدان الأمة؟
الحقيقة هي أن نكسة حزيران وقعت قبل أربع وأربعين سنة والذين بلغوا الخمسين من عمرهم الآن كانوا في ذلك الوقت في السادسة، ويعني ذلك أن هذا الحدث أصبح بعيدا عن أذهان الشباب الذين لم يعودوا يذكرونه كما كان شأن الجيل الذي عاصر تلك الأحداث، والسؤال المهم هو لماذا كانت نكسة حزيران حدثا مهما في تاريخ الأمة العربية؟ المعروف أنه لم تكن قد مرت على حرب فلسطين أكثر من أربع سنوات عندما اندلعت الثورة المصرية التي أطاحت حكم الملك فاروق، وقامت الثورة في أول أمرها على أنها حركة اجتماعية إصلاحية، ولكن مشكلة فلسطين كانت حاضرة في عقول الذين قاموا بالثورة لأن معظمهم شاركوا في تلك الحرب وعانوا من الأسلحة الفاسدة التي قدمها لهم نظام الحكم المصري في ذلك الوقت، وعندما ثبتت الثورة أقدامها بدأت تتبنى شعارات كبيرة كلها تدور حول الوحدة العربية، ولم يكن الرئيس عبدالناصر قد بلور مفهوما واضحا للقومية العربية في ذلك الوقت على الرغم من دخوله في منازعات مع حزب البعث في سورية، فقد كانت القومية العربية في نظر عبد الناصر هي الناصرية، ولكن مع ذلك كانت العلاقة مع سورية هي التي تستقطب الاهتمام، وقد تقدمت على العلاقات بين مصر والسودان التي كانت أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية لمصر.
وهكذا خلال عام سبعة وستين بدأت مناوشات بين مصر وإسرائيل، وقد أسقطت إسرائيل في تلك الفترة ستا من الطائرات السورية، وكان من الطبيعي أن تلتفت سورية إلى مصر لمعاونتها، ولكن مصر لم تكن تملك السلاح أو القدرة العسكرية التي تمكنها من مواجهة إسرائيل، ذلك أن ظروف الحرب الباردة جعلت مصر تنحاز إلى المعسكر الشرقي، وهو ما جعل هذا المعسكر يستفيد من مصر أكثر مما تستفيد هي منه، وذلك من خلال صفقات السلاح التي لم تكن في مستوى السلاح الذي تمتلكه إسرائيل. وما زالت هناك شكوك حول الموقف الحقيقي في ما يتعلق بدعم الاتحاد السوفييتي لمصر، ذلك أنه قبل فترة قليلة من النكسة أرسل رئيس الوزراء الروسي أليكسي كوسيغن رسالة إلى الرئيس جمال عبد الناصر يخبره فيها أن إسرائيل كانت تعد لهجوم وشيك على مصر، وقد حمل الرسالة في ذلك الوقت أنور السادات ولكن الرئيس عبد الناصر لم يقتنع في أول أمره بما قاله الروس، وقد تلقى رسالة من الملك حسين يخبره فيها ألا ينجر وراء مثل هذه المعلومات، ولكن المشير عبد الحكيم عامر بدعم من رئيس وزراء سورية أمين الحافظ في ذلك الوقت كان متجها نحو المواجهة مع إسرائيل على الرغم من أنه لم يكن يمتلك السلاح المناسب أو الخطط التي يمكن بها مواجهة إسرائيل، وأخيرا رضخ عبد الناصر للضغوط التي مورست عليه وطلب من الأمين العام للأمم أن يسحب قوات الطوارىء الدولية من سيناء وهي القوات التي أرسلتها الأمم المتحدة بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1958، ولم يكتف عبد الناصر بذلك بل إنه حرك القوات المصرية إلى داخل سيناء وقد نقلت وسائل الإعلام المتلفزة قي ذلك الوقت صور الجيوش المصرية وهي تدخل إلى سيناء، وجاءت اللحظة الحاسمة عندما أمر الرئيس عبد الناصر بإغلاق مضائق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية وهو ما اعتبرته إسرائيل إعلان حرب عليها، ولا شك أن تلك التطورات وجدت دعما شعبيا كبيرا في مختلف أنحاء العالم العربي، خاصة أن معظم المواطنين العرب كانوا خاضعين للدعاية التي يبثها راديو صوت العرب، وعلى الفور قامت، إسرائيل بهجومها في الخامس من حزيران، وعلى مدى أيام كان راديو صوت العرب يخبر العالم العربي بأن إسرائيل تواجه هزيمة ساحقة، وأخيرا جاءت اللحظة الحاسمة عندما ظهر الرئيس عبد الناصر على شاشات التلفزيون ليخبر الأمة العربية بأبعاد الهزيمة التي أطلق عليها اسم النكسة ويعلن استقالته من منصبه كرئيس للجمهورية، والحقيقة هي أن عبد الناصر لم يكن في ذلك الوقت مجرد رئيس لدولة عربية، بل دخل في وجدان الجماهير على أنه القائد الصادق الذي يقود الأمة إلى تحقيق امالها في الوحدة والاشتراكية على الرغم من معاداته الصريحة لبعض الحكام العرب، لذلك فإن الجماهير خرجت إلى الشوارع في كل العواصم العربية ترفض الاستقالة وتطالب بعودة الرئيس عبد الناصر إلى موقعه الرئاسي في مصر وذلك ما حدث بالفعل.
وقد تبعت تلك الأحداث قمة عربية عقدت في الخرطوم وهنا تحضرني قصة سمعتها بعد سنوات من تلك القمة من رئيس وزراء السودان في ذلك الوقت محمد أحمد محجوب، وقد كنت صديقا لابنه سامي، وذات مساء عندما كنا نجلس في منزله بدأ يحدثنا عن مؤتمر القمة الذي عقد في الخرطوم، وقال إن الذي كنا نخشاه هو الخصومة بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل، ولكن قبل بدء القمة طلب الملك فيصل الكلمة وقال على الفور ليس هذا وقت الشماتة في أحد، بل هو موقف الدعم والصمود من أجل مواجهة الأخطار التي تمر بها الأمة، وأعلن على الفور أن المملكة العربية السعودية سوف تقدم دعما لكل من مصر وسورية والأردن، وسمعت من رئيس الوزراء السوداني الراحل أيضا أنه حين عقد المصالحة بين الملك فيصل والرئيس عبد الناصر في منزله في الخرطوم احتضن الرئيس جمال عبد الناصر الملك فيصل والدموع تنهمر من عينيه تأثرا بمواقف الملك فيصل خاصة بعد الخلاف الذي كان بينهما بسبب قضية اليمن.
وهكذا كانت النكسة نهاية لمرحلة من تاريخ الأمة العربية وبداية لمرحلة جديدة لا تقل خطورة خاصة بعد أن اتسع نطاق الأنظمة الشمولية التي كانت كلها ترفع شعارات ثورية كما هو الشأن في ليبيا والسودان والجزائر وسورية وغيرها، وهي أنظمة ظلت تبيع للأمة العربية الشعارات التي تبرر بها قبضتها الأمنية وهي الشعارات التي فضحتها الثورات الشبابية الأخيرة التي كشفت أن الطغاة من الحكام العرب على استعداد لأن يقتلوا شعوبهم من أجل مواصلة الحكم، والغريب أن كثيرا من العرب في الوقت الحاضر مازالوا ينظرون إلى مواقف الولايات المتحدة والدول الأوروبية من هذه الثورات وكأن هذه الدول من أصدقاء الأمة العربية، ويحدث ذلك في وقت يذيع فيه الاتحاد الأوروبي أن قوات النيتو ستستمر في تدخلها في ليبيا حتى نهاية العام الحالي، فهل مثل هذا القول يمكن الاحتفاء به؟ وهل ستنتظر الأمة العربية حتى نهاية العام حتى ترى نتيجة ما سيحدث في ليبيا؟ كم ألفا سيموتون إذن قبل أن تصل ليبيا إلى نهاية العام؟
الحقيقة التي لا بد أن يلتفت إليها الكثيرون أن العالم العربي يتغير لأن ثقافة جديدة بدأت تدخل إليه، وهذه الثقافة التي بدأت ترعب إسرائيل تختلف عن الثقافة القديمة التي كانت تعتمد على جيوش لم تعد إعدادا سليما، وحتى لو أعدت فلم يكن هناك ضمان لانتصارها، لأن معركة فلسطين لا تكسب بهذا الأسلوب بل تكسب بأسلوب جديد هو أسلوب الإجتياح الذي بدأ يمهد له الشباب العربي وبدأ يبث الرعب في قلوب الإسرائيليين الذين بدأوا للمرة الأولى يتكلمون عن ضرورة التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين بعد أن قضوا وقتا طويلا وهم يسوفون ويتحايلون على مباحثات السلام المزعوم، ولكن هنا سينشأ السؤال المهم وهو هل سيكتفي الشباب العربي باتفاقات سلام مع إسرائيل؟’ كاتب من السودان