يُمكن القول إن أرسطو هو أول من أعاد الاعتبار للشاعر والمخيلة، من خلال تصوره الجديد للمحاكاة، بعد أن عاشت المخيلة، نوعا من الإقصاء الفج، من قبل المحاكاة الأفلاطونية، التي جعلت الشاعر يبتعد عن الحقيقة بثلاث درجات. لقد صرح أفلاطون في لهجة سجالية واضحة قائلا إن «الشاعر التراجيدي محاك، ومن ثم فإنه منحى ثلاث مرات عن عرش الحقيقة» ذلك لأنه لا يسلك سبيل المعرفة الحقيقية التي تستدعي الجدل وسيلة لإدراك حقيقة الوجود.
لقد كان الاعتقاد عند أفلاطون راسخا بأن خيال الشاعر نوع من «الجنون العلوي»، وأن الشعراء «متبعون» وأن الأرواح التي تتبعهم قد تكون خيرة وقد تكون شريرة، ولكننا نعرف كيف أن أفلاطون لم يميز بين بعض أنواع الشعر وبين أصحاب الحرف، في قوة الخيال، وأن «أرسطو طاليس هو الذي اعترف لصاحب الملكة المتخيلة، بالمكانة اللائقة به، ومجد تلك الملكة التي تستطيع الجمع بين الصور، وأثنى على القدرة في المجاز» (فن الشعر – إحسان عباس، ص 142).
ولقد عبر أرسطو عن الخيال بمفهومين هما «المحاكاة» في كتابه «فن الشعر» و«الفانطاسيا» في كتابه «في النفس» إذ اعتبر الخيال قوة وطاقة ضرورية في القول الشعري. من هذه الحافة، حاول أرسطو استنباط كل قوانين الأنواع الشعرية وضروبها، ولم يغب عن ذهنه البتة، في الوقت نفسه، أنه الفيلسوف الذي يبحث في دوائر الحقيقة، قصد إدراك الوجود في تبدّياته وتجلياته، سالكا في كلّ ذلك، المنهج العقلاني الصارم، كسبيل لبلوغ هذا المبتغى.
لقد ربط أرسطو بين الخيال والوهم، على اعتبار أن جموحهما يقفز بالإنسان من كل ما هو واقعي مدرك، إلى كل ما هو متخيل يتجاوز الواقع لإدراك الجوانب الوجدانية من الحياة النفسية ودوائرها الغائرة، والتي تحتاج إلى قدرات إدراكية تفوق قدرات العقل.
من هنا راح أرسطو يرفض فكرة تحرير الخيال، بشكل كُلّي ومطلق، من صرامة العقل، بل إنه أكد ما مرة، على لا جدوائية الخيال، ما لم يشتغل تحت إمرة العقل ووصايته وذلك تحت يافطة «فكرة الإقناع». فكل أسلوب شعري، في مستوياته التخييلية، ينبغي عليه أن يأخذ في اعتباره مبدأ الإقناع المنطقي والوضوح، في اكتشافه للحقائق ودوائرها، إذ لا ينبغي على الخيال أن يصل درجة عالية من التمويه، حتى لا يتفلّت من رقابة العقل.
إن الشاعر في اعتقاد أرسطو، حين يركب بساط الخيال، محلقا في عوالم الغرابة والمضايق المُبهمة، بالشكل الذي لا يسمح للعقل متابعة عملية تبسيط وتوضيح الحقائق أمام السامع-المتلقي بأسلوب إقناعي، إنما يخرج عن دائرة المحاكي إلى دائرة المغلط والموهِّم.
فالمحاكاة-الخيال، هاهنا، تقاس بدرجة الصدق والكذب، فكلما كانت أقل كذبا، كانت أكثر وضوحا وإقناعا بالحقيقة، وكلما كانت أكثر كذبا، كانت أكثر غموضا وبعدا عن الحقيقة والإقناع، ومن ثم يُصبح هذا القول، ضربا من ضروب الخرافات المخترعة، ذات البعد التمويهي لا الإقناعي. يقول ابن رشد في تلخيصه لكتاب أرسطو: «فليس يحتاج في التخيل الشعري إلى مثل هذه الخرافات المخترعة، ولا أيضا يحتاج الشاعر المفلق أن تتم محاكاته بالأمور التي من خارج، وهو الذي يدعى نفاقا وأخذا بالوجوه. فإن ذلك إنما يستعمله المموهون من الشعراء، أعني الذين يراؤون أنهم شعراء وليسوا شعراء. وأما الشعراء بالحقيقة فليس يستعملونه إلا عندما يريدون أن يقابلوا شعراء الزور له. وأما إذا قابلوا الشعراء المجيدين فليس يستعملونه أصلا. وقد يضطر الملفقون في مواضع أن يستعينوا باستعمال الأشياء على التمام. بل لأشياء ناقصة تعسر محاكاته بالقول، فيستعان على محاكاتها بالأشياء التي من خارج، وبخاصة إذا قصدوا محاكاة الاعتقادات لأن تخيلها يعسر، إذ كانت ليست أفعالا ولا جواهر. وقد تمزج هذه الأشياء التي من خارج بالمحكيات الشعرية أحيانا كأنها وقعت بالاتفاق من غير قصد، فيكون لها فعل معجب، إذ كانت الأشياء التي من شأنها أن تقع بالاتفاق معجبة» (أرسطو «فن الشعر»، ص215. ت: عبد الرحمن بدوي).
وليس من شك أن كل محاولة من الخيال لتفجير كنه الأشياء، عبر إواليات تخرقُ أنالوجية المعطى، هي محاولة لا قيمة لها ولا جدوى منها في بلوغ الحقيقة. والشاعر في هذا المقام هو شاعر مموه ومغلط، بسبب «أنه لما كان الشاعر المجيد هو الذي يصف كل شيء بخواصه وعلى كنهه، وكانت هذه الأشياء تختلف بالكثرة والقلة في شيء من الأشياء حقيقتها» (المرجع السابق، ص232).
هذا ولقد اهتمت الفلسفة الأرسطية بالخيال، في جانبه التخييلي، أكثر من اهتمامها به، في بُعده التخيلي. والفرق بين الجانبين كبير جدا. فالتخييل هو محاولة ضبط القوة المتخيلة عند المتلقي، وكذا توجيهها من طرف العقل، الذي رسم مسبقا حدود التخيل عند المبدع، وهذه الالتفاتة إلى المتلقي، يمكن اعتبارها الإرهاصات الأولى لبزوغ تصورات، من جملة ما تهتم به، المتلقي، فالاهتمام بالتخييل عند المتلقي، من خلل ما اصطلح عليه، عند أرسطو، بالتطهير (الكاطرسيس) كانت خلفيتُه الأساس، هي إعادة إدماج الجُمهور في الحياة الاجتماعية، بشكل متوازن، بعيدا عن أي توجُّس أو قلق. ففكرة الاندماج، عند أرسطو، تدفع المتلقي لكي يتّخذ «وقفة سلوكية خاصة، تتجلى في فعل أو انفعال، قادته إليه مخيلته التي تأثرت بالتخييل واستجابت له» (عن الصورة الفنية لجابر عصفور ص65)، وأما التخيُّل، الذي هو طاقة خلّاقة، مُرتبطة بذات المبدع الخاصة، إذ لم يعره أرسطو الاهتمام اللائق به بسبب طبيعته الزئبقية المنفلتة باستمرار من صرامة العقل، والتي تقود صاحبها حتما إلى عوالم الهلوسة والجنون، فقد لجمت النزعةُ العقلانيةُ جموحه، بضابط المعقول والحسي والماصدق، فأصبح، بذلك، تخيلا عقليا، ينضبط أولا وأخيرا، لحدود المنطق. يقول جابر عصفور في هذا الصدد: «وهنا لا بد أن نلاحظ أن الفلاسفة لم يتوقفوا طويلا عند الشاعر باعتباره كائنا يتميز بقدرات تخييلية فائقة، ولم يتعرضوا للحديث عن ملكة التخيل عنده، أو قدرة هذه الملكة على جمع الأشياء والتأليف بينها، بالقدر الذي كنا نتمناه. لقد ركزوا على فعل «التخييل» أكثر مما ركزوا على فعل «التخيل» أعني أنهم اهتموا بما يمكن أن نسميه «سيكولوجية التلقي» أكثر من اهتمامهم بسيكولوجية الإبداع. قد نستنتج من بعض إشارتهم العارضة تصورهم للموضوع، ولكن ذلك التصور يظل شاحبا جدا. بالقياس إلى حديثهم الواضح والصريح عن الإثارة التخييلية التي يحدثها الشعر في الملتقى. وما يترتب على هذه الإثارة من نزوع وسلوك…» (المرجع السابق ص 5).
والحاصل إن المنظور الأرسطي للتخييل لا يمكن الوقوف عنده إلا بالنظر إليه على أنه نابع من تصور أرسطو للفن في إطار ما يطلق عليه نظرية المحاكاة، ومن ثم فإن الطابع التجريدي الذي صبغ المفهوم راجع بالأساس إلى التكثيف النظري للفعالية الإبداعية وإرجاعها إلى مبدأ مركزي في الخطاب الأرسطي هو المحاكاة التي فسرت الإبداع على مستويي الإنتاج والتقبل.